اخبار مميزةليبيا

الشلوي: التوترات بالشرق الأوسط قد تعزز موقع النفط الليبي في الأسواق العالمية

قال الخبير النفطي منصف الشلوي، إن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والخليج جراء الحرب الدائرة حالياً، قد تبدو بعيدة جغرافياً عن ليبيا، إلا أن تداعياتها تنعكس بصورة مباشرة على موقع النفط الليبي في معادلة الطاقة العالمية وأسواق النفط الدولية.

وأوضح الشلوي، في مداخلة على تلفزيون «المسار»، رصدتها «الساعة 24»، أن أسواق الطاقة تحكمها قاعدة معروفة لدى المتخصصين مفادها أن الأزمات الجيوسياسية لا تؤدي فقط إلى تقلبات في الأسعار، بل قد تعيد رسم خريطة مصادر الطاقة في العالم.

ومن هذا المنطلق يبرز تساؤل مهم حول ما إذا كانت التوترات أو الحرب المحتملة مع إيران يمكن أن تفتح نافذة جديدة أمام ليبيا لتعزيز حضورها في سوق النفط الدولية.

وأشار إلى أن إيران لا تُعد مجرد دولة منتجة للنفط، بل تقع بالقرب من أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. وعندما ترتفع احتمالات التوتر في هذه المنطقة، تبدأ الأسواق بما يعرف بعملية “تسعير المخاطر الجيوسياسية”، حيث تتحرك الأسعار وتتغير حسابات الأسواق حتى قبل حدوث أي تراجع فعلي في الإنتاج.

وأضاف أن هذه الظروف تدفع الدول المستهلكة الكبرى للطاقة، خاصة في أوروبا، إلى البحث عن مصادر إمداد أقرب جغرافياً وأكثر استقراراً، الأمر الذي يبرز أهمية النفط الليبي في هذه المعادلة.

وبيّن الشلوي أن ليبيا تمتلك ميزتين استراتيجيتين في سوق الطاقة الدولية؛ الأولى تتعلق بجودة النفط الخام الليبي، الذي يُعد من الخامات الخفيفة عالية الجودة والمطلوبة بشكل كبير في المصافي الأوروبية. أما الميزة الثانية فتتمثل في الموقع الجغرافي المميز لليبيا في قلب البحر المتوسط، ما يجعل الإمدادات الليبية من أقرب مصادر النفط إلى الأسواق الأوروبية مقارنة بالعديد من المنتجين في الشرق الأوسط.

وشدد الخبير النفطي على أن المستثمرين في قطاع الطاقة لا ينظرون فقط إلى حجم الاحتياطيات، بل أيضاً إلى قدرة الدولة على إدارة مواردها واستغلالها بشكل مستقر وفعال. وأكد أن ارتفاع أسعار النفط أو حدوث توترات في الخليج لا يكفيان وحدهما لتحقيق مكاسب كبيرة لليبيا، في ظل استمرار الانقسام السياسي والصراع الداخلي الذي يحد من قدرة البلاد على استثمار هذه الفرص.

ولفت إلى أن المسألة الأساسية ليست ما إذا كانت التوترات في الخليج سترفع أسعار النفط، بل ما إذا كانت ليبيا قادرة على تحويل موقعها الجغرافي ومواردها النفطية إلى عنصر قوة في معادلة الطاقة العالمية. وقال في هذا السياق إن الدول التي تدير مواردها النفطية بكفاءة تستطيع تحويلها إلى مصدر قوة، في حين أن الدول التي تتصارع عليها قد تخسر الاثنين معاً؛ النفط والقوة.

وتطرق الشلوي إلى طبيعة الاقتصاد الليبي، موضحاً أنه يحمل بعض سمات ما يعرف بـ “المرض الهولندي”، وهي الحالة التي تؤدي فيها العوائد النفطية المرتفعة إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى مثل الصناعة والزراعة وبعض الأنشطة الخدمية. وشدد على أن التحدي الحقيقي أمام ليبيا لا يكمن في إنتاج النفط بقدر ما يتمثل في كيفية إدارة عوائده وتوظيفها لبناء اقتصاد متنوع ومستدام.

وأكد أن النفط يمثل نعمة اقتصادية كبيرة لليبيا، غير أن الإدارة الرشيدة وحدها القادرة على تحويل هذه النعمة إلى تنمية حقيقية. وأضاف أن المشكلة الأساسية في الاقتصاد الليبي لا تكمن في امتلاك النفط أو في حجم إنتاجه، بل في طريقة إدارة الإيرادات المتأتية منه، لافتاً إلى أن الاستقرار في الإنتاج قد يكون في بعض الأحيان أكثر أهمية من ارتفاع الأسعار في السوق العالمية.

ورأى الشلوي، أن الاقتصاد الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط يظل اقتصاداً هشاً، خصوصاً في ظل التقلبات المستمرة في الأسواق العالمية، مبيناً أن هذه التقلبات لا تصب بالضرورة في صالح ليبيا في الوقت الراهن، كما أنها لا تساعد المجتمع الدولي على دعم المسار الاقتصادي أو إنجاح الحوار الاقتصادي المنظم.

وأكد الشلوي أن إعادة ترتيب الوضع الاقتصادي في ليبيا أصبحت ضرورة ملحة للخروج من المأزق الحالي، وذلك من خلال توظيف عوائد النفط بما يحقق الاستفادة الحقيقية لجميع الليبيين، الذين يقدر عددهم بنحو ستة إلى سبعة ملايين نسمة، خاصة وأن كثيراً منهم لم يستفيدوا بشكل كامل من هذه الموارد خلال العقود الماضية.

وبينّ أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا ليست أزمة مالية فحسب، بل هي نتيجة مجموعة من العوامل المتشابكة، في مقدمتها الانقسام المؤسسي، والاختلالات المالية، والاعتماد المفرط على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

وأضاف أن الجهود الحالية ينبغي أن تركز على عدة مسارات أساسية، من بينها توحيد المؤسسات المالية، وعلى رأسها المصرف المركزي، مشيراً إلى أن استمرار الانقسام المؤسسي يؤدي إلى وجود سياسات مالية ونقدية غير منسقة. كما شدد على ضرورة إصلاح منظومة الإنفاق العام التي أصبحت أكبر من إمكانات الموازنة، إلى جانب تعزيز الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية باعتبارها خطوة أساسية لبناء الثقة بين المؤسسات والمواطنين.

وحذر الشلوي من أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وارتفاع مستويات الإنفاق العام، واستمرار الخلافات بين الأطراف السياسية، قد يحول دون قدرة ليبيا على الاستفادة من أي ارتفاع محتمل في أسعار النفط العالمية أو من الظروف الدولية التي قد تكون مواتية لزيادة العائدات النفطية.

واختتم الشلوي حديثه بالتأكيد على أن ليبيا تمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، لكنها تحتاج إلى إصلاحات حقيقية وشاملة حتى تتحول هذه الإمكانات إلى نمو اقتصادي مستدام يعود بالنفع على جميع الليبيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى