الشريف: توحيد الإنفاق يهدف لترتيب المالية العامة ومعالجة الاختلالات الاقتصادية

أكد وكيل وزارة المالية السابق إدريس الشريف، أن الاتفاق على ميزانية موحدة وإطار للإنفاق العام، بعد سنوات من الانقسام المالي والانفلات وغياب المعلومات الدقيقة، يمثل خطوة مهمة على طريق إصلاح أوضاع المالية العامة في ليبيا، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذه الخطوة يُفترض أن تتبعها حزمة إجراءات إصلاحية أعمق وأكثر شمولاً خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح الشريف، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن النقاشات الجارية بشأن الاتفاق على إطار موحد للإنفاق تأتي ضمن سياق أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب المالية العامة، لافتاً إلى أن هذا المسار يُعد “الأساس الحقيقي” لمعالجة الاختلالات الاقتصادية المتراكمة. وأضاف أن المالية العامة تقوم أساساً على ركيزتين رئيسيتين هما الإيرادات والنفقات، غير أن التركيز الحالي، وفق تقديره، ينصب على جانب توزيع الإيرادات وتقاسم الحصيلة، في حين يغيب بشكل ملحوظ النقاش حول جانب الإيرادات ذاته، رغم ما يشهده من فاقد كبير خلال الفترة الأخيرة، استناداً إلى تقارير مصرف ليبيا المركزي التي أشارت إلى تراجع واضح في الإيرادات منذ منتصف العام الماضي وحتى فبراير.
وفي هذا السياق، أشار الشريف إلى أن الإيرادات النفطية، التي تمثل نحو 95% من إجمالي الموارد العامة، شهدت انخفاضاً ملحوظاً، إلى جانب تراجع الإيرادات السيادية الأخرى، بما في ذلك إيرادات المحروقات والاتصالات والإيرادات العامة. واعتبر أن هذه المؤشرات تعكس خللاً هيكلياً في منظومة إدارة الموارد المالية للدولة، وليس مجرد تذبذب ظرفي في الأداء المالي.
وأضاف أن إجمالي الإيرادات النفطية خلال العام الماضي بلغ نحو 22 مليار دولار، منها 3.2 مليار دولار أتاوات، و18 مليار دولار من مبيعات النفط، مشيراً في المقابل إلى أن الحديث عن ميزانية تصل إلى 180 مليار دينار يثير تساؤلات جوهرية حول مصادر التغطية، وما إذا كانت بعض البنود، مثل الميزانيات الاستثنائية للمؤسسة الوطنية للنفط أو التمويلات الخارجية، قد أُدرجت ضمن هذا الرقم أو لا.
وأكد الشريف أن تحقيق التوازن المالي الحقيقي يتطلب إيرادات نفطية لا تقل عن 27 إلى 28 مليار دولار سنوياً، محذراً من أن أي فجوة بين الإيرادات والإنفاق ستقود حتماً إلى تمويل بالعجز، وهو ما ينعكس بدوره على زيادة الدين العام وتآكل الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط والطويل.
ومن جهة أخرى، شدد على أن ميزانية التنمية أو ما يُعرف بميزانية التحول ينبغي أن تخضع بشكل صارم لقانون التخطيط ولائحته التنفيذية، مع ضرورة تفعيل دور مجلس التخطيط الوطني في إعدادها وتحديد أولوياتها وآليات تنفيذها. كما دعا إلى تعزيز أنظمة المتابعة والرقابة وإعداد التقارير الدورية، محذراً من أن غياب هذه المنظومة المتكاملة يجعل من أي ميزانية مجرد أرقام على الورق لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.
وبينّ أن الإنفاق العام خلال السنوات الماضية تم في كثير من الحالات دون شفافية كافية، مع غياب بيانات دقيقة حول حجم الدين العام والنفقات الفعلية، الأمر الذي أدى إلى حالة من الغموض المالي. ودعا في المقابل إلى الالتزام الصارم بالقوانين واللوائح المنظمة للإنفاق العام باعتبارها المدخل الأساسي لأي إصلاح حقيقي.
وبحسب الشريف، فإن أي اتفاق مالي لا يترافق مع إصلاح جذري في إدارة الإيرادات والنفقات وتعزيز الحوكمة والرقابة سيظل، في أفضل الأحوال، خطوة شكلية محدودة الأثر، لا تحقق الأهداف المرجوة منها. وشدد في هذا الإطار على ضرورة ربط البرامج التنموية بأهداف واضحة ومحددة، من بينها تحسين مستوى المعيشة وخلق فرص عمل حقيقية في ظل وجود أعداد كبيرة من الباحثين عن وظائف.
وفي سياق متصل، لفت إلى أن الإنفاق العام يعاني من ضعف واضح في الإنتاجية، موضحاً أن جزءاً كبيراً من المصروفات لا ينعكس على شكل عائد تنموي فعلي. وذكر، على سبيل المثال، الإنفاق على البعثات والسفارات وبعض الجهات الحكومية، إضافة إلى تعدد الجهات التابعة لمجلس الوزراء وتداخل اختصاصاتها، فضلاً عن وجود مراكز وهيئات خارجية تُموّل بمبالغ كبيرة دون رقابة كافية.
ولفت إلى أن أكثر من ربع، وربما ثلث، الجهات الممولة من الميزانية العامة لا تخضع لرقابة ومراجعة كافية، رغم أن الإعلان الدستوري ينص على ضرورة إخضاع كافة أوجه الإنفاق لرقابة ديوان المحاسبة، وهو ما يعكس، بحسب وصفه، خللاً مؤسسياً في منظومة الرقابة والمساءلة.
كما أكد أن الإنفاق الحالي لا يحقق الهدف الأساسي منه المتمثل في تحسين جودة الخدمات العامة، خاصة في قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، بل يظل في معظمه إنفاقاً تشغيلياً قائماً على المرتبات والدعم، دون قاعدة إنتاجية قادرة على امتصاص الصدمات المرتبطة بتقلبات قطاع النفط، في ظل اعتماد شبه كامل على هذا القطاع الذي يمثل نحو 97% من الميزانية ومصدر النقد الأجنبي.
ورأى الشريف أن هذا الخلل البنيوي امتد لسنوات طويلة نتيجة انحراف مسارات خطط التنمية، موضحاً أن بدايات التخطيط التنموي في ليبيا كانت أكثر انضباطاً وتركز على مشاريع البنية التحتية، قبل أن تتراجع فعالية هذه الخطط لاحقاً، ما أدى إلى تعثر مشاريع زراعية وتنموية كبرى، وبالتالي زيادة الاعتماد على الاستيراد حتى في السلع الأساسية.
ومن ثم، خلص إلى أن الاقتصاد الليبي لا يزال يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، في ظل ضعف شديد في تنويع مصادر الدخل، معتبراً أن ذلك يعكس اختلالات عميقة وممتدة في السياسات الاقتصادية طويلة الأمد.
كما ربط الشريف بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية، مؤكداً أن غياب الاستقرار السياسي ينعكس بصورة مباشرة على الأداء الاقتصادي، وأن استمرار الانقسام المؤسسي والصراع على الموارد يزيد من تعقيد المشهد. وأوضح أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إصلاح سياسي وإداري شامل يبدأ بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والرقابة والمساءلة.
وفيما يتعلق بميزانية التحول، شدد على أن تقديرها يجب أن يستند إلى برامج ومشاريع واضحة مرتبطة بخطة تنموية معتمدة وفق قانون التخطيط، محذراً من أن أي ميزانية لا تستند إلى هذا الأساس تفتقر إلى الدقة والشفافية.
وأضاف أن غياب الوضوح لا يقتصر على حجم المخصصات فقط، بل يمتد إلى توزيعها على القطاعات المختلفة مثل الصحة والتعليم والإسكان والبنية التحتية، متسائلاً عن عدم إعلان خريطة استثمارية واضحة من الجهات المختصة أو من مجلس التخطيط الوطني، الذي يُفترض أن يكون الجهة المسؤولة عن إعداد ومتابعة هذا النوع من الخطط.
وشدد على أهمية تفعيل أدوات الرقابة، بما في ذلك شركات التتبع والتفتيش الخارجي، محذراً من مخاطر توجيه الأموال عبر اعتمادات إلى شركات مرتبطة ببعضها أو مملوكة لنفس الأطراف، مع إمكانية تضخيم الفواتير بما يبدو قانونياً من الناحية الشكلية، لكنه يفتقر إلى الشفافية الفعلية.
واختتم الشريف بالتأكيد على أن أي خطوة إصلاحية في المالية العامة، رغم أهميتها، ستظل محدودة الأثر ما لم تُستكمل بإجراءات واضحة في مجالات الحوكمة والشفافية والرقابة، إلى جانب الالتزام الصارم بالقوانين المنظمة للإنفاق العام، بما يضمن تحويل الإصلاحات من مستوى الاتفاقات إلى واقع ملموس ينعكس على الاقتصاد ومستوى معيشة المواطن.









