المصراتي: غياب التوافق والفوضى يعمّقان أزمة الدولة ويُربكان الأمن الإقليمي

قال الأكاديمي والباحث السياسي، عبد الباسط المصراتي، إن التطورات الدولية الأخيرة، ولا سيما الضربة الأمريكية الأخيرة على فنزويلا، لها انعكاسات مباشرة على ليبيا، مؤكداً أن البلاد جزء لا يتجزأ من المنظومة الدولية، ولا يمكن فصلها عن التغيرات الإقليمية والدولية.
واعتبر المصراتي، في حديث لقناة “الوسط”، رصدته صحيفة الساعة24، أن الرسائل الدولية القادمة من القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ليست مجرد تحركات تكتيكية، بل تحمل تأثيرًا مباشرًا على المناخ الجيوسياسي، والجيوستراتيجي في ليبيا، وتفرض على المؤسسات المحلية رفع مستويات اليقظة ومراجعة استراتيجياتها.
وأضاف أن الفوضى والاضطرابات في ليبيا تزيد من تعقيد الخطط الإقليمية والدولية، لافتًا إلى أن البلاد لم تعد مجرد ممر عبور للهجرة غير الشرعية، بل أصبحت مستوطناً للجريمة العابرة للحدود، بما في ذلك تجارة البشر والأسلحة، ما يرهق الإدارات الإقليمية والدولية ويعقد وضع الخطط الاستراتيجية لتحقيق استقرار حوض المتوسط.
وأوضح المصراتي، أن ليبيا تلعب دورًا حيويًا في أمن الطاقة الأوروبي، وتوازنات المتوسط واستقرار الساحل الإفريقي، خاصة في الجنوب، مشيراً إلى أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للبلاد يجعلها محورًا لصراعات النفوذ بين القوى الكبرى المتمثلة في الولايات المتحدة وروسيا والصين، ويمنحها قيمة محورية بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما يجعلها خاصرة مهمة لأوروبا من إيطاليا إلى اليونان ومالطا، فضلاً عن كونها بوابة رئيسية لإفريقيا.
وأكد المصراتي، أن استهداف ليبيا وإرسال الرسائل المباشرة إليها يعكس أهمية الحفاظ على توازن جيوسياسي في المنطقة، مضيفًا أن ليبيا تمثل الخط الأول لمواجهة أي تغول إقليمي أو دولي، خاصة من قبل النفوذ الروسي – الصيني، وأن التحكم في مواردها وموقعها الجغرافي يتيح للقوى الكبرى الحفاظ على التوازن الاستراتيجي وضمان قدرة الحلفاء الأوروبيين والإقليميين على تنفيذ الخطط الاستراتيجية المستقبلية.
وحول التأثيرات الاقتصادية، أشار المصراتي، إلى أن تراجع أسعار النفط نتيجة هذه التطورات سيؤثر مباشرة على الموازنة العامة للدولة، نظرًا لاعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكلي على الإيرادات النفطية، مؤكدًا أن غياب التنوع في مصادر الدخل وغياب توافق وطني لإنهاء الانقسام الداخلي يمثلان أكبر التحديات أمام بناء الدولة واستقرارها.
وأضاف المصراتي، أن السبب الجوهري للفوضى المستمرة في ليبيا يعود إلى اختلاف التوجه والمنهجية في علم السياسة، وعدم وجود إعداد مؤسسي قادر على مواجهة تحديات الدولة، مشيرًا إلى أن الجميع يعتمد في ليبيا على القوة والنفوذ، ما أدى إلى تكريس سلطات الأمر الواقع منذ التغيير عام 2011.
وأوضح أن غياب هوية وطنية حقيقية وانتماء داخلي جعل الدولة ضعيفة، وغير قادرة على رسم استراتيجيات مستقلة، معتمدة بدلاً من ذلك على تدخلات خارجية لتحقيق استقرار مؤقت في الاقتصاد والخدمات الأساسية.
وختم المصراتي، بالقول إن العقلية السياسية الحالية التي لا تستطيع تأسيس الدولة أو الدستور تجعل ليبيا عرضة للحكم بالقوة، مؤكّدًا أن بناء الدولة يتطلب عقولًا مؤهلة لإعادة تأسيس المؤسسات الوطنية بما يتوافق مع المجتمع داخليًا وخارجيًا، بعيدًا عن الفوضى والهيمنة الأجنبية، مع ضرورة وضع استراتيجيات طويلة المدى لضمان الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.









