بوسعيدة: وقف نظام مبادلة النفط يعزز الشفافية ويجفف تمويل الجماعات المسلحة
أكد المحلل السياسي عمر بوسعيدة أن تحذير رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد من نظام مبادلة النفط بالمحروقات يُعد “تحذيراً مهماً جداً”، معتبراً أنه يمثل مواجهة مباشرة مع الحقيقة في مرحلة صعبة تمر بها البلاد.
وأوضح بوسعيدة في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24» أن كلمة رئيس الحكومة تناولت نقاطاً جوهرية، في مقدمتها نظام المبادلة الذي كان في مرحلة سابقة حلاً مرحلياً فرضته ظروف معينة لضمان استمرار تدفق مشتقات الوقود إلى ليبيا. مبيناً أن هذا النظام تحول مع مرور الوقت إلى مصدر دخل كبير لبعض الجهات التي تسيطر عليه، كما أسهم في تضخم أسس الفساد، مضيفاً أنه بات ملفاً مرهقاً داخلياً وخارجياً، وباباً واسعاً للفساد، على حد تعبيره.
وأشار في السياق ذاته إلى أن حكومة الدبيبة والجهات المرتبطة بها تسيطر على هذا الملف بصورة كبيرة، وتتاجر به في ظل ما وصفه بعدم انتظام الأرقام ووجود خلل في آلية المقايضة.
ولفت بوسعيدة إلى أن نظام المبادلة يقوم على تسليم النفط الخام مقابل الحصول على مشتقات الوقود، غير أن التطبيق العملي شهد – بحسب قوله – أرقاماً غير منضبطة وعمليات تهريب واسعة إلى الخارج، ما أدى في المقابل إلى نقص في المشتقات داخل البلاد، معتبراً أن الآلية التي كان يُفترض أن تسهم في حل الأزمة أسهمت في تفاقمها.
وأضاف أن الاجتماع الأخير بشأن الملف، وكلمة رئيس الحكومة الليبية يمثلان مؤشراً جديداً على وجود توجه لمعالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارتها كما كان يحدث في السابق.
وفيما يتعلق بإمكانية أن يشكل وقف نظام المبادلة نقطة فصلاً في مسار الإصلاح المالي، أكد المحلل السياسي أن البلاد تواجه تفشياً كبيراً للفساد، وأن التوجه الحالي يعكس محاولة لمعالجة جذور المشكلة، غير أن نجاحه يبقى مرهوناً بصدق النوايا وتنفيذ الاتفاق بشفافية كاملة، نظراً لخطورة هذا الملف وتأثيره المباشر على الميزانية الليبية.
وشدد على أن تنفيذ الإجراء يتطلب إرادة حقيقية من الجهات الرقابية والتنفيذية لإيجاد آلية تعاقد بديلة لا تقوم على البيروقراطية المعقدة، وفي الوقت ذاته تتضمن إجراءات رقابية صارمة. وأكد أن المرحلة لا تحتمل مزيداً من الفساد، وأن المطلوب هو آلية سلسة تتسم بالحزم في الرقابة ومقاربة الفساد بقدر الإمكان، في ظل ما وصفه بتغول هذا الملف وتدخله في أدق التفاصيل.
ورأى بوسعيدة، أن الانتقال من نظام المبادلة إلى آلية تعاقدية أكثر شفافية سيواجه تحديات عملية كبيرة، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي، واصفاً المرحلة بأنها دقيقة وحساسة في ظل تعقيدات التوريد والضغوط المرتبطة باستمرار الإمدادات. ولفت إلى وجود ما اعتبره ضغوطاً ومحاولات خارجية للسيطرة على إدارة الموارد المالية في ليبيا، بما في ذلك ملف الوقود ومشتقاته وبيع النفط، مبيناً أن هذه العوامل ستنعكس بشكل مباشر على أي مسار إصلاحي يتعلق بآليات التعاقد وإدارة القطاع.
أما على الصعيد الداخلي، فأكد أن هناك أجساماً تقف بقوة خلف المنظومة القائمة، ما يعني أن أي تغيير سيضع المؤسسة في مواجهة مباشرة مع هذه الجهات، لا سيما في المنطقة الغربية التي قال إنها تحولت إلى مصدر دخل كبير ومورد تمويل لميليشيات تستفيد من استمرار هذا الملف.
وقال بوسعيدة إن بعض المجموعات المسلحة، إلى جانب أجسام تنفيذية تتبع حكومة الدبيبة، تعتمد في استمرارها على ما يوفره هذا النظام، الذي وصفه بأنه يعج بمستويات كبيرة من الفساد، مشيراً إلى أن أولى التحديات تكمن في مواجهة أطراف تسترزق من هذه الآلية ولن تتخلى عنها بسهولة.
وفي السياق ذاته، أوضح أن وقف نظام المبادلة لن يؤدي بالضرورة إلى القضاء الكامل على تهريب المحروقات، مشيراً إلى أن السيطرة على منافذ التهريب ليست بالأمر السهل، وأن المشكلة أعمق وترتبط ببنية الدعم وآليات التتبع والرقابة الميدانية. ومع ذلك، شدد على أن إيقاف النظام سيحقق قدراً أكبر من الشفافية وتقنيناً أوضح لتوريد الكميات ومعرفة حجم الواردات الفعلية.
وأكد أن ليبيا ستتمكن، عبر آلية واضحة تقوم على استخدام النقد الأجنبي والشراء المباشر ضمن إطار تنافسي، من توريد احتياجاتها بعيداً عن الارتباط بشركة بعينها نتيجة استغلال ظروف سياسية أو اقتصادية، معتبراً أن ذلك سيشكل فارقاً مالياً لصالح الدولة وخزينتها.
وأضاف أن الحد من التهريب بصورة مباشرة وقوية سيظل رهين عوامل متعددة ولن يتحقق بشكل مثالي أو فوري، غير أن الإجراء سيؤثر بشكل كبير في تجفيف منابع الدعم والتمويل لعدد من المجموعات المسلحة وبعض الأجسام التنفيذية والسياسية في البلاد.
وفي ختام حديثه، اعتبر بوسعيدة أن القرار يندرج ضمن أولويات الإصلاحات الاقتصادية، مؤكداً ضرورة اتخاذ إجراءات قد تكون صعبة لكنها حتمية والاستمرار في تنفيذها. كما أشار إلى أهمية فرض ميزانية موحدة بدلاً من آلية الصرف وفق قاعدة “1 على 12″، التي قال إنها أسهمت في استمرار الاستنزاف وضعف الرقابة وتفاقم الفساد.
وخلص إلى أن اعتماد ميزانية موحدة سيُلزم بتحديد أرقام واضحة ومقننة للمصروفات، خاصة في قطاع المحروقات، بما يمثل بداية معالجة حقيقية لجذور الأزمة بدلاً من إدارتها وتركها تتضخم كما حدث خلال الفترة الماضية.









