الشريف: أزمة الدينار نتيجة مباشرة لتراكمات مالية ونقدية خطيرة
أكد وكيل وزارة المالية السابق، إدريس الشريف، أن الانخفاض الحاد في قيمة الدينار الليبي، والذي قارب 30% خلال أيام قليلة، لا يمكن ربطه بإجراء ضريبي بعينه، وفي مقدمته ضريبة الاستهلاك التي أُعلن عنها مؤخرًا، بل هو نتيجة مباشرة لتراكمات مالية ونقدية خطيرة تعود إلى سنوات سابقة.
وأوضح الشريف، في تصريحات تليفزيونية، أن أي سياسة ضريبية لا بد أن تستند إلى أهداف واضحة ومعلنة، سواء كانت لتمويل الميزانية العامة، أو حماية الإنتاج المحلي، أو تشجيع الادخار وترشيد الاستهلاك، أو الحد من الاستيراد وتقليص الضغط على العملة الأجنبية.
وأشار “الشريف ، إلى أن الجهات الرسمية، سواء المصرف المركزي أو وزارة الاقتصاد أو مجلس النواب، لم تقدم توضيحًا كافيًا للرأي العام بشأن الهدف الحقيقي من فرض ضريبة الاستهلاك، ما فتح الباب أمام حالة من الجدل والارتباك في الشارع الاقتصادي.
وأضاف أن من غير المنطقي الاعتقاد بأن قرارًا بهذا الحجم قد اتُّخذ بشكل عشوائي، مؤكدًا أن أي إجراء اقتصادي بهذا المستوى لا بد أن يكون قائمًا على تصور مالي أو اقتصادي محدد.
وبيّن الشريف، أن تراجع سعر صرف الدينار خلال السنوات الماضية جاء نتيجة مباشرة للسياسات الاقتصادية المتبعة، محذرًا من استمرار تآكل القوة الشرائية للمواطنين في ظل غياب إصلاحات حقيقية تعالج جذور الأزمة.
وأفاد أن التحذيرات صدرت منذ أول قرار بتخفيض سعر الصرف الرسمي، إذ جرى الاعتراض على هذا التوجه باعتباره لا يمثل حلاً جذريًا، مؤكدًا أن المعالجة الصحيحة تكمن في إصلاح المشكلات الهيكلية التي أدت إلى فقدان الثقة في العملة المحلية وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.
ولفت الشريف، إلى أن السلطات اتجهت منذ عام 2020 إلى تخفيض سعر الصرف الرسمي ثلاث مرات، من دون تحقيق الاستقرار المنشود أو الوصول إلى مستوى ثابت يمكن البناء عليه، معتبرا أن هذه السياسات أدت إلى تأجيل الأزمة بدلًا من حلها، وكانت تهدف إلى تحقيق استقرار مؤقت دون تنفيذ إصلاحات جوهرية تعالج الاختلالات الأساسية.
وأكد الشريف، أن الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات النفط كمصدر وحيد للعملة الأجنبية، ما يجعل جانب العرض هشًا ومعرضًا للتقلبات، لافتا إلى أن الإيرادات النفطية الشهرية التي كانت تقارب ثلاث مليارات دولار تراجعت إلى نحو مليار دولار في أحد الأشهر الأخيرة، ما يعكس وجود فجوة واضحة في جانب الإيرادات ويزيد من الضغوط على سوق الصرف.
وأوضح أن تقرير المصرف المركزي السنوي لعام 2025 أظهر أن إجمالي إيرادات النقد الأجنبي بلغ 22 مليار فقط، معظمها من عائدات النفط، في حين وصل حجم الإنفاق إلى 31 مليار، ما يعني وجود فجوة قدرها 9 مليارات جرى تغطيتها من الاحتياطي وعوائد الودائع، وهو ما يعكس خللًا واضحًا بين جانبي العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي.
ولفت الشريف، إلى أن الطلب على الدولار تفاقم نتيجة تمويل العجز من خلال الاقتراض من المصرف المركزي والتوسع في الإنفاق العام، لا سيما مع الإعلان عن أرقام إنفاق كبيرة في بداية العام تصل إلى نحو 300 مليار دينار، الأمر الذي يثير المخاوف بشأن توسع الكتلة النقدية وتأثيرها المباشر على سعر الصرف ومعدلات التضخم.
وانتقد الشريف، غياب الشفافية فيما يتعلق ببيانات الدين العام، موضحًا أن الرقم المعلن منتصف العام الماضي والبالغ 303 مليارات دينار شكّل مفاجأة مقارنة بـ 155 مليار دينار كانت مسجلة نهاية عام 2021 عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، مشيرا إلى أن معالجة جزء من هذا الدين تمت عبر أرباح إعادة تقييم الأصول الأجنبية الناتجة عن تخفيض سعر صرف الدينار، وهو ما انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطنين.
ودعا الشريف، إلى اتخاذ إجراءات حاسمة بدل الاكتفاء بما وصفه بـ”المسكنات”، من بينها ضبط الإنفاق الحكومي، ووضع ميزانية واقعية تتناسب مع حجم الإيرادات الفعلية، وتحديد سقف واضح للدين العام، إلى جانب تمكين المصرف المركزي من أداء دوره الكامل في الرقابة على السياسات النقدية وإدارة الدين.
وختم الشريف، تصريحاته مؤكدًا أن الشفافية والمصارحة هما الخطوة الأولى نحو إنقاذ حقيقي للاقتصاد الوطني، وأن المواطن لم يعد قادرًا على تحمل مزيد من الأعباء في ظل الارتفاع المستمر للأسعار.









