المسماري: حادث سقوط الطائرة يتجه نحو جريمة جنائية ذات أبعاد سياسية

قال أستاذ القانون الخاص، راقي المسماري، إن قضية سقوط طائرة الحداد، شابها الغموض منذ اللحظة الأولى، ليس على مستوى الواقعة نفسها، بل في مسار التحقيقات والإجراءات المرتبطة بها، معتبراً أن هذا الغموض تراكم إلى حد أصبح فيه المشهد مبهماً وغير واضح وغير مفهوم.
وأوضح المسماري، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن عدداً من الدول امتنعت عن الكشف عن محتويات الصندوقين الأسودين، سواء الصندوق الخاص بتسجيل البيانات أو الصندوق الصوتي، رغم امتلاك المجتمع الدولي قدرات إلكترونية ومخابراتية متقدمة، قادرة عبر الأقمار الصناعية على رصد أي جسم أو انفجار أو إصابة لطائرة في الجو، خصوصاً على الارتفاعات التي تتجاوز 22 ألف قدم.
وأشار إلى أن خبراء ومختصين يؤكدون أن أي طائرة تتعرض لإصابة خارجية، سواء بصاروخ أو مقذوف أو جسم آخر، يتم اكتشاف ذلك فوراً بواسطة أنظمة المراقبة الفضائية، متسائلاً عن سبب غياب تدخل هذه الإمكانيات الدولية منذ بداية القضية.
ولفت المسماري إلى مسار رحلة الطائرة، موضحاً أنها بقيت في الأجواء التركية قرابة 44 دقيقة منذ إقلاعها، في حين أن الزمن اللازم لمغادرة الأجواء التركية والتوجه مباشرة نحو البحر لا يتجاوز 12 إلى 15 دقيقة، معتبراً أن هذا التأخير يطرح علامات استفهام حول ما جرى بين قائد الطائرة وبرج المراقبة، ولماذا لم تتجه الطائرة مباشرة فوق البحر.
وأضاف أن هذه التساؤلات دفعت كثيراً من المحللين والمتابعين، رغم تحفظهم الأولي، إلى طرح فرضية وجود شبهة جنائية تحيط بالحادثة، مؤكداً أن الحديث لا يدور عن تبني نظرية “مؤامرة”، بقدر ما هو تسليط للضوء على وقائع موضوعية تشير إلى احتمال وجود فعل جنائي.
وأكد المسماري، أن المعلومات المتداولة حتى الآن هي في معظمها إعلامية وصحفية، وليست نتائج تحقيقات رسمية مكتملة، مشيراً إلى أن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة كان قد أعلن في 28 ديسمبر، أن تأخر فك شفرة الصندوقين الأسودين يعود إلى تزامن الحادثة مع عطلة رأس السنة، على أن تُستكمل الإجراءات عقب انتهاء الأعياد.
غير أن المسماري، اعتبر هذه التبريرات غير مقنعة، خاصة بعد الإعلان لاحقاً، وبشكل رسمي لا علمي، عن تضرر الصندوق الأسود، لافتاً إلى وجود تناقضات تتعلق بفرضية انفجار الطائرة قبل ارتطامها بالأرض، في حين أن المعطيات الفنية تفترض أن يكون الانفجار، إن وُجد، قد حدث عند الارتطام وليس قبله.
وأشار إلى أن حديثه ينطلق من الوقائع والمعطيات المتاحة، دون الخوض في الجوانب القانونية في هذه المرحلة، مشدداً على أن القضية لا تزال مفتوحة على أسئلة جوهرية تتطلب تحقيقاً شفافاً ومهنياً لكشف الحقيقة كاملة.
وبينّ المسماري، أن إعلان السلطات التركية منذ اليوم الأول تكليف لجنة مكوّنة من أربعة مدّعين للتحقيق بدقة، يثير تساؤلات حول سبب التشديد على هذا الوصف، متسائلاً عمّا إذا كانت هناك تحقيقات تُجرى بدقة وأخرى لا تتطلب ذلك، مؤكداً أن ما يتم تداوله إعلامياً حتى الآن لا يتجاوز كونه ملابسات، وأن مهمة التحقيق الأساسية هي تحويل هذه الملابسات إلى وقائع واضحة تُبيّن السبب الفعلي لسقوط الطائرة.
وتابع: المدخل المنطقي للتحقيق يبدأ بتحديد كيفية سقوط الطائرة، سواء كان نتيجة خلل فني، أو ميكانيكي، أو كهربائي، أو بسبب الإهمال، أو عدم بذل العناية الواجبة من قبل قائد الطائرة، مشيراً إلى أن تغيير طاقم القيادة في كثير من الحالات يكشف عن ملابسات مهمة، قد تكون مرتبطة بشخص قائد الطائرة نفسه.
ورأى المسماري، أن القضية توسعت ولم تعد شأناً تركياً بحتاً، مؤكداً ضرورة إشراك أطراف عدة في التحقيق، من بينها الشركة المؤجرة للطائرة، ودول جنسيات الركاب، وجنسية قائد الطائرة، وكذلك جنسية المضيفة، معتبرًا أن جميع هؤلاء أصبحوا معنيين بشكل مباشر بسير التحقيق.
وأكد المسماري، أن سقوط الطائرة يُعد جريمة في حد ذاته، سواء وُجدت شبهة جنائية مباشرة أم لا، موضحاً أنه في حال انتفاء الشبهة الجنائية، تظل هناك مسؤولية مدنية تتعلق بصلاحية الطائرة، خاصة من حيث الجوانب الملاحية والكهربائية، لا سيما في الأجواء التي كانت تحلّق فيها الطائرة فوق الأراضي السورية، غالباً ملبدة بالغيوم والعواصف.
وأشار إلى أن الاختصاص الجنائي في التحقيق يعود إلى المدّعين الأربعة ومن يندبونهم من جهات الأدلة الجنائية والمباحث الجنائية ومكافحة الإرهاب، لافتاً إلى أن دخول أجهزة المخابرات والاستخبارات التركية على خط التحقيق يعكس وجود مدلول سياسي للحادثة، مؤكداً أن أجهزة الاستخبارات لا تتدخل عادة في الجرائم الجنائية العادية، إلا أن طبيعة وصفات ركاب الطائرة تجعل من الحادثة قضية ذات أبعاد سياسية.
وأردف: أن ركاب الطائرة لم يكونوا أشخاصاً عاديين، بل ضمّوا قيادات عسكرية رفيعة المستوى، من بينهم رئيس أركان تابع لحكومة الوحدة المؤقتة المعترف بها من قبل الدولة التركية، إلى جانب عدد من كبار قادة الأركان، ما أدخل التحقيق في مرحلة متشعبة تجمع بين الشقين الجنائي والسياسي.
وشرح أن التحقيق الفني يخضع لمعايير مهنية معتمدة، وقد يتجاوز الإطار التركي إلى إطار دولي من خلال الاستعانة بشركات وخبراء دوليين متخصصين في حوادث الطيران، موضحاً أن التحقيق يخضع للقانون التركي من الناحية الإجرائية، بينما تظل الجوانب الفنية مفتوحة أمام الخبرات الدولية، خاصة في ظل الحساسية المرتبطة بمحتويات الصندوق الأسود للطائرة.
وأعرب المسماري، عن حق الدولة الليبية في التنسيق المستمر مع سلطات التحقيق التركية، وتشكيل لجان مشتركة عند الاقتضاء، مشدداً على أن ليبيا لا تمتلك الدور الفني الأساسي في التحقيقات الخاصة بحوادث الطيران، نظراً لضعف الخبرة الفنية المتخصصة في هذا المجال.
وأوضح أن السلطات التركية بادرت بتشكيل لجنة تحقيق تضم أربعة مدعين، معتبرًا أنه من غير المتوقع أن يُحمَّل أي كادر ليبي مسؤولية مباشرة في مسار التحقيق، لعلم الجانب التركي بمحدودية الإمكانيات الليبية في التحقيق الفني المتعلق بحوادث الطيران.
وأشار المسماري، إلى أنه في حال عدم ثقة ليبيا بنتائج التحقيقات الفنية التركية، يحق لها اللجوء إلى المجتمع الدولي والمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة، موضحاً أن مسألة الثقة أو عدمها ترتبط بعاملين: أولاهما عدم ثقة الدولة الليبية في المسار الفني للتحقيقات التركية، وثانيهما التخوف من التأثيرات أو المنحنيات السياسية المحتملة على مجريات التحقيق.
وشدد المسماري، على أن التحقيق في حوادث الطيران يجب أن يبدأ بتحديد السبب الفني أو الجنائي للسقوط، مؤكداً أن توجيه الاتهامات المبكرة أمر بالغ الخطورة، خاصة إذا استند إلى منطق “من المستفيد”، بدلاً من الوقائع والأدلة المادية.
وأوضح أن مسؤولية شركات الطيران تُعد التزاماً بتحقيق نتيجة، وليس مجرد بذل عناية، بمعنى أن الشركة ملزمة بإيصال الركاب إلى وجهتهم المتفق عليها، ولا يُعفى الناقل الجوي من المسؤولية إلا في حال ثبوت وجود “قوة قاهرة” حقيقية مثل الكوارث الطبيعية أو ظروف لا يمكن دفعها أو التنبؤ بها.
وتطرق المسماري، إلى مسألة سرية التحقيقات، موضحاً أن عدم نشر صور أو تسجيلات من كاميرات المراقبة، أو عدم الإعلان المبكر عن تغيير طاقم الطائرة، قد يكون نابعاً من مقتضيات مصلحة التحقيق، وليس بالضرورة مؤشرًا على وجود تعتيم أو إخفاء متعمد للمعلومات.
وبيّن أن تغيير طاقم الطائرة يخضع لإجراءات صارمة، تشمل تصاريح الطيران والموافقات الأمنية لكل فرد على متن الطائرة، مؤكداً أن هذه التفاصيل قد تكون معروفة لجهات التحقيق منذ فترة، لكنها لم تُعلن للرأي العام إلا مؤخرًا.
وأكد المسماري، أن الدولة التركية تمتلك الإمكانيات الفنية والقانونية التي تؤهلها لكشف ملابسات سقوط الطائرة وتحديد المسؤولين عن الحادث، شريطة أن تكون التحقيقات حيادية ونزيهة وشفافة، داعياً إلى افتراض حسن النية في المرحلة الأولى، قبل الانتقال إلى أي سرديات تتعلق بسوء النوايا أو التلاعب بمسار التحقيق.
وأشار إلى أن المعطيات المتوفرة حتى الآن تشير بوضوح إلى أن حادثة سقوط الطائرة، التي أودت بحياة الحداد وعدد من مرافقيه، تتجه نحو توصيف جريمة جنائية ذات مدلول سياسي، مؤكداً أن الحقيقة لا تزال غائبة في ظل تكتم واضح على كثير من الوقائع والملابسات، رغم مرور قرابة أسبوعين على الحادثة.
وأوضح أن ما نشره موقع “24” التركي تضمن معلومات وصفها بـ “الجسيمة”، من شأنها تغيير مسار فهم الواقعة، مشيراً إلى أن محمد الحداد وفريقه لم يستخدموا طائرة خاصة في رحلتهم إلى تركيا، خلافاً لما كان معتاداً، بل استقلوا رحلة مدنية خاصة على غير النمط المعتاد. معتبراً أن مسألة ضبط أو إحضار إحدى الموظفات المرتبطات بالحادثة تُعد أيضاً من النقاط الجديدة التي كُشف عنها مؤخراً، مرجحاً أن الواقعة حدثت في الأيام الأولى عقب الحادث.
وأعرب المسماري، عن استغرابه من عدم نشر السلطات التركية أو الجهات المعنية أي صور أو تسجيلات فيديو للطائرة أثناء وجودها في المطار أو لحظة صعود الركاب، مؤكداً أن مثل هذه المواد تُعرض عادة في القضايا المشابهة ضمن التغطيات التلفزيونية والتحقيقات الصحفية.
كما تساءل عن سبب عدم إعلان نتائج الفحص الفني لمعدات الطائرة، بما في ذلك الأنظمة الملاحية والهندسية والكهربائية والميكانيكية، معتبراً أن هذه البيانات أساسية لفهم أسباب الحادث.
وأشار إلى أن التكتم قد يكون مفهوماً في إطار مصلحة التحقيق، إلا أن الإفراط في حجب المعلومات قد يتحول بحد ذاته إلى عائق أمام الوصول إلى الحقيقة، لافتاً إلى أن الإعلان عن بعض المعطيات قد يحمل إشارات مهمة لا يمكن استنتاجها دون شفافية.
وشدد على أن كشف الحقيقة يمثل احتراماً لأرواح الضحايا، ولمشاعر ذويهم وأصدقائهم، وللوطن الليبي بأكمله، مؤكداً أن ليبيا توحدت في هذه الكارثة، حيث قدم الليبيون، على اختلاف انتماءاتهم السياسية ومواقفهم، واجب العزاء، بما في ذلك القيادة العامة في شرق ليبيا التي أوفدت ممثلين للتعزية في مصراتة وطرابلس.
وختم المسماري، بالتأكيد على أن كشف ملابسات الجريمة لا يخدم أي طرف سياسي داخل ليبيا، بل يمثل مطلباً وطنياً جامعاً، مشدداً على ضرورة معرفة كيف سقطت الطائرة، ومن أسقطها، ومن تقع عليه مسؤولية الحادث، تمهيداً لمحاسبته وفقاً لما يفرضه القانون.









