التهامي: المشير حفتر لاعب رئيسي وتحالفاته تعكس منطق السياسة الدولية

قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد التهامي إن الحديث عن تأثر الدور المصري بالدور التركي في ليبيا، لا يمكن النظر إليه من زاوية طرف واحد، موضحاً أن ما يجري لا يعكس تبعية أو تأثيراً أحادياً، بل تقارباً متبادلاً فرضته التحولات الإقليمية المتسارعة في المنطقة والشرق الأوسط.
وأوضح التهامي، في حديث لقناة “سلام”، رصدته صحيفة الساعة24، أن هذا التقارب لم يأتِ من فراغ، بل نتج عن حاجة متبادلة لدى الجانبين، مشيراً إلى أنه لو كان التقارب من طرف واحد لما استمرت حالة الحشد العسكري أو مظاهر التوتر، مؤكداً أن كل طرف وجد نفسه مضطراً لإعادة تقييم مواقفه في ضوء المتغيرات القائمة.
وأضاف أن قراءة هذا المشهد تقتضي طرح سؤال مختلف، حول التغيّرات والتقارب في هذا التوقيت؟ واعتبر أن الإجابة ترتبط بتراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط منذ سنوات، وهو ما دفع القوى الإقليمية، ومنها مصر وتركيا، إلى ملء هذا الفراغ عبر إعادة ترتيب علاقاتها وتنسيق مواقفها.
وقال التهامي، رداً على سؤال بشأن انعكاس الحضور التركي على موازين القوة بين شرق ليبيا وغربها، وما إذا كان هذا التدخل قد غيّر بالفعل قواعد اللعبة، أن الحديث عن الانقسام الليبي لم يبرز بشكل واضح إلا بعد التدخل التركي، مشيراً إلى أنه قبل ذلك لم يكن هناك تداول جدي لفكرة الانقسام. وأوضح أن الجيش التركي ليس قوة عسكرية هامشية، بل هو جيش ذو تاريخ إمبراطوري وإمكانات كبيرة، تدعمه دولة تسعى إلى إعادة بناء قدراتها الصناعية وتوسيع نفوذها الإقليمي.
ولفت إلى أن حزب الرئيس رجب طيب أردوغان نجح في لعب دور سياسي كان يُفترض أن يقوم به حزب الشعب الجمهوري، من خلال قيادة تركيا نحو التحول من اقتصاد قائم على التجارة التقليدية إلى اقتصاد صناعي، ما جعل أنقرة في حاجة متزايدة إلى الموارد، ودفعها إلى التمدد في الشرق الأوسط وشرق المتوسط بحثاً عن الطاقة والنفط.
وأشار إلى أن الخطاب التركي الرسمي يركز على أن أنقرة أوقفت الحرب بين الشرق والغرب الليبي، وأن تدخلها حال دون اندلاع حرب أهلية طويلة الأمد أو حرب شوارع قد تمتد لسنوات، مستشهداً بما جرى عام 2019م، بوصفه دليلاً على هذا الطرح، غير أن التهامي رأى أن هذا التوصيف يتجاهل طبيعة التدخل ومكانه وتوقيته.
وأوضح أن التدخل التركي لم يكن في مناطق التهدئة أو الفصل بين الأطراف، بل جاء في قلب المعركة وفي منتصف الحرب، مبيناً أنه قبل هذا التدخل، كانت أنقرة موجودة في موسكو تحاول إقناع المشير خليفة حفتر بقبول الدور التركي والتوقيع على اتفاقيات تتعلق بشرق المتوسط، لكن هذه المحاولة فشلت، ما دفع تركيا إلى الانتقال نحو التدخل المباشر في غرب ليبيا.
وأكد التهامي أن فهم التدخل التركي يقتضي النظر إلى المصالح التركية الفعلية، لا إلى الخطاب الذي يقدمه وزير الخارجية، الذي تتمثل مهمته في تحسين صورة بلاده أمام المجتمع الدولي.
وبيّن أن الهدف الحقيقي لتركيا يتمثل في تأمين نفوذها في مناطق محددة ذات أهمية استراتيجية، ما يفرض عليها، عاجلاً أو آجلاً، بناء علاقة مع المشير خليفة حفتر، باعتباره لاعباً رئيسياً يسيطر على مساحات واسعة من البلاد.
واعتبر أن الاتفاقيات الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق آنذاك كشفت، بحسب قوله، عن جوانب لافتة، من بينها بنود مالية تتعلق بكلفة الوجود العسكري التركي، ما يعكس أن الاعتبارات الاقتصادية كانت حاكمة للموقف السياسي التركي، أكثر من أي اعتبارات تتعلق بالأمن أو السلام.
وتابع التهامي أن الاتفاقية التركية جاءت في سياق دولي وإقليمي معقد، سبقته تدخلات أخرى، أبرزها التدخل الروسي، إضافة إلى الحديث المتزايد في تلك الفترة عن وجود المرتزقة، مؤكداً أن ليبيا شهدت سلسلة تدخلات متعاقبة، تركية وبريطانية وغيرها، ولا يمكن فصل أي منها عن الآخر أو قراءتها بمعزل عن السياق التاريخي للصراع.
وفي هذا الإطار، شدد على أن التبرير التركي للتدخل ارتكز على وجود دور روسي، غير أن النتائج، وفق تقديره، أفضت إلى تكريس واقع الانقسام، مؤكداً أنه عندما جرى منع الجيش الوطني الليبي من السيطرة على طرابلس، تحولت ليبيا عملياً إلى كيانين سياسيين وعسكريين.
وأردف التهامي بالقول: إن فشل الخيار العسكري في توحيد البلاد أدى إلى تصاعد الحديث عن التقسيم، معتبراً أن الواقع الحالي، بوجود حكومتين وجيشين، هو أحد أبرز تداعيات التدخل التركي، الذي غيّر موازين القوة وفرض معادلة جديدة على الأرض.
وقال الكاتب والمحلل السياسي، أن رؤيته للتدخل التركي تنطلق من قراءة واقعية لنتائجه على الأرض، وليس من افتراضات مثالية حول الديمقراطية أو التحول السياسي. مبيناً أن هذا التدخل أسهم فعلياً في تثبيت القوتين المتصارعتين داخل مناطق نفوذهما، سواء في الشرق أو في الغرب، وهو ما أفرز انقساماً عملياً قائماً بالفعل. وأضاف أن هذا الواقع، بغض النظر عن دوافعه أو السياسات غير المعلنة التي تقف خلفه، أدى إلى وجود ما يشبه دولتين وجيشين، مع خطوط تماس واضحة، أبرزها منطقة سرت التي تحولت إلى ما يشبه حدوداً فاصلة مستقرة.
وفي المقابل، شدد التهامي على أنه منذ بداية التدخل التركي طرح مقاربة مختلفة، تقوم على أن هذا التدخل قد يوفر طرفاً واضحاً يمكن التفاوض والتعامل معه، في ظل غياب مركز قرار موحد وتعدد الفاعلين المحليين، حيث يتحرك كل طرف وفق مصالحه وأجندته الخاصة. واعتبر أن وجود طرف منضبط نسبياً قد يفتح المجال أمام تواصل مباشر بين القيادة العامة والجانب التركي.
وأضاف أن هذا المسار، إذا جرى توظيفه سياسياً، يمكن أن يسهم في دور وساطة يخفف من حدة الانقسام، بدلاً من تعميقه أو الدفع نحو التقسيم الذي بات قائماً على الأرض، وليس مجرد توصيف نظري.
واعتبر التهامي أن التواصل مع تركيا، في ظل الظروف الراهنة، قد يفتح نافذة حقيقية للحوار بين الأطراف الليبية المختلفة، معتبراً أن التدخل التركي، بالتوازي مع الدور المصري، يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً على إطلاق مسار تفاوضي قد يقود في نهاية المطاف إلى صفقة سياسية بين مختلف الأطراف المعنية.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان مشروع الدولة الليبية بات ملفاً متقاطعاً مع المصالح الإقليمية، قال الكاتب والمحلل السياسي أحمد التهامي إنه لم ينكر يوماً أن المشير خليفة حفتر تربطه علاقات إقليمية متعددة، تشمل مصر والإمارات وروسيا والسعودية، معتبراً أن هذا الأمر طبيعي ومعروف في عالم السياسة. وأوضح أنه لم يقل إن حفتر يعمل بمعزل عن هذه العلاقات أو دون تحالفات، مؤكداً أن أي فاعل سياسي أو عسكري في العالم لا يمكنه أن يتحرك منفرداً دون شبكة من العلاقات، في ظل حاجته إلى السلاح، والدعم، والتجارة، والشركات، وغيرها من متطلبات العمل السياسي والعسكري.
وأضاف التهامي أن امتلاك التحالفات لا يُعد استثناءً أو عيباً، بل هو جزء من منطق العلاقات الدولية، مشيراً إلى أن جميع الأطراف، في الشرق أو الغرب، تحتاج إلى داعمين إقليميين ودوليين.
وفي هذا السياق، عاد إلى توصيفه السابق للمشهد الليبي، موضحاً أنه عندما تحدث عن غياب “رأس” واضح في غرب ليبيا، كان يقصد تعدد مراكز القرار، وأن التدخل التركي، من وجهة نظره، أسهم على الأقل في إيجاد طرف يمكن التحدث معه والتفاوض معه.
وفي المقابل، أشار إلى أن الوضع في شرق ليبيا مختلف، حيث توجد بنية قيادة، لافتاً إلى أن أحداً لا يمكنه إنكار أن المشير حفتر هو اللاعب الأبرز والمسيطر فعلياً على الشرق والجنوب. وتساءل في هذا الإطار عمّا إذا كان هناك في غرب ليبيا شخصية واحدة تتمتع بذات المستوى من السيطرة والنفوذ، معتبراً أن غياب هذا النموذج يكرّس حالة التعدد والتشتت في مراكز القرار.
وأكد التهامي أن المشير حفتر له “ظهيراً إقليمياً” تتعامل معه الدول الأخرى، موضحاً أن تحركاته السياسية والعسكرية تجري في إطار تفاهمات مع حلفائه، وعلى رأسهم مصر، وأنه لا يقدم على خطوات كبرى بمعزل عن هذا التنسيق، غير أنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النقاشات السابقة أظهرت أن علاقة حفتر بحلفائه ليست علاقة تبعية مطلقة، بل تقوم على تقاطع مصالح وحسابات متبادلة.
وتابع التهامي أن الجدل القائم حول حفتر لا ينبغي فصله عن مسألة الانتخابات، مشيراً إلى أن من يطالب بالديمقراطية وإجراء الانتخابات يفترض به أن يدعم أي مسار يقود إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، لا أن يختزل النقاش في رفض أشخاص بعينهم أو التخوف من عودة أنماط حكم استبدادية.
وختم بالقول إن أي حديث عن مستقبل الدولة الليبية لا يمكن أن ينفصل عن الدور والضمانات الدولية، مؤكداً أن غياب هذه الضمانات هو أحد الأسباب الرئيسية لتعثر الاستحقاقات الانتخابية، مشدداً على أن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة واقعية تأخذ في الاعتبار موازين القوى الداخلية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
وأكد التهامي أن ما يراه البعض ضرورة لمصر في التقارب مع وجهة النظر التركية بشأن ليبيا لا يعود إلى قناعة سياسية مجردة، بل إلى حسابات واقعية تتعلق بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتداخل الملفات.
وختم التهامي حديثه بالقول إن التقارب “المصري – التركي” في الملف الليبي ينبغي فهمه في إطار إدارة المصالح وتوازنات القوة في المنطقة، وليس بوصفه تحوّلاً جذرياً في التحالفات أو خضوعاً لتأثير طرف على حساب آخر، بل كخيار براغماتي فرضته تطورات المرحلة.









