المرعاش: الدبيبة يقود حكومة «فساد» تهمّش الوزراء وتكرّس الفوضى
قال المحلل السياسي كامل المرعاش، إن الحراك الشعبي الذي شهدته عدة مدن في غرب البلاد، من بينها طرابلس ومصراتة، جاء نتيجة تداخل مجموعة من الأسباب التي فرضت نفسها كأمر واقع، لا سيما في المناطق المتضررة من تفشي الفساد والانفلات الأمني.
وأوضح في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24» أن هذا الحراك لا يمكن اختزاله في بعد واحد، بل يجمع بين أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وجميعها حاضرة بقوة في المشهد، كما بينّ أن هذا الحراك ليس وليد اللحظة، بل يمتد عمره لأكثر من ثلاث سنوات، حيث يخفت في فترات معينة ثم يعاود الظهور في أوقات أخرى. ولفت إلى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في دوافع الحراك، بل في محدودية قدرته على إحداث تغيير فعلي، كونه لا يمتلك الأدوات الكفيلة بتحقيق أهدافه النهائية.
ورأى المرعاش أن الحراك، رغم طابعه الشعبي والأهلي، يفتقر إلى قيادة واضحة ترعاه بشكل منتظم، كما يفتقد إلى كيان منظم يقوده نحو النتائج التي يُفترض أن يصل إليها. موجها دعوة للوطنيين الليبيين، إلى العمل على تأسيس حاضنة وطنية لهذا الحراك، معتبراً أن البلاد تمر بمرحلة نضال وطني تهدف إلى استعادة استقلال ليبيا.
وذهب للقول، أن ليبيا تعيش حالة احتلال، خصوصاً في مناطق شمال غرب البلاد، في ظل وجود قواعد عسكرية أجنبية، وحكومة تتعامل مع دول تتدخل بشكل سلبي في الشأن الليبي، إلى جانب قوى دولية أخرى تسعى إلى إبقاء ليبيا في وضع الدولة الفاشلة. وأكد أن من بين أدوات النضال والضغط الممكنة، تشكيل حاضنة وطنية قادرة على التأثير في المجتمع الدولي، والدول المتدخلة، والبعثة الأممية، وكذلك على الأجسام المسيطرة على مفاصل الدولة في غرب البلاد، بما يسهم في دفع الحل السياسي في اتجاه محدد.
وشدد المرعاش على أن هذه الحاضنة الوطنية يجب أن تُنشأ في الوقت الراهن، وأن تكون حاضنة أهلية من حيث الإدارة والتمويل، مع وجود قيادات تتولى رعاية الحراك بشكل مستمر، وقال إن تنظيم المظاهرات والاعتصامات يتطلب جهداً وتكلفة مادية، سواء في الجوانب التنظيمية أو اللوجستية، مثل إعداد الشعارات واللافتات، وهو ما يستدعي وجود دعم منظم ومستدام.
وأشار إلى أنه لا يدعو إلى تمويل رسمي، بل إلى تأسيس إطار وطني جامع، يمكن أن يضم ناشطين وإعلاميين ومثقفين وقانونيين، خاصة في مدينة بنغازي، للعمل على تأسيس هذه الحاضنة وضم مختلف الوطنيين إليها. كما لفت إلى إمكانية فرض مساهمات تطوعية من المواطنين، موضحاً أن بعض المواطنين قد لا يشاركون مباشرة في الاعتصامات، لكنهم لن يترددوا في دعمها ماديًا.
وحول دوافع هذا الحراك المطالب بإسقاط الحكومة، أكد المرعاش أن توصيف حكومة عبد الحميد الدبيبة الحالية، لا يخرج عن كونها حكومة مشلولة منذ أكثر من عامين، مؤكداً أنها انتقلت في المرحلة الحالية إلى حالة عجز كامل عن أداء مهامها. وفسّر المرعاش هذا الشلل بأن أكثر من نصف أعضاء الحكومة متورطون في قضايا فساد، مشيراً إلى أن بعضهم دخل السجن بالفعل، فيما لا يزال آخرون بانتظار المحاكمة.
وأوضح أن الحكومة لم تعد تُدار وفق الأعراف والمعايير القانونية المعمول بها في أي دولة، بل تحولت إلى ما يشبه “حكومة مصغّرة”، تقابلها في الواقع “حكومة ظل”، يقودها أفراد من عائلة الدبيبة ودائرة ضيقة من المقربين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وهم من يتولون فعلياً إدارة شؤون الدولة، لافتاً إلى أن بقية الوزراء جرى تهميشهم بالكامل، ولا يمتلكون أي نفوذ أو سلطة حقيقية، باستثناء بعض الوزراء الذين يستندون إلى دعم ميليشيات مسلحة قوية، وهو ما كان سبباً مباشراً في استمرارهم بمناصبهم.
وأكد المرعاش أن الحديث عن حكومة بالمعنى القانوني والمؤسسي لم يعد قائماً، لافتاً إلى أن الحكومة باتت برأس مريض ودخلت مرحلة العجز التام عن إدارة شؤون الدولة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الواقع الاقتصادي والمعيشي. وأشار إلى أن هذا العجز تسبب في انهيار قيمة الدينار الليبي، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وعدم قدرتهم على تلبية أبسط متطلبات الحياة اليومية.
ونوه إلى أن هذه التطورات تجري أمام مرأى البعثة الأممية التي لم تحرك ساكناً، في وقت لا تزال فيه بعض الدول تدعم هذه الحكومة، ليس حرصاً على الاستقرار، بل رغبةً في إبقاء ليبيا في حالة “الدولة الفاشلة” لتسهيل التحكم فيها وتوجيهها والسيطرة على قرارها. وفي ملف الهجرة والتوطين، أكد المرعاش أن حكومة الدبيبة تتحمل مسؤولية مزدوجة، تبدأ من مصلحة الأحوال المدنية التابعة لها، موضحاً أن النائب العام يكتشف بشكل شبه يومي عشرات ومئات، وربما آلاف، حالات تزوير الأرقام الوطنية الليبية.
وأشار إلى أن هذا الاختراق سمح لآلاف الأجانب بالحصول على مزايا وحقوق ليست مخصصة لهم، ولا يحق لهم التمتع بها، ما يشكل خرقاً مباشراً تتحمل الحكومة مسؤوليته الكاملة. وأضاف أن الجانب الآخر من القضية يتمثل في تورط حكومة الدبيبة في اتفاقات خارج إطار القانون الدولي، ولا تحترم السيادة الليبية، خاصة مع إيطاليا، التي تسعى إلى منع وصول المهاجرين إلى أراضيها.
وأوضح أن ليبيا، باعتبارها دولة عبور، ليست ملزمة بإعادة المهاجرين حتى من المياه الدولية، إلا أن حكومة الدبيبة قبلت بهذا الشرط، واعتبر المرعاش ذلك تنازلاً خطيراً عن السيادة الوطنية، مؤكداً أن مسؤولية ليبيا القانونية تنتهي بخروج المهاجرين إلى المياه الدولية.
وأردف المرعاش بالتأكيد على أن جميع هذه الملفات تشترك في خطورة واحدة، تتمثل في تهديد التركيبة الديمغرافية الليبية، سواء من خلال اختراق السجلات المدنية، أو تزوير الأرقام الوطنية، أو احتضان المهاجرين بشكل غير منضبط. وأشار إلى أن عدداً من الميليشيات في شمال غرب ليبيا ما زال يدير منصات عائمة لتهريب المهاجرين، وأن الحكومة فشلت في وقف هذه الأنشطة، نظراً لاستفادة قادة تلك المجموعات مادياً من استمرار الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
وفيما يتعلق بزيارة نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر إلى العاصمة الفرنسية باريس، أوضح المرعاش أن الزيارة تحمل طابعاً سياسياً بامتياز، مشيراً إلى أنها جاءت امتداداً لتحركات سابقة ذات طابع عسكري، كان من أبرزها مشاركة الفريق صدام حفتر في اجتماعات رؤساء أركان دول حوض البحر المتوسط، التي استضافتها فرنسا على متن إحدى الفرقاطات الفرنسية.
وبيّن المرعاش أن التنسيق والتباحث العسكري بين الجانبين الليبي والفرنسي ما زال مستمراً ولم يشهد أي إشكاليات، مؤكداً أن التعاون العسكري قائم ويشهد تطوراً متواصلاً.
واعتبر أن هذه الزيارة السياسية من شأنها كسر حالة الجمود التي شابت الموقف الفرنسي في الملف الليبي خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى أن فرنسا، رغم كونها من أوائل الدول المنخرطة في الشأن الليبي، أصبحت متأخرة نسبياً في تعاطيها مع تطورات الأزمة، على الرغم من أن مصالحها الاستراتيجية تدفعها لأن تكون أكثر فاعلية.
وأضاف أن هذه الزيارة تمثل فرصة لإعادة تنشيط الدور الفرنسي، خاصة وأن فرنسا تُعد من أبرز دول الاتحاد الأوروبي، وهي في حاجة ماسة إلى استقرار ليبيا، ولا سيما فيما يتعلق بمصالحها الأمنية والاستراتيجية في منطقة الساحل وما وراء الصحراء.
وأشار المرعاش إلى أن الجانب الفرنسي يُبدي إعجاباً واضحاً بالجهود التي يقودها الفريق صدام حفتر في الجنوب الليبي، وبالنجاحات التي حققها في فرض الأمن، وضبط الحدود، ومنع تسلل الحركات المتمردة، والحد من انتشار السلاح المنفلت، معتبراً أن هذه الملفات تشكل أولوية قصوى لفرنسا التي تخشى من انتقال التنظيمات الإرهابية نحو أوروبا، والوصول إلى أراضيها.
ولفت المرعاش إلى أن زيارة الفريق صدام حفتر إلى باريس من شأنها وضع أسس جديدة لفاعلية السياسة الفرنسية تجاه ليبيا، مؤكداً أن مستوى الاستقبال الذي حظي به يحمل رسائل واضحة إلى حكومة الدبيبة، وكذلك إلى بقية الأجسام السياسية التي أخفقت في التوصل إلى حل شامل للأزمة الليبية. واعتبر أن هذه الرسائل تفيد بوجود مسار آخر موازٍ للحل السياسي، يتمثل في الحل الأمني، الذي أثبت نجاحه على الأرض.
وأكد أن هذا المسار الأمني يجسده الفريق صدام حفتر، الذي يحمل مشروعاً وطنياً ورؤية متكاملة وضع أسسها المشير خليفة حفتر، وأسند إليه مهمة رعايتها وتنفيذها، والمتمثلة في تحقيق استقرار ليبيا، واستعادة دور الدولة، وبناء ليبيا الجديدة القائمة على الديمقراطية، وحق المواطنة، وحماية الحدود والثروات، وضمان أمن الشعب الليبي. وأضاف أن هذه الأهداف تمثل جوهر مشروع الكرامة الساعي إلى استعادة هيبة ليبيا وسيادتها.
وأشار المرعاش إلى أن النجاحات التي حققها الفريق صدام حفتر لم تعد محصورة داخل ليبيا، بل وصلت إلى العواصم الأوروبية، وعلى رأسها باريس، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة مفاجآت سياسية وأمنية وصفها بـ “الثقيلة”، قد تتمثل في زيارات أخرى إلى دول كبرى مؤثرة، من شأنها إحداث تحولات في موازين المشهد الليبي.
وفي السياق ذاته، اعتبر المرعاش أن هذه التطورات تشكل عامل ضغط على الأطراف الليبية الداخلية المتصارعة على السلطة، والتي – حسب تعبيره – لا تبدي رغبة حقيقية في إنهاء الأزمة، مؤكداً أن العام الحالي سيكون عاماً حاسماً، وفي حال فشل المسار السياسي، فإن الحل الأمني سيكون مطروحاً بقوة كخيار بديل.
وحول سبل تجنب انزلاق البلاد نحو الفوضى، ووضع ليبيا على مسار الانتخابات والاستقرار السياسي والاقتصادي، دعا المرعاش إلى استمرار الحراك الشعبي وتوسيعه، سواء كان ذا طابع اجتماعي أو سياسي أو أمني، مطالباً بأن يمتد إلى مدن أخرى، وألا يقتصر على طرابلس أو مصراتة فقط، بل يشمل كافة مدن الغرب الليبي التي تعاني من سطوة الميليشيات وتردي الأوضاع المعيشية والخدمية.
وشدد المرعاش على أن نجاح هذا الحراك يتطلب وجود رعاية حقيقية وحاضنة وطنية تتولى قيادته وتنظيمه، وتدير ما وصفه بـ “النضال السياسي السلمي”، بهدف الضغط على البعثة الأممية والدول المتدخلة في الشأن الليبي. كما دعا إلى أن يتوازى هذا الحراك مع دعم الجيش الوطني الليبي، في حال توافرت الظروف اللازمة لتحييد الميليشيات ونزع سلاحها، معتبراً أن هذه الجماعات تمثل العقبة الأساسية أمام استقرار ليبيا بمختلف امتداداتها.









