اخبار مميزةليبيا

الفيتوري: مكاسب ليبيا من ارتفاع أسعار النفط عالمياً مرهونة بالتعامل الرشيد

قال عطية الفيتوري، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، إن جميع الدول المصدّرة للنفط، بما في ذلك ليبيا والجزائر والكونغو وفنزويلا والدول العربية قد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط الناتج عن التوترات القائمة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، موضحًا أن هذه الدول، سواء كانت أعضاء في منظمة الأوبك أو ضمن تحالف “أوبك بلس” من الدول المصدّرة خارج المنظمة، يمكنها تحقيق مكاسب مباشرة من هذا الارتفاع.

وأشار الفيتوري في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة24، إلى أن ليبيا تُعد من بين الدول المستفيدة فعليًا من هذه الزيادة، لافتًا إلى أن أسعار النفط ارتفعت بنحو 60 إلى 70% مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة، حيث كانت أسعار خام برنت تدور في حدود 63 إلى 64 دولارًا للبرميل، قبل أن تتجاوز حاجز 100 دولار وتصل إلى نحو 110 دولارات، رغم وجود تقلبات من وقت لآخر، لكنها تظل في المجمل فوق مستوى 100 دولار.

وأوضح أن هذا الارتفاع في الأسعار سيؤدي بالضرورة إلى زيادة إيرادات ليبيا من بيع النفط بالعملة الأجنبية، مبينًا أنه في حال توفر قدر من “الرشد” لدى الحكومة ومصرف ليبيا المركزي، يمكن الاستفادة من هذه الطفرة من أكثر من زاوية.

وردًا على سؤال حول مفهوم “الرشد”، أوضح الفيتوري أن المقصود به هو استغلال الإيرادات بأفضل شكل ممكن، دون اللجوء إلى البذخ أو التبذير، ودون الاستجابة المباشرة لزيادة الدخل عبر رفع الإنفاق، مؤكدًا أن المفترض هو الحفاظ على نفس مستوى الإنفاق السابق.

وأضاف أن زيادة الإيرادات، سواء بالدينار بالنسبة للحكومة أو بالدولار بالنسبة للمصرف المركزي، يجب ألا تقابلها زيادة في الإنفاق، بل ينبغي الحفاظ على نفس الوتيرة، وهو ما يسمح بتحقيق استفادة حقيقية من الفائض.

وبيّن أن المصرف المركزي، في حال زيادة الإيرادات بالدولار، يمكنه الحفاظ على مستوى الإنفاق ذاته، ما يؤدي إلى تكوين فائض في الاحتياطيات، يمكن توظيفه بشكل أفضل لتحقيق عوائد إضافية، في حين يتعين على الحكومة استغلال الزيادة في الإيرادات لسداد جزء من الدين العام بالدرجة الأولى.

واعتبر الفيتوري أن الأمر يرتبط بعوامل متعددة، من بينها وجود حكومتين في البلاد، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات، إذ قد تكون إحدى الحكومتين أكثر التزامًا من الأخرى، في ظل غياب سلطة تنفيذية موحدة.

وأوضح أن من بين الإشكاليات الرئيسية أيضًا غياب ميزانية موحدة، ما يجعل عملية الإنفاق تتم بشكل عشوائي ودون ضوابط واضحة، مؤكدًا أن هذا الوضع يعيق تحقيق الإدارة الرشيدة للموارد. معرباً عن أمله في أن تلتزم الحكومتان والمصرف المركزي بنهج رشيد، يقوم على عدم زيادة الإنفاق، سواء بالدينار أو بالدولار، والحفاظ على نفس الوتيرة، بما يتيح الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط في تعزيز الاحتياطيات وزيادة إيرادات الدولة دون هدرها.

وفي سياق آخر، تطرق الفيتوري إلى طبيعة هذه الطفرة في أسعار النفط، وما إذا كانت مؤقتة أم طويلة الأمد، موضحًا أن ذلك يعتمد بشكل أساسي على مدة استمرار الأزمة، حيث إن استمرارها لعدة أشهر يعني استمرار ارتفاع الإيرادات خلال نفس الفترة. وأشار إلى أنه في حال التوصل إلى حل للأزمة وفتح المضائق البحرية، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض أسعار النفط نتيجة قدرة الدول الخليجية على تصدير النفط بشكل أكبر، ما يزيد المعروض في الأسواق.

ومع ذلك، رجّح الفيتوري ألا تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة على الأقل خلال عام كامل، موضحًا أن الأسواق قد تظل عند مستويات أعلى نسبيًا قبل أن تعود إلى التوازن وفق آليات العرض والطلب.

ولفت بالقول: إن أمام ليبيا فرصة تمتد لعدة أشهر، وليست مجرد أسابيع، لاستغلال هذه الظروف، مؤكدًا ضرورة دراسة هذه الفرصة بشكل جيد، والاستفادة منها بأقصى قدر ممكن، مع بقاء ذلك مرهونًا بمدة استمرار الأزمة وتطوراتها.

وأكد الفيتوري أنه من الضروري عدم الاستجابة المباشرة للارتفاع المؤقت في أسعار النفط، بل يتعين على الحكومتين الحفاظ على نفس مستوى الإنفاق الحالي دون زيادته، موضحًا أنه رغم أن التوصيات السابقة كانت تدعو إلى خفض الإنفاق نظرًا لوجود دين عام وارتفاع معدلات التضخم ومشكلات اقتصادية متعددة، إلا أن المطلوب في هذه المرحلة، التي تشهد ارتفاعًا في أسعار النفط، هو تثبيت الإنفاق عند مستوياته الحالية وعدم زيادته استجابة لارتفاع الإيرادات.

وأوضح أن هذا النهج هو ما تتبعه الدول التي تتسم بالإدارة الرشيدة، خاصة أن الارتفاع في الإيرادات قد يكون مؤقتًا وليس دائمًا، محذرًا من أن زيادة الإنفاق في مثل هذه الظروف تجعل من الصعب تخفيضه لاحقًا، حتى مع تراجع الأسعار، لافتًا إلى أن كلًا من الأسعار والإنفاق يسهل رفعهما، لكن يصعب خفضهما بسبب ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على المجتمع.

وفي رده على تساؤل بشأن تأثير زيادة الإيرادات بالدولار على سعر الصرف في السوق الموازية، بين أن سعر الصرف في السوق السوداء لا يعتمد بشكل مباشر على أسعار النفط، رغم تأثره بها بشكل غير مباشر، مؤكدًا أن العامل الأساسي هو حجم عرض العملة الأجنبية داخل هذا السوق. وأشار إلى أن هذا العرض يأتي في جزء كبير منه من خلال الموردين وعمليات فتح الاعتمادات المستندية.

وبيّن أن بعض المستوردين يستغلون هذه الآلية، حيث قد يحصل التاجر على اعتمادات بمبالغ كبيرة، مثل 30 مليون دولار، لكنه لا يستورد كامل قيمة البضائع، مستفيدًا من ضعف المتابعة والرقابة، ما يتيح له توجيه جزء من هذه الأموال إلى السوق السوداء. وأضاف أن بعض الموردين يلجؤون أيضًا إلى تضخيم أسعار السلع عبر شركات خارجية تابعة لهم، ما يسمح بالحصول على مبالغ أكبر من الاعتمادات، ثم الاستفادة من الفارق عبر بيعه في السوق الموازية.

كما رأى إلى أن من بين مصادر تغذية السوق السوداء أيضًا ما يُعرف بالخدمات الشخصية، مثل المخصصات الدولارية التي يمنحها المصرف للأفراد، موضحًا أن كثيرًا من المواطنين يحصلون على هذه المبالغ دون حاجة فعلية لها، ثم يعيدون بيعها في السوق السوداء للاستفادة من فارق السعر بين الرسمي والموازي.

وأشار إلى أن غياب الرقابة الفعالة على الإنفاق والإيرادات يزيد من تعقيد المشهد، مؤكدًا أن جوهر الأزمة اقتصاديًا يعود في الأساس إلى المشكلة السياسية، التي يجب حلها إذا ما أُريد بناء أسس اقتصادية سليمة تحقق التنمية وتخدم المجتمع.

وأضاف أن تحقيق “الرشد” يتطلب توفر إرادة وطنية حقيقية، تقوم على تغليب مصلحة البلاد، والعمل على توحيد الحكومة في إطار سلطة تنفيذية واحدة، لا تنفق إلا وفق ميزانية معتمدة من السلطة التشريعية. ولفت إلى أن هذا الإطار غير متوفر حاليًا، في ظل وجود سلطة تشريعية في جانب، وحكومات في جانب آخر، ما يجعل الإنفاق لا يخضع لميزانية موحدة، بل ولا حتى لميزانيتين معتمدتين، مشيرًا إلى أن مجلس النواب لم يعتمد ميزانية للحكومة الليبية ولا للحكومة الأخرى في طرابلس، وهو ما يعمّق حالة الفوضى في إدارة المال العام.

وفيما يتعلق بمستوى الفساد، أكد د. عطية الفيتوري أن الفساد موجود على مختلف المستويات في ليبيا، مشيرًا إلى أن البلاد تُصنّف ضمن أكثر عشر دول فسادًا في العالم، ما يعكس حجم الإشكالية القائمة. وأوضح أن الفساد لا يقتصر على مستوى معين، بل يمتد من أعلى المستويات إلى أدناها، لافتًا إلى وجود مبالغة في الاعتمادات، والأجور، والعقود، بل وفي مختلف أوجه الإنفاق.

وشدد الفيتوري على ضرورة ضبط هذه الاختلالات، مؤكدًا أن ذلك يتطلب وجود سلطة تشريعية سليمة وسلطة تنفيذية فعّالة، بحيث تقوم الأولى بدور رقابي حقيقي على الثانية، وتتمكن من محاسبتها في حال وجود أي خلل، إلا أنه أشار إلى أن هذا الإطار غير متوفر حاليًا، موضحًا أن السلطة التشريعية، للأسف، لا تمتلك القدرة الكافية على إحداث التغيير أو فرض الرقابة الفعلية على السلطة التنفيذية، خاصة في ظل وجود حكومتين وليس حكومة واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى