الجبو: تهريب السلع المدعومة أحد أسباب ارتفاع الأسعار ونقص المعروض
أكد الخبير الاقتصادي وحيد الجبو، أن القرارات الأخيرة الصادرة عن وزارة الاقتصاد بشأن تنظيم أسعار بعض السلع الأساسية، وعلى رأسها زيت الطعام، والأعلاف المخصصة للماشية، تمثل خطوة مهمة طال انتظارها لوضع حد للفوضى التي يشهدها السوق الليبي، وحماية المستهلك من ممارسات الجشع والاستغلال.
وأوضح الجبو في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن السوق الليبي عانى خلال السنوات الماضية من تجاوزات واضحة من قبل بعض التجار، مشيراً إلى أن عدداً من الشركات تقوم بفتح اعتمادات مستندية لاستيراد السلع الغذائية بسعر صرف يبلغ نحو 6.25 دينار للدولار، ثم تعمد إلى بيع هذه السلع للمواطن على أساس سعر صرف يصل إلى 10 دنانير أو أكثر، معتبراً أن هذا السلوك غير مقبول اقتصادياً ولا قانونياً.
وأكد أن الأصل هو أن تُباع السلع وفق تكلفتها الحقيقية مضافاً إليها هامش ربح معقول لا يتجاوز 20 إلى 25 في المئة، بما يحقق التوازن بين مصلحة التاجر وحماية المستهلك، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
وشدد الجبو على أهمية هذه الخطوة في خفض أسعار اللحوم، التي وصفها بالمبالغ فيها، حيث وصلت في بعض المناطق إلى نحو 85 ديناراً للكيلوغرام الواحد، وهو سعر يفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما أصحاب الدخل المحدود الذين لا يتجاوز متوسط دخلهم الشهري 1200 دينار، إضافة إلى المتقاعدين الذين لا يزيد دخل بعضهم عن 900 دينار شهرياً.
ولفت الجبو إلى أن هذه القرارات لا تهدف إلى فرض تسعيرة جبرية، بل إلى تنظيم السوق وضبطه ومنع الاحتكار، موضحاً أن قانون التجارة ينص على أن الأسعار تُحدد وفق آلية السوق، غير أن هذه الآلية يجب أن تكون عادلة ومرتبطة بسعر الصرف الرسمي المعتمد من المصرف المركزي، لا بسعر السوق الموازية.
وأضاف أن وزارة الاقتصاد تسعى من خلال تحديد سقف لأسعار بعض السلع، مثل الزيوت وربما القهوة والكاكاو، إلى حماية المستهلك وضمان توفر السلع الأساسية بأسعار معقولة على مدار العام، وليس فقط خلال المواسم مثل شهر رمضان.
وأوضح الجبو أن المسؤولية تقع على عاتق جهات الضبط، وعلى رأسها الحرس البلدي، بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد، من خلال لجان وغرف عمليات لمتابعة الأسعار في الأسواق، مؤكدا أن أي تاجر أو مركز تجاري يثبت تجاوزه للسقوف السعرية المحددة يجب أن يتعرض للمساءلة القانونية دون استثناء.
وأكد الخبير الاقتصادي أن قرارات وزارة الاقتصاد بشأن تحديد سقف الأسعار لا تندرج ضمن سياسة “التسعير الجبري”، وإنما تأتي في إطار تنظيم السوق وضبطه وفقاً لأحكام القانون رقم (23) بشأن الأنشطة التجارية، الذي يمنع فرض الأسعار قسراً ويتركها لآلية العرض والطلب، مع منح الدولة حق التدخل عند حدوث اختلالات واضحة في السوق.
وأوضح الجبو، أن دور وزارة الاقتصاد والحرس البلدي يتمثل في تنظيم السوق من حيث الاشتراطات الصحية وصلاحية السلع، إضافة إلى مراقبة الأسعار في حالات الاحتكار والمضاربة، مشدداً على أن تدخل الدولة يصبح ضرورياً عندما تظهر ممارسات تضر بانسياب السلع أو ترفع الأسعار بشكل غير مبرر.
وأشار إلى أن قرارات تنظيم الأسعار جاءت نتيجة وجود مضاربات واضحة وإخفاء لبعض السلع، وهو ما يتطلب تفعيل أدوات الرقابة والتفتيش، مؤكداً أن محاربة الاحتكار والمضاربة ممارسة معمول بها عالمياً للحفاظ على توازن السوق وضمان وصول السلع الأساسية للمواطنين.
ولفت الجبو إلى أن تهريب السلع المدعومة أو المستوردة عبر اعتمادات رسمية إلى خارج البلاد يمثل أحد الأسباب الرئيسية لنقص المعروض وارتفاع الأسعار، داعياً إلى تشديد الرقابة على حركة السلع ومحاسبة المتورطين في عمليات التهريب لما لها من آثار خطيرة على الاقتصاد المحلي.
وأكد أن نجاح هذه الإجراءات مرهون بفاعلية الأجهزة الضبطية، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد والحرس البلدي، لمراقبة الأسواق ومحاربة الجشع والاحتكار، معتبراً أن تنظيم السوق مسؤولية سيادية لا يمكن التهاون فيها لأنها تمس الأمن الغذائي للمواطن بشكل مباشر.
كما شدد على حق المواطنين ومنظمات حماية المستهلك في تقديم الشكاوى عند رصد أي ارتفاع غير مبرر في أسعار السلع، داعياً إلى تفعيل قنوات التواصل بين المواطن والجهات الرقابية.
وأكد الجبو، بشأن ما يُتداول حول سيطرة أجانب على عدد من الأسواق الكبرى، أن هناك بالفعل تجاوزات واضحة تعود في الأساس إلى ضعف المتابعة والانقسام السياسي، وذلك رغم صدور قرارات سابقة تنص صراحة على قصر ممارسة الأنشطة التجارية على الليبيين، مبيناً أن بعض الأنشطة تُسجَّل شكلياً بأسماء مواطنين ليبيين بينما تُدار فعلياً من قبل أجانب، وهو ما يُعد خللاً قانونياً صريحاً يستوجب المعالجة الفورية وتطبيق القانون بحزم ودون أي مجاملة.
وشدد الجبو على ضرورة تطبيق قانون دخول وإقامة الأجانب، بحيث لا يُسمح بممارسة أي نشاط تجاري أو مهني إلا لمن تتوفر لديه إقامة قانونية، وبطاقة صحية، وعقد عمل، والالتزام بالضرائب والرسوم المستحقة، مؤكداً أن التجارة يجب أن تكون لليبيين بالدرجة الأولى، موضحا أن أي تاجر ليبي يحتاج إلى عمالة أجنبية يمكنه تقديمها عبر وزارة العمل ووفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
وختم الجبو حديثه بالتأكيد على أن تأثير قرارات ضبط الأسعار يبدأ من أسواق الجملة ثم ينعكس على أسواق التجزئة، داعياً إلى متابعة شركات الاستيراد والسلع الغذائية بشكل دقيق، ومتوقعاً أن تسهم هذه الخطوات في خفض الأسعار تدريجياً، بما يصب في مصلحة جميع الليبيين، لافتا إلى أن المجتمع سيرحب بهذه الإجراءات التي تهدف إلى كبح الارتفاع المبالغ فيه للأسعار، وإعادة التوازن إلى السوق، وتحقيق العدالة لكل من المستهلك والتاجر على حد سواء.









