حسني بي: الليبيون مغيبون ومضحوك عليهم وليسوا فقراء

دعا رجل الأعمال، حسني بي، إلى عدم اختزال الأزمة الاقتصادية القائمة في أشخاص بعينهم، معتبراً أن تحميل المسؤولية لأسماء محددة يمثل نوعًا من التشخيص الخاطئ للمشكلة، مؤكدا أن جوهر الأزمة يتعلق بإدارة السياسات، وليس بالأفراد.
وأوضح، حسني بي، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدته صحيفة الساعة24، أن الحديث ينبغي أن ينصب على المنظومة ومجلس الإدارة والسياسات المعتمدة، حتى لا يتحول النقاش إلى طابع شخصي. وأشار إلى أن الواقع خلال المئة يوم الماضية يعكس زيادة في الاختلالات لا تراجعًا، معتبرًا أن ذلك يؤكد فشل السياسات المالية الحالية، وعلى رأسها سياسة سعر الصرف الثابت التي استمرت نحو سبعين عامًا وأثبتت عدم جدواها.
ولفت إلى وجود معارضة واسعة لأي تغيير، ما يجعل من الصعب تحميل شخص واحد المسؤولية في ظل منظومة ترفض الإصلاح وتتمسك بالوضع القائم، محذرًا من تكرار الأخطاء نفسها وانتظار نتائج مختلفة عمّا تم حصاده خلال السنوات الماضية.
واستحضر حسني بي، مثال عام 1982، حين كانت قيمة الدينار تعادل 3.30 دولارات، موضحًا أن الأوضاع المؤسسية آنذاك كانت مختلفة، في حين أن ليبيا اليوم تعيش سنوات طويلة دون إدارة موحدة، أو بإدارات منقسمة، قبل الوصول إلى إدارة موحدة خلال العام الأخير، لكنها إدارة مكبّلة بقيود متعددة.
وبيّن أن من أبرز هذه القيود غياب الانضباط في الإنفاق، حيث لا يوجد مسار إنفاق واضح، بل إن كل جهة تصرف بشكل مستقل، ما يجعل إدارة السياسة النقدية أمرًا بالغ الصعوبة.
وأضاف أن الإصرار على الإبقاء على سعر صرف ثابت، دون تغيير السياسات المصاحبة له، يجعل أي حديث عن الإصلاح بلا جدوى، مؤكدًا أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق ما لم تُراجع الأسس والسياسات التي يقوم عليها النظام النقدي القائم. مؤكداً أن المصرف المركزي، يظل الجهة الأقوى من حيث الإمكانيات النقدية، مشددًا على أنه لا توجد جهة أقوى منه في هذا الجانب، رغم ما يُتداول من حديث عن تغوّل السوق الموازية.
وأوضح أن الدولار المتداول في السوق، سواء الرسمي أو غير الرسمي، مصدره في النهاية المصرف المركزي، لافتًا إلى أن العملات الأجنبية التي تدخل خارج القنوات الرسمية تأتي غالبًا عبر إعادة تصدير بضائع بأسعار منخفضة ثم بيعها بأسعار أعلى، دون أن تعود عائداتها إلى المصارف الرسمية، وهو ما يرجعه إلى السياسات المعمول بها حاليًا.
واعتبر حسني بي، أن الإشكال الأساسي يكمن في الفارق بين سعر بيع الدولار وسعر شرائه داخل المصارف التجارية، حيث يُباع بسعر أقل ثم يُعاد شراؤه بسعر أعلى، معتبرًا أن ذلك يعكس وجود مشاكل هيكلية عميقة.
وأشار إلى أن الخطاب العام في ليبيا يميل إلى تشخيص الأزمة في أشخاص، في حين أن المشكلة الحقيقية تتعلق بثقافة اقتصادية وسياسات نقدية غير سليمة، بغض النظر عمّن يتولى إدارة المصرف المركزي.
ورأى حسني بي، أن اعتماد سياسة سعر صرف ثابت يمثل في الواقع مظلة حماية للمضاربين، لأن الحصول على الدولار بسعر ثابت يضمن لهم عدم تراجع قيمته، ما يجعل الربح مضمونًا دون وجود مخاطرة بالخسارة. معتبرا أن هذه السياسة، التي استمرت لعقود، أثبتت فشلها، مستشهدًا بتجارب سابقة وبفترة شهد فيها الدولار مستويات مرتفعة تاريخيًا، متسائلًا عن سبب اعتبار ليبيا استثناءً.
وفي هذا السياق، فرّق حسني بي، بين الوضع الليبي ودول أخرى تعتمد سعر صرف ثابتًا، مثل بعض دول مجلس التعاون الخليجي، موضحًا أن تلك الدول لا تنافس فيها الحكومة القطاع الخاص، بينما تتدخل الحكومة في ليبيا في مختلف الأنشطة الاقتصادية، من الصناعة والزراعة إلى التجارة والمقاولات.
وأكد أن السياسات الاشتراكية انتهت عمليًا، وأن التغيير الذي حدث اقتصر على رأس النظام دون أن يشمل المنظومة الاقتصادية نفسها، ما أدى إلى استمرار الدفاع عن سياسات قديمة ورفض التغيير، وهو ما يفاقم الأزمة القائمة.
وقال حسني بي، إن الحديث عن فقر الشعب الليبي غير دقيق، مؤكدًا أن الليبيين ليسوا فقراء، بل “مُغيَّبون ومضحوك عليهم” نتيجة سياسات اقتصادية ومالية سيئة جرى تبنيها على مدى عقود. وأوضح أن متوسط الدخل السنوي للفرد في ليبيا يتجاوز 12 ألف دولار وفق الأرقام الرسمية، ما يضع الليبيين ضمن فئة الشعوب متوسطة الدخل، وليس الفقيرة، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في ضعف الموارد، بل في السياسات التي أُديرت بها هذه الموارد منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.
وبيّن أن الناتج المحلي للفرد، بحسب الأرقام، يعني أن دخل الأسرة الليبية من المفترض أن يكون في حدود 70 ألف دولار سنويًا، أي ما يعادل نحو 400 ألف دينار، معتبرًا أن الواقع المعيشي لا يعكس هذه الأرقام بسبب خيارات وسياسات اقتصادية أدت إلى إفقار غالبية الشعب وإغناء فئات محدودة.
وأكد حسني بي، أن جوهر الأزمة يتمثل في منظومة كاملة من القواعد والسياسات الخاطئة، لا يمكن إصلاح نتائجها دون تغيير أسسها.
وتطرق إلى ظاهرة المضاربة، واصفًا إياها بأنها بمثابة ضريبة غير معلنة تُفرض على عموم الليبيين، حيث تُسحب الأموال من جيوب المواطنين لتصب في مصلحة مجموعات محددة بدل أن تستفيد منها الدولة. مشيرا إلى أن الاعتراض لا يكون على استفادة هذه المبالغ من قبل فئات بعينها، في حين يُرفض أن تعود بالنفع على الخزينة العامة، معتبرًا أن ذلك يعكس خللًا عميقًا في العدالة الاقتصادية.
وانتقد رجل الأعمال، السياسات المتعلقة باستخدامات النقد الأجنبي، معتبرًا أن ما جرى تقديمه من وعود بإصلاحات وتعزيز لقيمة الدينار لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة. وأوضح أن سياسات الأغراض الشخصية تمثل المحرك الأساسي لنحو نصف الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، موضحًا أن تخفيض سقف المبالغ المخصصة لهذه الأغراض من عشرة آلاف إلى أربعة آلاف ثم إلى ألفين دولار لم يغيّر من إجمالي التكلفة، التي قدّرها بنحو ثماني مليارات دينار.
وأشار إلى أن هذه السياسات خلقت سوقًا موازية نشطة، حيث يتم استغلال المواطنين فور حصولهم على بطاقات الدفع، عبر شراء العملات الأجنبية منهم بخصومات تصل إلى 25 في المئة، إضافة إلى عمولات أخرى، ما يؤدي عمليًا إلى اتساع الفجوة السعرية وارتفاع سعر الدولار في السوق. معتبرا أن هذه الممارسات ليست مجرد حالات فردية، بل نتاج “منظومة فاسدة بالكامل” تقوم على سياسات غير سليمة.
وأكد حسني بي، أن التعامل مع الأزمة يتم بعاطفة لا بمنطق اقتصادي، مشددًا على أن استمرار السياسات الحالية يجعل أي محاولة لترشيد استخدام النقد الأجنبي أو معالجة الاختلالات مجرد إجراءات شكلية.
وختم بالقول إن المصرف المركزي يمتلك من حيث الإمكانيات ما يكفي لمعالجة الأخطاء المتراكمة منذ عقود، غير أن غياب التغيير الجذري في السياسات يجعل الإصلاح الحقيقي مؤجلًا، مهما تعددت الوعود.









