ضاهر: الرقابة الدولية تعالج الامتثال وحركة الدولار لا جذور الأزمة المصرفية

أكد المحامي والمختص في مجال الرقابة على المصارف، باسكال فؤاد ضاهر، أن العقود المبرمة مع الشركات الرقابية الدولية، مثل تعاقد ليبيا مع الشركة الأمريكية K2 Integrity، غالبًا ما تكون موجهة لضبط المعاملات المالية على المستوى الدولي، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المصرفية الداخلية، ولا تستعيد الثقة المفقودة بين النظام المصرفي والمودعين.
وأوضح ضاهر، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، أن لبنان، إلى جانب ليبيا والعراق، لجأت إلى التعاقد مع شركات استشارية أمريكية لتعزيز أنظمة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك في إطار محاولة للخروج من تصنيف “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي الدولي.
وأشار ضاهر، إلى أن الأزمة في النظام المصرفي اللبناني كمثال، ليست مجرد مسألة امتثال شكلي للمعايير الدولية، بل هي أزمة ثقة بنيوية نشأت نتيجة ممارسات ومخالفات منهجية أدت إلى فقدان ملايين الدولارات والليرات اللبنانية، وإلى تآكل الشرعية الاجتماعية والاقتصادية للمصارف والمصرف المركزي على حد سواء.
وأوضح ضاهر، أن الانهيار الذي أصاب القطاع المصرفي اللبناني منذ أكثر من 14 عامًا نتج عن انتهاكات جماعية ومنهجية لحقوق المودعين، وعمليات مصادرة الأموال تمت دون سند تشريعي صريح، مؤكدًا أن أي رقابة خارجية أو تعاقد مع شركات استشارية دولية مثل K2 Integrity لم يُعدّل هذه الحقيقة الجوهرية.
وأضاف الخبير في المجال المصرفي، أن الهدف الحقيقي من التعاقد مع هذه الشركات يقتصر على التعامل مع المعايير الدولية وفتح قنوات المعاملات بالدولار مع النظام المالي العالمي، وليس على إعادة بناء الثقة الداخلية بين المصارف والمودعين. موضحا أن أي نظام مصرفي لا يمكن أن يستدام بالامتثال الدولي وحده، بل يعتمد بالأساس على ثقة المجتمع وشرعية التصرفات المالية وفق القوانين المحلية.
وتابع ضاهر، أن هذه المعادلة نفسها تنعكس على التجربة الليبية، حيث قد تكون خطوة التعاقد مع شركات دولية ضرورية لضبط حركة الدولار والمعاملات الخارجية، لكنها لا تحل المشاكل البنيوية الداخلية في المنظومة المصرفية الوطنية.
وأكد أن التعاقد مع الشركة الأمريكية يهدف بشكل أساسي إلى تعزيز معايير الامتثال المالي الدولي، خصوصًا فيما يتعلق بالدولار، لكنه لا يعالج الأزمة البنيوية الداخلية.
وأضاف: “الشفافية في المصارف المركزية ليست ترفًا، بل واجب، ويجب على الإدارة أن تعلم العامة بما تقوم به لبناء الثقة بين الدولة والمواطن، لكن التعاقد مع شركات الرقابة الدولية يعالج بشكل أساسي الامتثال الفني الدولي وليس إعادة بناء الثقة الداخلية”.
وبينّ أن وجود الشركة الأمريكية لا يضيف تشريعات جديدة، بل يقوم بتطبيق وتدقيق الإجراءات المالية القائمة للكشف عن عمليات التهريب المالي واقتراح حلول، مشيرًا إلى أن المشكلة الأساسية في الاقتصاد النقدي اللبناني المعتمد على الكاش، والذي كان مرتعًا لارتكاب الجرائم المالية نتيجة غياب المساءلة وتطبيق القوانين.
وحول دور الدول العربية في هذا السياق، أوضح ضاهر، أن غياب شركات أو هيئات عربية لمراقبة المصارف المركزية ليس نتيجة عدم إدراك الحاجة، بل بسبب العوائق السياسية والقانونية والمؤسسية المتراكمة عبر الزمن، بما في ذلك تفاوت القدرات البنيوية بين الأنظمة المصرفية العربية وضعف الأطر القانونية للعمل العربي المشترك.
وأضاف أن هذه العقبات تجعل من الشركات الأجنبية المتخصصة في مراقبة الدولار، مثل K2، الخيار العملي للدول العربية الراغبة في الالتزام بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. كما يركز على حركة الدولار والتحويلات المالية الدولية، وليس على العملة المحلية، وهو ما يفسر عدم قدرة أي هيئة عربية حالية على القيام بدور مشابه، مؤكدًا أن الحلول الحقيقية للأزمة البنكية تتطلب إعادة بناء الثقة الداخلية عبر تطبيق القوانين والمساءلة، وليس الاكتفاء بالامتثال الفني الدولي.









