الفنيش: حضور بولس بمجلس الأمن يعكس نية واشنطن لضبط المسار الأممي في ليبيا

قال المحلل السياسي حسام الفنيش، إن الإحاطة الأخيرة التي قدمتها المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن لم تحمل جديداً يُذكر، معتبراً أنها اقتصرت في مجملها على توصيف الواقع القائم دون طرح معالجات جذرية للأزمة الليبية.
وأوضح الفنيش، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن أبرز ما لفت الانتباه في تلك الجلسة لم يكن مضمون الإحاطة بقدر ما كان الحضور اللافت لمستشار الشؤون الخارجية الأمريكي مسعد بولس، الذي شارك في الجلسة بدلاً من المندوب الأمريكي الدائم لدى مجلس الأمن. واعتبر الفنيش أن هذه الخطوة تمثل، من وجهة نظره، تجاوزاً بروتوكولياً ودبلوماسياً، إذ جرت العادة أن يمثل الدولة عضوٌ دائم بصفة رسمية، لا مستشار.
ورأى أن حضور بولس يحمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز الشكل البروتوكولي، وتعكس – بحسب تقديره – تحولاً في مقاربة الولايات المتحدة تجاه الملف الليبي، بما يشير إلى أن ليبيا لم تعد تُعامل كملف نزاع محلي فحسب، بل باتت جزءاً من حسابات جيوسياسية وأمنية أوسع في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي، إضافة إلى أهميتها في معادلات البحر الأبيض المتوسط.
وفيما يتعلق بمضمون إحاطة المبعوثة الأممية “هانا تيتيه”، قال الفنيش إنها ركزت على توصيف جوانب عديدة من الواقع السياسي، غير أنها – وفق رأيه – لم تقدم حلولاً واضحة أو آليات تنفيذية محددة. وأشار إلى أن من بين أبرز المقترحات التي طُرحت تشكيل لجنة مصغرة، إلا أن الإحاطة لم توضح طبيعة هذه اللجنة أو الجهة التي ستُشكَّل منها، سواء كانت منبثقة عن مجلسي النواب والأعلى للدولة، أم أنها ستُشكَّل بمبادرة من البعثة الأممية نفسها.
وأضاف أن المقترح تضمّن الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى حوار أوسع في حال فشل اللجنة المصغرة، غير أن هذه الآلية – بحسب تعبيره – بدت غير واضحة المعالم من حيث الجدول الزمني وضمانات التنفيذ، ما يثير تساؤلات حول جدواها العملية.
واعتبر المحلل السياسي، أن دور البعثة الأممية بات أقل تأثيراً في المرحلة الراهنة، لا سيما في ظل ما وصفه بتعزيز الحضور الأمريكي المباشر في الملف الليبي، مؤكداً أن المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن تمسك بزمام المبادرة بصورة أوضح من السابق، الأمر الذي قد يعيد رسم موازين التأثير في المسار السياسي الليبي خلال الفترة المقبلة.
ورأى الفنيش أن عجز مجلسي النواب والأعلى للدولة عن إنجاز أولى خطوات خريطة الطريق يدفع بعض الأطراف إلى التفكير في تبني مسار خارج الأطر التقليدية التي اعتاد عليها الليبيون في إدارة المرحلة السياسية. غير أنه استبعد أن يشكل هذا التوجه خطراً مباشراً على المجلسين، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بانحسار دور بعثة الأمم المتحدة خلال المرحلة الأخيرة، خاصة مع بروز مسار أمريكي موازٍ اعتبره أكثر تفوقاً من الناحيتين الاستراتيجية والتكتيكية.
وبين أن البعثة تبقى مقيدة بإجماع دول مجلس الأمن الدولي، في حين أن الولايات المتحدة – وخصوصاً في عهد إدارة دونالد ترامب – تميل، بحسب وصفه، إلى التحرك بشكل منفرد وفرض رؤيتها في عدد من الملفات الدولية، ومن بينها الملف الليبي.
وفي هذا السياق، اعتبر الفنيش أن حضور مسعد بولس جلسة مجلس الأمن لم يكن حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل يعكس رغبة أمريكية في إعادة ضبط دور المبعوثة الأممية هانا تيتيه وتوجيه أداء البعثة بما يتماشى مع رؤية أمريكية محسوبة ضمن مشروع دولي أوسع تقوده واشنطن.
وأضاف أن المبعوثة الأممية كانت قد عبّرت سابقاً عن رفضها للمسارات الموازية، بما فيها المسار الأمريكي، معتبراً أن هذا الموقف قد يكون من بين الأسباب التي دفعت بولس إلى الحضور شخصياً، في ظل ما وصفه بعدم سماح الإدارة الأمريكية بمشاركة أطراف أخرى في رسم ملامح رؤيتها للملف.
وعن مسألة تشكيل لجنة جديدة أو الذهاب إلى جسم بديل، رأى الفنيش أن البعثة لا تستطيع تجاوز المجلسين أو إنشاء كيان غير منتخب يتولى وضع أسس دستورية أو قانونية، مؤكداً أن أي مسار جاد سيظل مضطراً للعودة إلى مجلسي النواب والدولة ومحاولة خلق حالة توافق بينهما. وتوقع أن تتجه البعثة خلال الفترة المقبلة إلى مبادرة تعكس هذا التوجه.
وفيما يتعلق بالإحاطة الأممية الأخيرة، اعتبر أنها حملت تحولاً في لهجة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إذ انتقلت – برأيه – من إدارة التوازن بين الأطراف إلى تسمية من تعتبرهم معرقلين بشكل أوضح، في إشارة إلى مجلسي النواب والدولة، بعدما أخفقا في تنفيذ أولى خطوات خريطة الطريق والمتمثلة في إعادة تشكيل مجلس المفوضية. ولفت إلى أن الطرفين اتخذا إجراءات أحادية في هذا السياق.
ومع ذلك، شدد الفنيش على أن جوهر الإشكال لا يكمن في مسألة المفوضية باعتبارها قضية ذات طابع تقني، بل في القوانين الانتخابية، معتبراً أن البعثة تتعامل مع الملف “بطريقة معكوسة”. وأوضح أن المقاربة الأمريكية تختلف، إذ تركز – وفق تقديره – على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وتحقيق اندماج اقتصادي يشمل توحيد الميزانية والإنفاق التنموي، باعتبار هذه الملفات أولوية تسبق أي مسار سياسي، لأن معالجة هذه القضايا تمثل شرطاً أساسياً للقبول بنتائج الانتخابات مستقبلاً.
وأكد الفنيش أن الولايات المتحدة لا تزال متمسكة بخيار إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، في ظل توافق دولي عام حول هذا الهدف، غير أن الضغط على الأطراف الليبية – وخاصة مجلسي النواب والدولة – يظل ضرورياً لتحقيق توافق يمهد لهذا الاستحقاق.
واعتبر أن ما تقصده تيتيه قد يكون تشكيل لجنة مشتركة من المجلسين أو إطلاق وساطة بينهما لمعالجة ملفي إعادة تشكيل المفوضية والقوانين الانتخابية، تمهيداً لفتح الطريق أمام انتخابات عامة تنهي حالة الانسداد السياسي.
وحول ملف القوانين الانتخابية أكد الفنيش بأنه سيظل مسألة تشريعية بالدرجة الأولى، وبالتالي فهو يحتاج إلى معالجة مباشرة من قبل مؤسسات تشريعية مختصة، مشدداً على أن أي تعديل أو إقرار لهذه القوانين لا يمكن أن يتم خارج الأطر الدستورية المعترف بها.
وأوضح أن بعثة الأمم المتحدة تستحضر في مقاربتها الحالية تجربة سابقة اعتبرتها ناجحة، والمتمثلة في معالجة أزمة مصرف ليبيا المركزي، عندما تم إعفاء المحافظ السابق الصديق الكبير وتكليف ناجي عيسى، وهي خطوة جرت بتوافق بين ممثلين عن مجلسي مجلس النواب والأعلى للدولة.
واعتبر الفنيش أن البعثة قد تسعى إلى تكرار هذا النموذج، سواء عبر اختيار شخصيات من المجلسين أو من خلال إعادة تفعيل لجنة “6+6″، التي سبق أن توصلت إلى نتائج يمكن البناء عليها وإدخال تعديلات إضافية عليها تمهيداً لإقرارها.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن لجنة “6+6” شهدت قدراً من التوافق بين أعضائها، وأن مخرجاتها لا تزال تمثل أرضية قابلة للتطوير، متسائلاً عن سبب عدم العودة إليها بدل البحث عن صيغ جديدة. غير أنه لفت في المقابل إلى أن جوهر الخلاف بين المجلسين يتمثل في أزمة ثقة متبادلة، حيث يشعر كل طرف بغياب الضمانات الكافية، فضلاً عن لجوء كل منهما إلى إجراءات أحادية في بعض المحطات.
ورأى أن ممارسة ضغوط دولية جدية قد تدفع الطرفين إلى التوصل إلى توافق بشأن القوانين الانتخابية، خاصة إذا ما جرى توضيح آلية عمل اللجنة المصغرة المقترحة وتحديد مكوناتها بشكل دقيق، مع تأكيد ضرورة أن تنبثق من المجلسين نفسيهما بحكم الطابع التشريعي للمسألة.
كما دعا إلى النظر إلى التجارب التوافقية من زاوية مختلفة، مستشهداً بما يُعرف بالاتفاق التنموي الموحد، والذي – بحسب تقديره – تم التوصل إليه بين ممثلين عن المجلسين، رغم ما يحيط به من غموض على مستوى التفاصيل المنشورة.
وعند سؤاله عما إذا كانت ليبيا أمام لحظة ضغط دولي لفرض تسوية سياسية واقتصادية حتى دون توافق كامل بين الأطراف، أبدى الفنيش اعتقاده بأن البلاد لم تدخل بعد في مرحلة تنفيذية حاسمة، لكنه أشار إلى مؤشرات تدل على بدء ترتيبات عملية، خاصة بعد الحديث عن تمرين “فلينتلوك” المقرر خلال شهر أبريل المقبل، والذي أشار إليه مسعد بولس في إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي، إلى جانب إشادته بالاتفاق التنموي الموحد.
ورأى أن الولايات المتحدة ستضغط في اتجاه تنفيذ خطوات عملية خلال العام الجاري، غير أن هذه التحركات ستكون تدريجية وليست متسارعة. وأوضح أن الاهتمام الأمريكي بالملف الليبي يبدو واضحاً هذا العام، خاصة في ضوء التمرين المشترك المرتقب بين قوات الشرق والغرب في مدينة سرت، وهو ما قد يعكس توجهاً نحو دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية.
ومع ذلك، طرح الفنيش جملة من التساؤلات حول طبيعة هذا الاهتمام، متسائلاً عما إذا كان آنياً ومرتبطاً بظرف سياسي محدد، أم أنه اهتمام استراتيجي طويل الأمد. كما تساءل عما إذا كانت واشنطن ستواصل الضغط من أجل توحيد المؤسسة العسكرية وإقرار ميزانية موحدة، أم أن هذه الجهود قد تبقى في إطار تفاهمات هشة.
وأشار إلى أن بولس تحدث عن “تقدم” في بعض المسارات، لكنه أرفقه بنبرة تفاؤل حذر، ما يعكس – بحسب الفنيش – رسالة مزدوجة: الأولى تشير إلى وجود خطوات إيجابية، خصوصاً على المستوى العسكري والأمني، مثل التوافق على تدريبات مشتركة، والثانية تؤكد أن هذه التفاهمات لا تزال هشة وقابلة للاهتزاز.
واختتم بالتأكيد على أن الأسئلة الجوهرية تبقى مفتوحة، وفي مقدمتها ما إذا كان الضغط الأمريكي سيقود إلى استقرار دائم أم إلى استقرار مؤقت قد يرتبط بظروف سياسية محددة، مشيراً إلى أن مآلات هذا الحراك الدولي ستتضح تباعاً خلال المرحلة المقبلة.









