السلامي: الحوار المهيكل مسار فضفاض وإضاعة للوقت دون نتائج حقيقية

قال أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور مسعود السلامي، إن إعلان بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن انطلاق ما وصف بـ “الحوار المهيكل” لا يعدو كونه إطارًا فضفاضًا يفتقر إلى الجدية والجدوى، معتبرًا أن هذا المسار يمثل إضاعة للوقت ولم يُفضِ إلى أي نتائج ملموسة حتى الآن.
وأوضح السلامي، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن الأجسام السياسية القائمة، وعلى رأسها مجلسي النواب والأعلى للدولة، لا تدعم هذا الحوار، مشيرًا إلى أن هذه الأطراف تنظر إليه بعين الشك والريبة، خشية أن يقود في مرحلة لاحقة إلى تجاوز دور المجلسين، ومنح البعثة الأممية مساحة لاتخاذ قرارات قد تصل إلى تحديد موعد للانتخابات، بما يعني إسقاط شرعية هذين الجسمين.
وأكد أن أعضاء المجلسين لا يرغبون فعليًا في إجراء الانتخابات، ويفضلون الاستمرار في مناصبهم، وهو ما يفسر، بحسب تعبيره، اللجوء المتكرر إلى صناعة الأزمات والخلافات السياسية، رغم ضعف البعثة الأممية وهشاشة موقفها، إلا أن هذه الأجسام تواصل تعطيل أي مسار قد يفضي إلى تغيير حقيقي.
وأضاف السلامي أن المخاوف التي تبديها هذه الأطراف السياسية تتمثل في احتمال أن يتحول منتدى الحوار المهيكل إلى بديل عن فشلهم السياسي، أو أن يُطرح لاحقًا كخيار رابع ضمن توصيات اللجنة الاستشارية، مشددًا على أن هذا السيناريو، وإن كان مطروحًا نظريًا، إلا أنه غير وارد في المرحلة الراهنة.
وأشار إلى أن الحوار المهيكل الذي انطلق يتناول محاور مثل الحوكمة والاقتصاد وبعض القضايا الأخرى، التي لا تمثل، في تقديره، أولوية عاجلة أو مدخلًا حقيقيًا لحل الأزمة الليبية، مؤكدًا أن جوهر الأزمة يتمثل في غياب قاعدة دستورية وقانونية واضحة تجرى على أساسها الانتخابات، ليتمكن الشعب الليبي من قول كلمته في المسار السياسي.
وانتقد السلامي استمرار البعثة الأممية في إطالة أمد الأزمة، عبر الانخراط في مسارات جانبية لا تمس جوهر المشكلة، معتبرًا أن الحوار المهيكل، في صيغته الحالية، لا ينتج سوى توصيات غير ملزمة، وهو ما يثير الشكوك حول جدواه، رغم أن توصيات سابقة، مثل توصيات اللجنة الاستشارية، تحولت لاحقًا إلى خارطة طريق أممية بدعم من مجلس الأمن.
وشدد على أنه لا يمكن التعويل على مخرجات الحوار الاممي برمته، كونها ذات طابع استشاري فقط، ولا تحمل صفة الإلزام، فضلًا عن أن هذه المسارات تستغرق وقتًا طويلًا قد يمتد لأكثر من عام، وهو ما يفتح المجال أمام تغيرات سياسية كبيرة قد تفرغها من مضمونها.
واعتبر سلامي أن البعثة الأممية لا تمتلك، في الوقت الحالي، الإرادة أو القدرة على طرح حل جذري أو قلب الطاولة على الأجسام السياسية القائمة، لافتًا إلى أن مجلس الأمن بدوره لن يتخذ أي قرار حاسم ما لم تقدم له البعثة نتائج واضحة ومحددة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن مجلس الأمن يعاني من انقسام داخلي يمنعه من فرض أي حل على الأطراف الليبية أو حتى على البعثة نفسها.
وأضاف أن المشهد السياسي لا يزال يتسم بالضبابية والهلامية، معتبرًا أن البعثة الأممية، وبدلًا من أن تكون جزءًا من الحل، أصبحت جزءًا من المشكلة، من خلال النهج الذي تتبعه، والذي ساهم في تعميق حالة الاختناق السياسي والخلاف القائم بين مجلسي النواب والدولة.
وفيما يتعلق بالخلاف الدائر حاليًا بين المجلسين حول المفوضية، تساءل سلامي عما إذا كان هذا الصراع سيؤثر على عمل البعثة الأممية أم سيقتصر تأثيره على الأطراف السياسية المتنازعة، مرجحًا أن مواصلة البعثة عملها دون تأثر كبير، خاصة أنها أعلنت بوضوح دعمها لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات الحالي، برئاسة عماد السايح، ما وضع حدًا للجدل بشأن هذه النقطة.
وأشار إلى أن مستقبل الخلاف حول المفوضية لا يزال مفتوحًا على عدة سيناريوهات، من بينها استمرار الانقسام أو التوصل إلى تسوية، كما حدث سابقًا في بعض المؤسسات السيادية، مؤكدًا أن جميع التصورات تبقى ممكنة في ظل غياب رؤية واضحة حتى الآن.
وانتقد سلامي بشدة ما وصفه بـ “قفزة في الهواء” التي أقدم عليها المجلس الأعلى للدولة، معتبرًا أنها خطوة عبثية، رغم انتقاداته السابقة لمجلس النواب، الذي يتهمه بتجاوز الأعلى للدولة في مسارات التشاور، وبالسعي إلى مراكمة الأزمات، وربما التوجه لاحقًا إلى تقسيم المفوضية، على غرار ما حدث في مؤسسات أخرى كالقضاء والسلطة التنفيذية.
واعتبر أن دخول مجلس الدولة في دائرة المناكفة والصدام، وتخليه عن الروح الوطنية والهدف الأساسي المتمثل في إنجاح المسار الانتخابي، يجعله شريكًا في الخطأ ذاته، مؤكدًا أن هذه الصراعات لن تكون مفيدة لا للعملية الانتخابية ولا للمشهد السياسي الليبي ككل.









