اخبار مميزةليبيا

الفيتوري: البلاد تتجه لأربعة أسعار للدولار ما يعكس هشاشة السوق النقدي

حذّر أستاذ الاقتصاد بالجامعات الليبية، عطية الفيتوري من التداعيات الخطيرة لقرار خفض قيمة الدينار الليبي بنسبة 14.7%، مؤكداً أن هذه الخطوة غير مدروسة، ولن تعالج اختلالات السوق النقدي، بل ستؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار، وتقويض الثقة في العملة الوطنية، وتعميق معاناة المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود.

وأوضح الفيتوري في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن ما يجري حالياً لا يمكن اعتباره قانوناً نافذاً، بل هو مشروع مقترح تقدّمت به لجنة الاقتصاد والمالية بمجلس النواب، مشيراً إلى أن ما فُرض سابقاً تحت مسمى “رسوم” على بيع الدولار تحوّل عملياً إلى خفض رسمي لقيمة الدينار، بعد تثبيت هذه الرسوم وربطها بسعر الصرف الرسمي.

وبيّن أن سعر الدولار أصبح في حدود 6.36 دينار بعد هذا التخفيض، لافتاً إلى أن الضريبة التي فُرضت في الأصل كإجراء مؤقت جرى تثبيتها واعتبارها سعراً رسمياً، بل أضيفت إليها ضرائب ورسوم أخرى على السلع، ما يعني – بحسب تعبيره – أن المواطن الليبي بات يدفع “ضريبتين بدل واحدة”.

وانتقد الفيتوري فرض عمولات إضافية على عمليات بيع العملة الأجنبية عبر المصارف ومكاتب الصرافة، تتراوح بين 2.5% و4%، متسائلاً عن الجدوى الاقتصادية من شرعنة نشاط الصرافة، وخلق أكثر من سعر للصرف في السوق، في وقت كانت المصارف التجارية تقوم بهذه العمليات سابقاً دون تحميل المواطن أي رسوم إضافية.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي برّر هذه السياسات بمحاولة تشجيع استخدام أدوات الدفع غير النقدي، إلا أن الواقع – بحسب الفيتوري – يؤكد أن هذه الإجراءات لن تنجح في ضبط السوق أو القضاء على السوق الموازية، خاصة في ظل وجود عمالة أجنبية، وتدفقات نقدية خارج الإطار الرسمي، وضعف الرقابة الفعلية.

وأكد أن خفض قيمة الدينار لن يقلل الطلب على الدولار كما يُروّج له، بل سيؤدي إلى زيادته، موضحاً أن أصحاب رؤوس الأموال، عندما يشعرون باهتزاز الثقة في العملة الوطنية، يتجهون مباشرة إلى العملات الأجنبية الأكثر استقراراً، وعلى رأسها الدولار واليورو، معتبراً أن هذا الأمر مؤشر “خطير جداً”، لأن خفض العملة رسمياً هو إعلان ضمني بفقدان الثقة في الدينار الليبي، ما يعدّ رسالة سلبية للأسواق داخلياً وخارجياً.

وانتقد أستاذ الاقتصاد تكرار خفض قيمة الدينار خلال فترة زمنية قصيرة، مذكّراً بأن خفضاً سابقاً بنسبة 13% تم في أبريل الماضي، متسائلاً عن كيفية الحديث عن استقرار اقتصادي وتنمية في ظل خفضين متتاليين خلال أقل من عام.

كما عبّر الفيتوري عن قلقه من غياب الكفاءات الاقتصادية المتخصصة عن مواقع صنع القرار، مؤكداً أن عدداً من أعضاء مجالس الإدارة والمؤسسات المالية لا يملكون خلفيات اقتصادية متخصصة، واصفاً هذا الوضع بـ “النكبة الحقيقية”، باعتبار أن المصرف المركزي يمثل عصب الحياة الاقتصادية للدولة.

وحذّر الفيتوري من أن البلاد تتجه فعلياً إلى تعدد أسعار صرف الدولار، ما من شأنه إرباك السوق النقدي وتعميق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي. مبينا أن الواقع الحالي يشير إلى وجود أربعة أسعار للدولار، تشمل: السعر الرسمي المعتمد من مصرف ليبيا المركزي، وسعر مكاتب الصرافة، وسعر التعاملات النقدية، إضافة إلى السعر الموازي، الذي وصفه بـ “سيد الأسعار”، لأنه المؤشر الحقيقي لحركة السوق، وأكد أن هذا التعدد سيؤدي إلى عدم استقرار العلاقة بين الدينار والعملات الأجنبية، موضحاً أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في السعر المُعلن، بل في قدرة المصرف المركزي على توفير النقد الأجنبي عند هذه المستويات.

ولفت إلى أن خفض قيمة الدينار، حتى لو بلغ 20 أو 30%، قد يرفع الإيرادات الحكومية من بيع عائدات النفط بسعر صرف أعلى، لكنه في المقابل لن يقلل الطلب على الدولار، ولن يمكّن المصرف المركزي من تلبية الطلب المتزايد عليه، كما أوضح أن السوق الموازي يتأثر أساساً بحجم المعروض من الدولار، حيث إن زيادته تقلّص الفجوة السعرية، بينما يؤدي انخفاضه – نتيجة تراجع مبيعات النفط أو انخفاض الأسعار – إلى اتساع هذه الفجوة وارتفاع سعر الدولار بشكل كبير.

ولم يستبعد الفيتوري أن يصل سعر الدولار في السوق الموازي إلى 10 دنانير أو أكثر، محذراً من أن المضاربة وفقدان الثقة في العملة الوطنية هما العاملان الرئيسيان وراء هذا الارتفاع، كما أشار إلى أن سعر الدولار في مكاتب الصرافة قد يصل إلى نحو 6.7 – 6.9 دينار بعد إضافة الرسوم، متسائلاً عن قدرة هذه المكاتب على توفير العملة الأجنبية فعلياً.

وأبدى مخاوفه من غموض آلية الصرف، متسائلاً عمّا إذا كانت مكاتب الصرافة ستوفّر عملة نقدية أم تحويلات إلكترونية فقط، سواء عبر الحسابات المصرفية أو البطاقات أو خدمات التحويل الدولية، محذراً من أن غياب الوضوح سيبقي السوق في حالة ارتباك دائم.

وشدّد الفيتوري على أن خفض قيمة الدينار ستكون له آثار قاسية ومباشرة على ذوي الدخل المحدود، موضحاً أن شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على مرتبات لا تتجاوز في أغلبها ألف دينار شهرياً، أي ما يعادل أقل من 100 إلى 150 دولاراً، مشيرا إلى أن أكثر من مليوني موظف في القطاع العام سيواجهون انخفاضاً حاداً في دخلهم الحقيقي نتيجة التضخم، لافتاً إلى أن الأسعار بدأت في الارتفاع حتى قبل صدور أي قرار رسمي.

وانتقد الفيتوري تبرير المصرف المركزي لخفض قيمة الدينار بارتفاع الإنفاق الحكومي واستنزاف العملة الأجنبية، مؤكداً أن هذا التبرير يفتقر إلى الدقة، إذ إن احتياطيات النقد الأجنبي – بحسب بيانات المصرف المركزي – ارتفعت من نحو 94 مليار دولار إلى قرابة 99 مليار دولار خلال العام الماضي.

كما حذّر من أن خفض قيمة الدينار سيؤدي حتماً إلى زيادة معدلات التضخم، وتآكل القوة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل توجّه التجار إلى رفع الأسعار لتعويض ارتفاع تكاليف الاستيراد، والضرائب، ورسوم الإنتاج، والاستهلاك.

ونبّه الفيتوري إلى أن هذه السياسات ستسهم في تفاقم ظاهرة تهريب الوقود، موضحاً أن تراجع قيمة الدينار يجعل أسعار البنزين أرخص مقارنة بدول الجوار، ما يزيد من هامش الربح لدى المهربين.

وانتقد الفيتوري تركيز المصرف المركزي على ملف الدين العام كمبرر لخفض قيمة الدينار، معتبراً أن آثار خفض العملة أخطر بكثير من تنامي الدين العام، خاصة وأن الدين داخلي وليس خارجياً، مؤكداً أن ليبيا لا تعاني من ديون خارجية بالدولار أو اليورو، بخلاف دول أخرى تعاني من مديونية خارجية كبيرة ورغم ذلك تحافظ على قدر من الاستقرار في عملاتها، لافتا إلى أن الدين العام المحلي ناتج عن إنفاق حكومي يفوق الإيرادات، وهو أمر يمكن إدارته ومعالجته تدريجياً، محذراً من تصوير الوضع المالي لليبيا وكأنها دولة مفلسة، وهو توصيف غير دقيق ولا يعكس حقيقة الوضع الاقتصادي.

كما انتقد الفيتوري آلية فرض ضريبة بيع الدولار، موضحاً أن هذه الضريبة كان يفترض أن تُستخدم لإطفاء الدين العام، لكنها تحولت – بحسب وصفه – إلى باب جديد للنهب وإهدار المال العام، وأكد أن تقارير ديوان المحاسبة وأجهزة رقابية أخرى كشفت عن اختفاء مليارات الدنانير من إيرادات هذه الضريبة، دون توضيح رسمي أو تحرك من الجهات المعنية أو مكتب النائب العام.

وحذّر الفيتوري من التوجه لفرض ضرائب جديدة على السلع التموينية الأساسية، مؤكداً أن هذه الخطوة ستنعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية، وستزيد من معاناة المواطنين، الذين سيتحملون كلفة خفض سعر الصرف والضرائب في آن واحد، موضحا أن الجمع بين خفض قيمة الدينار وفرض ضرائب الإنتاج والاستهلاك سيؤدي إلى موجة غلاء كبيرة، متسائلاً عن قدرة المواطن على تحمّل هذه الزيادات.

وانتقد ما وصفه بعدم النزاهة في سياسات المصرف المركزي، مشيراً إلى تخصيص الاعتمادات المستندية لصالح عائلات ومصارف محددة، ووجود تجاوزات في ملف الاستيراد، حيث تُصرف مبالغ كبيرة من العملة الصعبة دون أن يقابلها توريد حقيقي للبضائع.

وختم الفيتوري تحذيراته بالتأكيد على أن تمرير أي قوانين ضريبية جديدة، بالتزامن مع خفض قيمة الدينار، سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار، وقد يفضي إلى انفجار اجتماعي، مشدداً على أن المواطن لم يعد يحتمل أعباء إضافية، وأن استمرار اتخاذ قرارات مصيرية دون أسس علمية وخبرات اقتصادية متخصصة سيقود البلاد إلى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى