ليبيا

«السنوسي»: الانقسام يعطل الإصلاحات الاقتصادية.. والحل في برنامج تنموي موحد

قال الصحفي الاقتصادي، ورئيس تحرير منصة «مال وأعمال»، إبراهيم السنوسي، إن حالة الامتعاض والغضب الشعبي في الشارع الليبي تُعد أمراً مفهوماً في ظل الظروف الراهنة، رغم ما تمتلكه الدولة من مقومات مالية يفترض أن تضعها في وضع أفضل.

وأوضح «السنوسي»، في حديث لقناة «فرانس 24»، أن ليبيا تصدر النفط عند مستوى يقارب مليون و400 ألف برميل يومياً، ما يوفر إيرادات مهمة، مشيراً إلى وجود شح نسبي في العوائد بسبب بيع النفط بالإنابة.

وأضاف أنه ورغم ذلك، فإن الدولة تتمتع بمركز مالي جيد، واحتياطي نقدي معتبر، إلى جانب صندوق سيادي تُقدَّر أصوله بنحو 68 مليار دولار أمريكي، فضلاً عن استثمارات وأصول موزعة في الخارج.

وبيّن أن هذا الواقع المالي لا ينعكس على حياة المواطنين في الداخل، حيث يعاني الليبيون من ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع والخدمات وغلاء المعيشة، متسائلاً «عن أسباب وصول الأوضاع إلى هذا الحد، في وقت يُفترض فيه أن تكون ليبيا في وضع مالي مريح».

وأشار إلى أن جوهر المشكلة يكمن في أن الإيرادات لا توازي حجم المصروفات، موضحاً أن عائدات الدولة من العملة الصعبة لم تعد كافية لتغطية الاحتياجات العامة.

ولفت إلى أن فاتورة المرتبات في القطاع العام تتجاوز 70 مليار دينار سنوياً، فيما يتجاوز دعم المحروقات 20 مليار دولار سنوياً وفق الأرقام المنشورة في بيانات المصرف المركزي.

وبينّ أن هناك رقماً يتجاوز 70 مليار دينار ليبي يُنفق على تزويد محطات توليد الطاقة الكهربائية بالوقود والنفط الخام، ما يجعل بند الدعم يستنزف جزءاً كبيراً من إيرادات الدولة من العملة الصعبة، لافتاً إلى أن باب المرتبات يمثل عبئاً آخر يصعب التحكم فيه بشكل مباشر في ظل وجود حكومتين في الشرق والغرب.

وشدد على أن استمرار هذا النمط من الإنفاق دون إصلاحات هيكلية حقيقية سيُبقي الفجوة قائمة بين ما تملكه الدولة من موارد وما يلمسه المواطن في حياته اليومية، ما يفسر تصاعد حالة الغضب الشعبي رغم المؤشرات المالية الظاهرة.

وعن أوجه الصرف ولماذا بلغت مستويات غير مسبوقة، أوضح أن السبب الرئيسي يتمثل في غياب الرقابة في ظل وجود حكومتين متوازيتين تديران المشهد المالي.

ورأى أن الإشكالية تكمن في التناقض القائم، مشيراً إلى أن رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، يتحدث أحياناً عن وجود إنفاق موازٍ، وكأنه يشتكي بصفته ناشطاً مدنياً لا رئيس حكومة، في حين أن المواطنين هم من يُفترض أن يشتكوا إلى السلطة التنفيذية لا العكس، معتبراً أن الإنفاق في ليبيا أصبح “منفلتاً” ويتجاوز الإيرادات بفوارق كبيرة.

ونوه بأن الدين العام في ليبيا ارتفع إلى نحو 300 مليار دينار ليبي، في سابقة تُعد الأكبر منذ عام 2014؛ حيث تراكم الدين العام منذ ذلك التاريخ حتى بلغ هذا الحجم الضخم.

وعن تراجع قيمة الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، شدد على أنه من غير المنطق، تحميل مصرف ليبيا المركزي وحده مسؤولية ما يحدث من انهيار في سعر الصرف، موضحاً أن حصر الأزمة في سياسات المصرف النقدية واتهامه بالتخبط والعشوائية يُعد اختزالاً مُعيباً للمشهد، معتبراً أن المصرف المركزي يمثل “الحلقة الأضعف” ضمن سلسلة حلقات غير مترابطة تعاني من خلل بنيوي أوسع.

وأكد أن الاختصاص الأصيل في مسألة فرض الضرائب يعود إلى مجلس النواب، باعتباره الجهة المخولة بإصدار القوانين التي تحدد الضرائب بشكل دقيق، معتبرا أنه إذا أقدم المصرف المركزي على تنفيذ مقترحات تتعلق بفرض ضرائب دون سند قانوني واضح، فإنه يكون قد خالف القانون ويعرّض نفسه للمساءلة الكاملة، بما في ذلك إمكانية رفع دعاوى قضائية من قبل المتضررين، سواء كانوا تجاراً أو مستهلكين.

وأضاف أن الإقدام على خطوة كهذه من شأنه أن يضع المصرف في موقف حرج، خاصة في ظل التحديات السابقة التي واجهها.

وأشار إلى أن رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، بدر النحيب، سبق أن طالب بفرض ضرائب متفاوتة على السلع، بحيث تختلف بين السلع الأساسية والسلع الكمالية، داعيا إلى تطبيق هذا التوجه في أكثر من مناسبة.

ورأى «السنوسي»، أنه في حال تنفيذ مثل هذه الضرائب دون إطار قانوني واضح، فإن المصرف سيدخل “المنطقة الحمراء” قانونياً، ما يفتح الباب أمام الطعون والدعاوى القضائية.

وعن الضغوط التي يتعرض لها المصرف المركزي، بين السنوسي، أنه لا يعتقد أن محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، يتحرك بتوجيه من أطراف دولية أو ينفذ أجندات خارجية، كما يُشاع أحياناً، مشيراً إلى أن المركزي بات في موقف بالغ الحرج، يصعب معه اتخاذ قرارات مستقلة من تلقاء نفسه دون توجيه أو غطاء من القوى السياسية المحلية.

وفيما يتعلق بملف الضرائب، أشار إلى أن المسألة أُثيرت بالفعل داخل مجلس النواب، معتبراً أن ما يحدث حالياً هو تبادل لإلقاء المسؤولية بين الأطراف المختلفة، حيث “يرمي كل طرف الكرة في ملعب الآخر”، في إطار ما وصفه بلعبة سياسية خطيرة امتدت آثارها إلى السياسة النقدية.

وشدد على أن المصرف المركزي كان من المفترض أن يظل السلطة النقدية المستقلة للدولة الليبية، بعيداً عن التجاذبات والانقسامات السياسية، غير أن الواقع – بحسب تعبيره – جعله طرفاً في صراع لا ينبغي أن يكون جزءاً منه، ما زاد من تعقيد المشهد المالي والنقدي في البلاد.

وفي تناوله لمسألة سحب العملة من التداول، أوضح الصحفي الاقتصادي، أن ما جرى لا يعني إلغاء العملة كما يُتداول، بل هو إجراء يتعلق بسحبها من التداول مع بقائها ضمن ما يُعرف بعرض النقود.

وأكد أن الكتلة النقدية لم تتأثر من حيث الحجم الإجمالي، سواء كانت في شكل سيولة نقدية (كاش) أو أرصدة رقمية في حسابات المواطنين والجهات العامة.

ولفت إلى أن عرض النقود في ليبيا يبلغ حالياً نحو 185 مليار دينار ليبي، مشيراً إلى أن هذا الرقم شهد زيادة نتيجة ما وصفه بخلق نقود من عدم من قبل مسؤولين في فرع المصرف المركزي بالمنطقة الشرقية، بهدف تغطية أوجه صرف متعددة.

وأشار إلى الاتفاق الذي تم توقيعه خلال الفترة الماضية بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن ما سُمّي بالإنفاق الموحد على برنامج تنموي موحد يشمل كامل البلاد، معتبراً أن هذا المسار كان من شأنه ضبط وتيرة الإنفاق الحكومي المتصاعد في الشرق والغرب على حد سواء، غير أنه أبدى أسفه لعدم التزام الأطراف المختلفة بهذا البرنامج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى