الديباني: ليبيا تتجه بخطى ثابتة نحو التقسيم في ظل غياب التوافق والعدالة

حذّر الباحث القانوني والمحلل السياسي، عبد الله الديباني، من أن ليبيا تعيش فعليًا مرحلة انفصال غير معلن، مع عودة تدريجية إلى الأقاليم التاريخية، نتيجة ما وصفه بتراكم التمييز بين إقليمي طرابلس وبرقة، وغياب موازنة عادلة تضمن المساواة بين المواطنين دون تمييز عرقي أو جهوي.
وأوضح الديباني، في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها “الساعة 24” أن تصاعد الدعوات إلى الحكم الذاتي في برقة وفزان لم يعد مجرد همس، بل أصبح خطابًا علنيًا، مدفوعًا بشعور المواطنين في تلك المناطق بأن المركزية كانت سببًا مباشرًا في التهميش، لافتًا إلى أن مشاريع التنمية الأخيرة في برقة وفزان، عبر صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، عززت هذا التوجه، بعدما شهدت تلك المناطق تحسنًا في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.
وأكد أن غياب التوافق الوطني وعدم الاعتراف المتبادل بالمواطنة يدفع البلاد نحو سيناريو التقسيم بخطوات ثابتة، مرجحًا أن يبدأ ذلك بالعودة إلى الأقاليم التاريخية الثلاثة، مع احتمال ظهور أقاليم إضافية مستقبلاً.
واعتبر أن التقسيم لا يشترط أن يكون قرارًا دوليًا في بدايته، مستشهدًا بتجربة جنوب السودان التي انطلقت من مطالب محلية قبل أن تتبناها الأطراف الدولية عبر آليات الاستفتاء.
وأشار الديباني، إلى أن ليبيا تُعد حالة استثنائية، كونها الدولة الوحيدة التي وُلدت بقرار دولي، دون أن تسبقها حركة وطنية موحدة أو نخبة سياسية قادت مشروع الاستقلال، موضحًا أن قيام الدولة جاء نتيجة تطورات إقليم برقة وإعلان إمارتها عام 1949، قبل أن يتم توحيد الأقاليم الثلاثة تحت قيادة الملك إدريس السنوسي.
وفي الشأن الإداري والسياسي، شدد الديباني، على التمييز بين اللامركزية الإدارية، التي اعتبرها ضرورية ومطلوبة، واللامركزية السياسية التي رفضها بشكل قاطع، مؤكدًا أن أي نموذج يقوم على تفكيك السلطة السياسية لن ينجح في الدول العربية. واستشهد بتجارب مثل الإمارات والكويت، معتبرًا أنها تطبق لامركزية إدارية ضمن دولة واحدة وحكومة مركزية موحدة، وليس تفويضًا سياسيًا يؤدي إلى الانقسام.
وشدد الديباني على أن استمرار المسار الحالي دون معالجة جذرية لقضايا العدالة في توزيع الموارد، والاعتراف المتبادل بالمواطنة، سيقود ليبيا إلى سيناريوهات خطيرة تهدد وحدة الدولة ومستقبلها السياسي.
وقال إن الحالة الليبية ليست استثناءً عن تجارب دول أخرى مرت بأزمات مشابهة، إلا أن ليبيا تتميز بعدد من السمات الجوهرية التي عمّقت تعقيد أزمتها، وفي مقدمتها غياب دستور جامع ينظم التوزيع العادل للدخل في دولة يقوم اقتصادها أساسًا على النفط.
وأوضح الديباني، أن غياب الإطار الدستوري ترافق مع ضعف مبدأ المواطنة، ووجود أشكال من التمييز غير المعلن بين أبناء المجتمع الليبي، إلى جانب عدم معالجة مسألة المكونات الثقافية، مشددًا على أن ليبيا تتكون من شعب واحد داخل إقليم واحد، لكنه لا يقوم على أصل أو عرق واحد، إذ تضم مكونات متعددة من عرب وتبو وأمازيغ وطوارق وغيرهم، ما يستدعي دستورًا يضمن حق المواطنة المتساوية ويذيب الفوارق العرقية داخل الأمة الليبية.
وأشار إلى أن أحد أبرز معوقات بناء الدولة يتمثل في انتشار التشكيلات المسلحة الخارجة عن الأطر المؤسسية والأمنية، والتي أصبحت المتحكم الفعلي في المشهد السياسي وتمتلك مفاتيح القرار بعيدًا عن المؤسسات الرسمية، معتبرًا أن هذه القوى الفاعلة تفرض واقعًا لا يمكن تجاوزه عند البحث عن حلول.
وقارن الديباني، الوضع الليبي بتجارب دول أخرى مثل لبنان وأوغندا، حيث أدت الحروب والاقتتال الداخلي إلى سقوط ملايين الضحايا، قبل أن تنتهي تلك الأزمات بتسويات سياسية مع الأطراف القوية على الأرض، مستشهدًا باتفاق الطائف في لبنان الذي رسم المبادئ الدستورية وقنن توزيع الحقوق والمواطنة بين المكونات المختلفة، وكذلك بالتجربة الأوغندية التي قامت على التفاوض بين الأطراف المتنازعة.
وفيما يتعلق بدور الأمم المتحدة، اعتبر الديباني، أن البعثة الأممية تسعى إلى إدارة الأزمة الليبية أكثر من سعيها لحلها، موضحًا أن الحلول المطروحة مؤقتة وتهدف إلى احتواء الوضع لا إلى تحقيق استقرار حقيقي أو تسوية شاملة.
وأكد الديباني، أن الأولوية في المسار الليبي لا تكمن في صياغة الدستور فقط، بل في معالجة الملف الأمني عبر جمع السلاح وضم التشكيلات المسلحة الخارجة عن الأطر المؤسسية، والجلوس معها للوصول إلى توافق، مشددًا على أن أي دستور أو مسار سياسي لن يكون ذا جدوى ما دام السلاح خارج سلطة الدولة ولا يستند إلى توافق وطني.









