المحجوب: المركزي جزء من منظومة المضاربة وضعف الدينار نتيجة الفساد

قال وكيل وزارة الاقتصاد السابق، علي المحجوب، إن انخفاض قيمة الدينار الليبي إلى تسعة دنانير مقابل الدولار، والفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي والموازي تعكس تشوهات جوهرية في إدارة النقد الأجنبي، وغياب سياسات نقدية واضحة، مشيرًا إلى أن مصرف ليبيا المركزي نفسه جزء من منظومة المضاربة وليس نداً للمضاربين.
وأوضح المحجوب، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن التجارب التي يجريها مصرف ليبيا المركزي، على الاقتصاد هي تجارب غير مضمونة حتى بالنسبة للمصرف نفسه، مضيفًا أن الوضع الحالي يتأثر بتدني الإيرادات النفطية وبصرف واسع على الاعتمادات المستندية والتحويلات الشخصية دون القدرة على متابعة الأموال أو مراقبة النقد الأجنبي الممنوح لهذه الأغراض.
وبيّن المحجوب، أن جزءًا كبيرًا من النقد الليبي يخرج من السوق السوداء رغم محاولات المركزي السيطرة على السوق، وأن المواطنين أحيانًا يتصرفون على أمل انخفاض الدولار في المستقبل، ما يزيد من تفاقم الضغوط على الاقتصاد. مؤكداً أن خطاب المصرف المركزي لم يتضمن سياسة واضحة، وأن ما يقدمه المحافظ من إجراءات هو مجرد تجارب بدون رؤية أو نتائج مضمونة.
وأشار المحجوب، إلى أن الدعوات البرلمانية لاستدعاء محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، لم تحقق نتائج ملموسة، وغالبًا ما انتهت بإصدار إنذارات أو تشكيل لجان دون مساءلة حقيقية. معتبراً أن هذا الأمر يعكس خللاً في آليات المحاسبة وعدم قدرة مجلس النواب على متابعة السياسات النقدية نتيجة الانقسام السياسي والمصالح المتداخلة، ما يحول المؤسسات إلى كيانات شكلية تسعى للبقاء فقط دون تقديم حلول حقيقية لمشكلات المواطنين.
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من الدولار المتداول في السوق يحصل عليه المضاربون عبر الاعتمادات الممنوحة من المركزي، والتي تمنح لأشخاص محددين دون ربطها بالقدرة التشغيلية الفعلية لمشاريعهم، ما يسمح لهم بتسريب جزء كبير من النقد الأجنبي إلى السوق السوداء.
وأضاف المحجوب، أن هناك هدرًا واسعًا في ميزانية الدولة بالدينار الليبي، حيث تُستغل الأموال لشراء عملة صعبة أو السفر أو شراء أصول خارج البلاد، مؤكدًا أن هذا الهدر يعزز الطلب على الدولار ويرفع سعره. كما أشار إلى أن بعض المستفيدين من الاعتمادات يتلقون مبالغ ضخمة تفوق قدرة مشاريعهم الإنتاجية، ما يدل على احتكار القلة للموارد النقدية وتكرار التجاوزات المالية.
وانتقد المحجوب، الخطاب الداعي لتعويم سعر الصرف، معتبرًا أن تطبيق سياسات السعر الحر في ليبيا غير ملائم للسكان، لأن غالبية الشعب لم يُنشأ ليكون منتجًا، بل مستهلكًا يعتمد على الرواتب الحكومية والسلع المقدمة من الدولة. وأكد أن هذه السياسات قد تنجح في دول ذات شعوب إنتاجية، لكنها ستفشل في ليبيا بسبب غياب التأهيل المهني والاعتماد المطلق على الاستهلاك.
وأشار المحجوب، إلى أن ضعف الإطار المؤسسي وغياب المتابعة الفعلية يجعل السياسات النقدية عرضة للتجاوزات، مشددًا على أن المشكلة ليست فقط المضاربين، بل المنظومة بأكملها التي تتيح هذا النوع من الممارسات.
ورأى المحجوب، أن ما وصل إليه سعر الدينار مقابل الدولار مرتبط بالسياسات المتبعة في منح الاعتمادات النقدية من مصرف ليبيا المركزي، مؤكدًا أن فتح الاعتمادات يتم بدون تنسيق مع الحكومة، ويتم استغلال الفجوة لصالح فئة محدودة من التجار والمحتكرين. وأوضح أن بعض السلع تبقى مخزنة دون طرحها في السوق لحين ارتفاع الأسعار، ما يخلق فجوة سعرية واضحة ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطن.
وأضاف أن النقد الأجنبي محدود ويجب استغلاله برشد، وأن السياسات المطروحة حاليًا لا تمثل تغييرًا حقيقيًا للنظام الاقتصادي، بل تحتاج إلى توعية ثقافية وتحويل التركيز نحو الإنتاج والعمل، بدل الاعتماد على سياسات الدعم والاعتمادات الممنوحة لمجموعات محددة.
وأكد أن نقل الاعتمادات من عشرة مستثمرين كبار إلى فئات أوسع يمثل خطوة للحد من الاحتكار وضمان استفادة أكبر قدر ممكن من المواطنين.
ولفت المحجوب، إلى أن معالجة الفجوة السعرية لا تتعلق فقط بالسياسات النقدية، بل ترتبط أيضًا بمفهوم شامل يشمل التعليم والإنتاج والرقابة على الاعتمادات، مشددًا على ضرورة تنظيم الاعتمادات المستندية بطريقة شفافة، مع تحديد الاحتياجات الفعلية للسوق لتجنب الاستغلال وتحقيق مصلحة المواطن.
وبين المحجوب، أن إجمالي الإيرادات النفطية المودعة في الحساب السيادي الليبي عام 2025 بلغ نحو 121 مليار دولار، بينما استخدامات النقد الأجنبي تجاوزت 30 مليار دولار، مشددًا على أن عدم وضع موازنة استيرادية واضحة وتحديد الاحتياجات الفعلية للسوق أدى إلى فساد كبير وهدر في الموارد.
وأشار إلى أن الاعتمادات المستندية تدار بطريقة غير شفافة، حيث تمنح لعدد محدود من التجار دون معرفة وزارة الاقتصاد بالكميات المطلوبة أو المواصفات، ما يؤدي إلى تراكم السلع في المخازن أو تهريبها إلى دول الجوار، مؤكداً أن هذا الأمر مخالف للقانون ويجب معاقبته.
وختم المحجوب، بالتأكيد على أن ترشيد استخدام النقد الأجنبي يتطلب سياسات واضحة، وضوابط صارمة على فتح الاعتمادات، وتنظيم قاعدة بيانات دقيقة للاحتياجات الفعلية للسوق، لضمان استفادة أكبر عدد ممكن من الليبيين وتقليل الفساد والتهريب.









