التهامي: ضعف أداء البعثة الأممية يقلل من فرص نجاح أي حوار ليبي داخلي
اعتبر المحلل السياسي أحمد التهامي، أن الحراك السياسي في ليبيا، رغم تعدده، لا يزال يواجه تحديات جوهرية تعيق تحقيق اختراق حقيقي في مسار الأزمة، خاصة في ظل ما وصفه بتباطؤ أداء البعثة الأممية، وعدم قدرتها على إحداث تقدم ملموس.
وتطرق التهامي في حديث لقناة “ليبيا الأحرار” رصدته “الساعة 24″، إلى المبادرة التي طرحها رئيس الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، والتي تهدف إلى إحياء الحوار الثلاثي الذي سبق أن انعقد في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة، رغم وصفها بـ “النبيلة”، إلا أنها قد تصطدم بواقع الجمود السياسي القائم.
وأوضح أن التجربة السياسية السابقة تُظهر أن الأطراف الليبية غالباً ما لا تستجيب لمثل هذه المبادرات بشكل إيجابي، لافتاً إلى أن القبول الذي أبداه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي لا يكفي لضمان تنفيذها، في ظل غياب توافق أوسع بين باقي الفاعلين.
وأضاف التهامي أن حالة “الراحة” التي تعيشها الأطراف الليبية، سواء في الشرق أو الغرب، تسهم في استمرار الجمود، إذ ترى كل جهة أنها قادرة على إدارة شؤونها والحفاظ على مكاسبها دون الحاجة إلى تقديم تنازلات، وهو ما ينعكس أيضاً على الموقف الدولي الذي يعتبر – بحسب وصفه – أن نفوذه في ليبيا مستقر ولا يستدعي تحريك الملف بشكل عاجل. كما لفت إلى أن محاولات البعثة الأممية تظل محدودة التأثير، مرجعاً ذلك إلى عدم انخراطها بشكل كافٍ مع الأطراف الدولية المؤثرة، الأمر الذي يقلل من فرص نجاح أي مبادرة سياسية ترعاها.
وبالانتقال إلى دوافع المبادرة، أوضح التهامي أنها ترتبط في جزء منها بالأزمة المالية والضغوط الاقتصادية التي تواجهها الحكومتان، ما دفعه إلى طرح فكرة العودة إلى الحوار كمدخل لتخفيف حدة الأزمة وفتح قنوات تواصل بين الفرقاء.
وفي المقابل، استبعد التهامي أن يقدم رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة على قبول هذه المبادرة، معتبراً أنها تحمل في طياتها أبعاداً سياسية معقدة، خاصة أنها تتضمن دعوة ضمنية لتنحيه عن منصبه.
وبيّن أن عدم توازن الشرعية بين الطرفين يمثل أحد أبرز أسباب تعثر المبادرة، موضحاً أن الدبيبة يستند إلى اتفاق دولي، في حين أن حماد يستمد شرعيته من البرلمان، الذي يمكنه – نظرياً – تغيير الحكومة بسهولة، وهو ما يجعل ميزان القوة غير متكافئ، مشيراً إلى أن هذا الاختلال في موازين الشرعية، إلى جانب تشكك الأطراف في نوايا بعضها البعض، يجعل فرص نجاح أي حوار ثلاثي جديد محدودة، في ظل استمرار الجدل حول مشروعية الحكومات القائمة.
وحول الحراك الجاري داخل مجلس النواب، على خلفية بيان صادر عن عدد من أعضائه من مدينة بنغازي، يتضمن خارطة طريق تبدأ بإعادة تشكيل هيئة رئاسة المجلس، وصولاً إلى انتخاب رئاسة جديدة خلال جلسة محددة في 30 مارس الجاري، استبعد التهامي أن يكون هذا التحرك محاولة حقيقية للإطاحة برئيس المجلس المستشار عقيلة صالح، مرجحاً أن يكون ذلك في إطار الضغط السياسي المعتاد، خاصة في ظل سوابق مماثلة لم تكتمل، من بينها تحركات ما عُرف بـ “كتلة الثمانين نائباً”.
ورأى أن محاولات استبعاد عقيلة صالح تكررت خلال السنوات الماضية، لكنها لم تحقق نتائج ملموسة، منوهاً إلى أن ضيق الوقت قبل موعد الجلسة المعلن، إضافة إلى صعوبة جمع النصاب في مدينة بنغازي، يقللان من فرص نجاح هذا المسعى في المدى القريب.
واعتبر التهامي أن هذه التحركات تندرج ضمن الشأن الداخلي للمجلس، وغالباً ما تكون ظرفية ومحدودة التأثير، لافتاً إلى أن رئيس المجلس يمتلك خبرة سياسية وقدرة على المناورة، تمكنه من احتواء مثل هذه الضغوط.
وفيما يتعلق بخلفيات هذه التحركات، أشار إلى أن تركيبة مجلس النواب معقدة بطبيعتها، إذ تضم أطرافاً متباينة كانت في حالة صراع في فترات سابقة، وهو ما يجعل أي تكتلات داخله هشة وغير قابلة للاستمرار، الأمر الذي يفسر عدم اكتمال محاولات التغيير.
وبشأن الربط بين محاولات إزاحة عقيلة صالح وإقرار ميزانيات، خاصة تلك المتعلقة بصندوق التنمية وإعادة الإعمار الذي يشرف عليه المهندس بلقاسم حفتر، نفى التهامي وجود علاقة مباشرة، مؤكداً أن أغلب النواب كانوا يدعمون هذه الميزانيات، بل ويسعون للحصول على مخصصات لبلدياتهم.
ولفت إلى أن هذا التوافق الواسع حول ملف الإعمار لا يشكل نقطة خلاف بين النواب، بل على العكس يمثل عامل تقارب، موضحاً أن الإشكالية الحقيقية تكمن في موقف مصرف ليبيا المركزي من تسييل هذه الأموال. كما أوضح أن المحافظ السابق للمصرف الصديق الكبير كان لديه تصور لإدارة هذه الأموال، إلا أن تغييره لاحقاً خلق تعقيدات إضافية في هذا الملف.
وتابع: الاهتمام بملف الإعمار لم يقتصر على نواب الشرق، بل شمل أيضاً مسؤولين محليين من غرب البلاد، حيث تواصل عدد من عمداء البلديات مع المهندس بلقاسم حفتر لبحث احتياجات مناطقهم، ما يعكس اتساع دائرة الاهتمام بهذا الملف.
وفي سياق العلاقة بين رئاسة البرلمان والقيادة العامة، رأى التهامي أن بقاء عقيلة صالح في منصبه قد يكون خياراً مناسباً، معتبراً أنه يتمتع بقدرة على إدارة المجلس وتمرير القوانين المطلوبة، بما في ذلك تلك التي قد تخدم توجهات القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية، مؤكداً أن المستشار عقيلة صالح، من وجهة نظره، يعد شخصية سياسية “ناجحة وحكيمة”، وقادراً على الحفاظ على تماسك المجلس والتعامل مع توازناته المعقدة، وهو ما يعزز فرص استمراره في موقعه خلال المرحلة المقبلة.
وبالحديث عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أشار التهامي إلى أن هناك غموض في أهدافها وه أمر لا يقتصر على المراقبين فقط، بل يمتد حتى إلى دوائر صنع القرار داخل الولايات المتحدة.
وبين التهامي أن الكونغرس الأمريكي نفسه يشهد بشكل يومي نقاشات وخلافات حادة بين أعضائه، دون التوصل إلى إجابة واضحة حول الهدف الرئيسي للحرب، لافتاً إلى أن التصريحات المتبادلة بين المسؤولين الأمريكيين تعكس تضارباً في الرؤى، دون الإشارة إلى أهداف محددة مثل مواجهة الصين أو روسيا.
وفي سياق متصل، اعتبر التهامي أن الهدف الأساسي للإدارة الأمريكية يتمثل في تحقيق مكاسب مالية عاجلة، قد تصل إلى نحو 200 مليار دولار في المرحلة الأولى، مع احتمال مضاعفة هذا الرقم لاحقاً، موضحاً أن هذه المقاربة تعكس نمط إدارة الأزمات في النظام الأمريكي.
كما استشهد بتجربة حرب العراق، حيث أكد أنها لم تحقق مصالح استراتيجية مباشرة لواشنطن، بل أسهمت في تعزيز نفوذ إيران داخل العراق، في حين تحولت الخزينة الأمريكية – بحسب تعبيره – من فائض يقدر بنحو 3000 مليار دولار إلى عجز بلغ 4000 مليار خلال فترة وجيزة.
وعلى صعيد الشأن الليبي، شدد التهامي على أن مختلف الأطراف السياسية، سواء في شرق البلاد أو غربها، تبقى بعيدة عن هذا الصراع، موضحاً أن مواقفها تندرج في إطار الدبلوماسية العامة، ولا ترتبط بشكل مباشر بجوهر الأزمة الإقليمية.
وأضاف أن إمكانية استفادة ليبيا من تداعيات التصعيد تظل محدودة، باستثناء احتمال ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهو عامل تحكمه آليات السوق الدولية وليس القرار المحلي، مشيراً إلى أن أي اتفاقيات قد تُبرم في هذا السياق تحتاج إلى أشهر حتى تدخل حيز التنفيذ، وهو ما قد يتجاوز عمر الأزمة نفسها.
ورأى المحلل السياسي أن الانشغال الدولي بالصراعات الجارية، خاصة في الشرق الأوسط، لا يُتوقع أن ينعكس بشكل مباشر على طبيعة السلطة القائمة في ليبيا، مرجحًا أن تميل الأطراف الحاكمة إلى الحفاظ على الوضع القائم بدلًا من إعادة تشكيل نفسها، في ظل تراجع أولوية الملف الليبي لدى عدد من القوى الدولية.
وأردف: أن الصراع الدولي الدائر يُفهم في جوهره باعتباره صراعًا ممتدًا بين الولايات المتحدة والصين بالدرجة الأولى، لافتًا إلى أن الموقف الأمريكي من روسيا يختلف، خاصة في ظل توجهات الرئيس دونالد ترامب، التي لا تتسم بعداء مباشر لموسكو، بقدر ما تركز على التنافس مع بكين باعتبارها قوة صاعدة.
وأشار إلى أن هذا الصراع بين القوى الكبرى ليس مرتبطًا بنتائج معركة آنية، بل يمتد على المدى الطويل، موضحًا أن الصين تمكنت مؤخرًا من تعويض احتياجاتها النفطية عبر روسيا، وهو ما وفر لموسكو عائدات مالية كبيرة، خاصة مع تطوير خطوط نقل عبر المناطق الجليدية، ما يقلص المسافات والتكاليف مقارنة بمصادر أخرى مثل إيران.
وأكد التهامي أن هذا المشهد الدولي لا ينعكس على ليبيا، معتبرًا أن البلاد خارج دائرة التأثير المباشر لهذه الصراعات، نظرًا لأن كلًا من روسيا والولايات المتحدة تحتفظان بعلاقات مع مختلف الأطراف الليبية في الشرق والغرب، وهو ما يضمن تأمين مصالحهما دون الحاجة إلى تحريك الملف الليبي.
وأضاف أن غياب الدافع لدى هذه القوى الكبرى للتدخل مجددًا في ليبيا يعود إلى كون مصالحها مؤمّنة، ما يجعل أي تحرك محتمل مرتبطًا بالأساس بالعوامل الداخلية الليبية، وليس بالتطورات الدولية.
وفيما يتعلق بالحادثة المرتبطة باستهداف ناقلة غاز روسية، أوضح التهامي أنه لا يمكن الجزم بمصدر الهجوم في ظل غياب رواية رسمية مؤكدة، مشيرًا إلى أن بعض التقديرات تحدثت عن احتمال استخدام طائرة مسيّرة، دون وجود دليل قاطع، كما أن موقع الاستهداف في البحر المتوسط قد يفتح احتمالات متعددة، سواء من مناطق قريبة من ليبيا أو من جهات أخرى مثل قبرص أو تركيا.
ولفت إلى أن الصراع بين روسيا وتركيا يشهد حالة من المد والجزر، وقد يتخذ أشكالًا غير مباشرة في بعض المناطق، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال ساحة المواجهة إلى الداخل الليبي.
وفي الشأن الداخلي، أشار التهامي إلى أن احتمال سعي بعض الأطراف الليبية لتوسيع نفوذها في ظل انشغال القوى الدولية يظل قائمًا، لكنه مشروط بتوفر دعم خارجي كامل، سواء من حيث التسليح أو الإمداد، مؤكدًا أن أي طرف لن يُقدم على خوض حرب دون ضمان وقوف حلفائه إلى جانبه حتى النهاية.
وشدد على أن قرار الدخول في أي مواجهة عسكرية يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بتوازنات القوة، محذرًا من أن أي صراع محتمل قد يتجه نحو مناطق الجنوب أو الساحل، خاصة الساحل الأوسط، الذي يُعد – وفق التقديرات العسكرية – منطقة يصعب السيطرة عليها لفترات طويلة، ما قد يفتح الباب أمام صراع ممتد في حال اندلاعه.









