الفضيل: ملف الاعتمادات المستندية بات يمثل أكبر بؤر الفساد في الاقتصاد الوطني

حذر أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل من خطورة ملف الاعتمادات المستندية داخل القطاع المصرفي الليبي، مؤكداً أن هذا الملف تحول إلى أحد أكبر بؤر الفساد في الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن أكثر من 70% من الاعتمادات القائمة تحوم حولها شبهات فساد مؤكدة وفق ما تتيحه المعطيات والمصادر المتاحة، وهو ما جعل من هذه الظاهرة ورماً اقتصادياً أصاب القطاع المصرفي بشكل عام وألقى بآثاره السلبية على الاقتصاد الليبي ككل
وأوضح الفضيل في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، الممولة من قطر، أن هذا الفساد لا يقتصر على طرف واحد، بل تشترك فيه عدة أطراف من بينها بعض التجار، وأطراف داخل القطاع المصرفي إضافة إلى بعض الشركات الموردة وعوامل مرتبطة بالسياسات النقدية والمالية، مؤكداً أن الأثر الاقتصادي لهذه الممارسات جسيم وخطير في ظل الأرقام القياسية التي سجلها بند الاعتمادات المستندية خلال عام 2025
وبيّن أستاذ الاقتصاد في حديثه الذي رصدته “الساعة 24″، أن قيمة الاعتمادات المستندية بلغت بنهاية عام 2025 ما يقارب 16 مليار دولار وهو رقم غير مسبوق في تاريخ ليبيا، حيث يمثل نحو 50% من إجمالي مبيعات النقد الأجنبي التي بلغت حوالي واحد وثلاثين مليار دولار، إضافة إلى نحو سبعة فاصل ثماني مليارات دولار خُصصت للأغراض الشخصية، وهو ما يعكس حجم الضغط الكبير على احتياطيات النقد الأجنبي
وأشار الفضيل إلى أن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هو سبب تركّز الفساد تحديداً في بند الاعتمادات المستندية، موضحاً أن الإجابة تكمن في الفجوة القائمة بين السعر الرسمي للدينار الليبي وسعره في السوق الموازية، مؤكداً أن استمرار هذه الفجوة يجعل من القضاء الكامل على فساد الاعتمادات أمراً شبه مستحيل، مع إمكانية الحد من حدته فقط دون إنهائه بشكل جذري
وأضاف أن أساليب الفساد تتمثل في تضخيم فواتير الاستيراد، حيث قد يتم تسجيل شحنة بقيمة أربعة ملايين دولار بينما لا تتجاوز قيمتها الحقيقية مليوني دولار، وهو أمر يصعب ضبطه رقابياً نظراً لتفاوت الأسعار عالمياً، إلا أن الدافع الرئيسي لهذه الممارسات يبقى الاستفادة من فارق سعر الصرف وتحقيق أرباح غير مشروعة عبر السوق الموازية
وأشاد الفضيل بجهود مكتب النائب العام في ملاحقة قضايا الفساد المتعلقة بالاعتمادات المستندية، واصفاً إياها بالجهود الكبيرة والمقدّرة، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن المعالجة القانونية وحدها غير كافية، مؤكداً ضرورة أن يكون هناك مسار موازٍ تقوده السياسات النقدية للمصرف المركزي بهدف معالجة أصل المشكلة
وأكد أن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية يمثل المدخل الحقيقي للحد من فساد الاعتمادات، مستشهداً بالفترة الممتدة بين عامي 2021 و2023 عندما كانت الفجوة محدودة ولم تُسجل خلالها حالات فساد واسعة مقارنة بالأعوام من 2015 إلى 2018 التي شهدت تجاوزات موثقة، من بينها استيراد حاويات فارغة وتوريد سلع غير مطابقة، وفق ما ورد في تقارير ديوان المحاسبة وشركات التدقيق الدولية
وأوضح الفضيل أن المصرف المركزي يمكنه تقليص الفجوة عبر سياسات أكثر واقعية من خلال زيادة المعروض من النقد الأجنبي أو اعتماد آلية بيع موحدة وعادلة تقلل من الحوافز للمضاربة، مشيراً إلى أن من بين الحلول الممكنة اعتماد ما وصفه بالسعر الخاص المعلن لبيع النقد الأجنبي للأغراض الشخصية والتجارية بسعر يستطيع المصرف المركزي الدفاع عنه، مقترحاً أن يكون في حدود سبعة دنانير ونصف للدولار
وبيّن أن اعتماد هذا السعر سيؤدي إلى تقليص الطلب على السوق الموازية، حيث لن يكون هناك حافز للتجار أو المواطنين للجوء إليها، كما سيحد من فتح الاعتمادات الوهمية التي يُحوّل جزء منها إلى المضاربة بدلاً من الاستيراد الفعلي للسلع، مؤكداً أن توفير النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية سيؤدي تلقائياً إلى انخفاض نشاط السوق السوداء
وختم أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة حديثه بالتأكيد على أن الحل الجذري لأزمة الاعتمادات المستندية يظل مرتبطاً بتوحيد الميزانية العامة وانتظام إيرادات النفط وإنهاء الانقسام المالي، إلا أن هذه الحلول تبقى مثالية وصعبة التطبيق في ظل الوضع السياسي الراهن، مشيراً إلى أن الإجراءات المقترحة حالياً لا تعدو كونها حلولاً مؤقتة قد تحقق استقراراً مرحلياً لكنها لا تضمن استدامته ما لم تتم معالجة جذور الأزمة المالية بشكل شامل.









