اخبار مميزةليبيا

غيث: أرقام الموازنة المتداولة مجرد تخمينات وتقديرات غير مؤكدة

قال عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، مراجع غيث، إن ما يتم تداوله بشأن أرقام الموازنة العامة لا يعدو كونه “تخمينات وتقديرات غير مؤكدة”، موضحًا أن الحديث يدور حول ميزانية تتراوح بين 180 و183 مليار دينار، تتوزع – وفق ما يُطرح – على نحو 73 مليار دينار للمرتبات، و44 مليارًا لدعم المحروقات، و40 مليارًا مخصصة للتنمية تُقسم مناصفة، إلى جانب ما يقارب 2 مليار دولار “أي ما يعادل نحو 12 مليار دينار” لتسوية ديون المؤسسة الوطنية للنفط، فضلًا عن التزامات أخرى تشمل علاوة الأبناء والزوجة وبقية الاستحقاقات الاجتماعية.

وأضاف غيث، في تصريحات لتلفزيون “المسار”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن الاتفاق الذي يجري الحديث عنه كان الأجدر أن يُعرض مسبقًا على مجلسي النواب والدولة لمناقشته وإجراء تعديلات عليه قبل اعتماده، بما يضمن قبوله من الناحية الشكلية والقانونية، مشددًا على أن ما تم لا يمكن وصفه بأنه “قانون ميزانية”، بل لا يرتقي حتى إلى مفهوم الموازنة وفق القواعد المعمول بها، لافتًا إلى أن التوصيف الأدق له هو أنه “اتفاق على الإنفاق”.

وأوضح أنه لا يستطيع الجزم بصحة الرقم المتداول البالغ 193 مليار دينار، سواء كان دقيقًا أو مبالغًا فيه أو أقل من الواقع، غير أنه أبدى اتفاقه مع مبدأ توحيد الإنفاق مهما كانت ملاحظاته، باعتبار أن الخطوة في حد ذاتها تضع سقفًا للإنفاق العام عند حدود تقارب 190 مليار دينار، بحيث لا يمكن تجاوزه إلا باتفاق جديد بين الأطراف المعنية.

كما أشار إلى أن الاتفاق، رغم ما يحيط به من جدل وتساؤلات، قد يتم التغاضي عن بعض جوانبه على أمل أن يستمر ويحقق الحد الأدنى من الاستقرار المالي، لكنه في المقابل حذّر من أن مرحلة التنفيذ ستكشف عن صعوبات وتحديات عملية، قد تُظهر أن عددًا من التفاصيل لم يُؤخذ في الاعتبار بالشكل الكافي.

وأضاف أن بعض الحكومات قد تلجأ، في كل الأحوال، إلى استخدام أرصدة متبقية من سنوات سابقة أو الاستفادة من موارد قطاعات أخرى مثل الاتصالات والكهرباء، معتبرًا أن هذا السلوك يحدث حتى في الظروف الطبيعية، ومن الصعب منعه بشكل كامل، لكنه شدد على أن وجود سقف للإنفاق يظل أمرًا إيجابيًا من حيث المبدأ.

وانتقل غيث للحديث عن بند التنمية، موضحًا ضرورة أن يُحتسب ضمن ميزانية عام 2026 فقط، دون تحميله التكلفة الإجمالية للمشروعات الممتدة لسنوات متعددة، محذرًا من أن إدخال كامل القيمة ضمن سنة مالية واحدة سيؤدي إلى تضخيم حجم الموازنة ويمنح الجهات التنفيذية سيولة إضافية قد تُستخدم دون ضوابط زمنية واضحة.

وفي السياق ذاته، أكد أن عدم الاطلاع على النص الكامل للاتفاق وشروطه وتفاصيله الدقيقة يجعل من الصعب تقديم تقييم علمي شامل له، مشيرًا إلى أن ما صدر حتى الآن لا يتجاوز تصريحات وصفها بأنها “إنشائية”، كما أبدى تحفظه على مستوى التمثيل في المفاوضات، معتبرًا أن مشاركة أفراد من مجلسي النواب والدولة لا تعكس بالضرورة موقف المؤسستين رسميًا، وكان من الأجدر إشراك اللجان المالية المختصة بشكل مباشر.

ورأى أن إحالة الاتفاق إلى المجلسين قد تواجه تعقيدات سياسية وتشريعية، بالنظر إلى تجارب سابقة لم تنجح، لكنه أشار في المقابل إلى أنه في حال وجود ضغط أو تدخل خارجي أسهم في بلورة الاتفاق، كان يمكن استثمار ذلك لدفع المؤسسات الرسمية إلى إقراره مسبقًا بما يمنحه غطاءً قانونيًا أوضح.

وفيما يتعلق بالسيولة، شدد غيث على أن الطلب عليها سيظل قائمًا، موضحًا أن بند المرتبات يستلزم توفير نقد فعلي رغم توجه المصرف المركزي نحو تعزيز الدفع الإلكتروني، لافتًا إلى أن طبيعة الاقتصاد الليبي، ووجود شرائح واسعة من العمالة الأجنبية في قطاعات مثل البناء وصيانة السيارات والأعمال الخدمية، تجعل الاعتماد على النقد الورقي أمرًا ضروريًا، كون هذه الفئات لا تمتلك حسابات مصرفية ولا تستخدم الوسائل الرقمية.

وبحسب غيث، فإن الباب الأول من الميزانية، والذي يضم نحو 11 بندًا، يشمل مرتبات تتراوح بين 54 و56 مليار دينار، إضافة إلى نحو 12 مليارًا لصندوق الضمان الاجتماعي، مؤكدًا أن إجمالي هذا الباب يظل مرتفعًا في نطاق 50 أو 60 مليار، حتى مع الحديث عن تقليصه إلى نحو 40 مليارًا فقط.

وأشار إلى أن أي محاولة لتقليص بند المرتبات تتطلب خطة إصلاح شاملة، موضحًا أن الاستغناء عن الموظفين غير ممكن دون توفير بدائل اقتصادية، وهو ما يستلزم تمويلًا ومؤسسات داعمة، في حين أن القانون رقم 1 لسنة 2013 أغلق باب التمويل دون إيجاد بدائل، ما ساهم في إضعاف القطاع الخاص ودفع المواطنين نحو الوظيفة العامة كخيار شبه وحيد.

كما لفت إلى ضرورة استيعاب القوى العاملة، خصوصًا مع ارتفاع نسبة الشباب إلى نحو 60% من السكان، مقترحًا إنشاء مشاريع إنتاجية وخدمية مثل شركات تأجير المعدات والآليات، بما يتيح فرص عمل حقيقية ويخفف الضغط على الجهاز الحكومي.

وفيما يتعلق بمخصصات التنمية المقدرة بنحو 40 مليار دينار، تساءل عن مدى قدرتها على إحداث أثر اقتصادي ملموس، وكذلك عن آليات توزيعها وضبطها، مؤكدًا أهمية دور الجهات الرقابية المختلفة، وعلى رأسها مجلس النواب والاعلى للدولة وديوان المحاسبة وهيئة الرقابة الإدارية، محذرًا من أن غياب الوضوح في هذه الجوانب قد ينعكس على تنفيذ الاتفاق.

كما أشار إلى أن ليبيا لا تمتلك إحصاءً سكانيًا حديثًا، موضحًا أن آخر تعداد رسمي يعود إلى عام 2006، وهو ما يضعف دقة توزيع الموارد وفق الكثافة السكانية، ويجعل الحاجة ملحة لإجراء تعداد جديد يساعد في تحديد الاحتياجات الحقيقية من خدمات وسكن، وفرص عمل، ومشروعات صغيرة، ومتوسطة.

وفي ملف الإيرادات النفطية، حذر غيث من الإفراط في التفاؤل بشأن أسعار النفط، مستشهدًا بتقلبات السوق وآراء خبراء صندوق النقد الدولي، مرجحًا أن تتراوح الأسعار بين 60 و70 دولارًا للبرميل، مع إمكانية تراجعها إلى مستويات 60–65 دولارًا، داعيًا إلى اعتماد سيناريوهات مالية متحفظة بدل التقديرات المرتفعة.

وأكد أن تحقيق التوازن الكامل في الموازنات العامة أمر غير واقعي في أغلب دول العالم، حيث يسود العجز كقاعدة عامة، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تمويل هذا العجز وإدارته، مشددًا على أن ليبيا تواجه إشكالية أكبر بحكم اعتمادها شبه الكامل على النفط كمصدر وحيد للدخل، في ظل غياب تنويع فعلي لمصادر الإيرادات.

ودعا في هذا الإطار إلى تطوير بدائل اقتصادية تشمل فرض الضرائب بشكل منظم، واستثمار الموارد البحرية والطاقة الشمسية، وتنشيط تجارة العبور، إضافة إلى مقترح تحويل ليبيا إلى منطقة حرة إقليمية، إلى جانب دعم الزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتفعيل دور المصارف المتخصصة في التمويل التنموي.

كما انتقد استمرار توسع السوق الموازية للعملة الأجنبية، معتبرًا أن الاعتراف بها يعكس إقرارًا بواقع غير قانوني يُعرف بـ”اقتصاد الظل”، مؤكدًا ضرورة محاربته أو تقنينه بدل تركه يتحكم في سعر الصرف، مع التشديد على حصر الواردات عبر القنوات الرسمية ومكافحة السلع مجهولة المصدر.

وتساءل غيث عن أسباب الدعوات لخفض سعر الصرف في السوق الموازية دون معالجة جذور المشكلة، متسائلًا عن مدى التزام المتعاملين فيها بالضرائب والرسوم، ولماذا لا يلتزمون بالسعر الرسمي، كما أشار إلى أن الإنفاق غير المرتبط بالباب الأول ارتفع من نحو 24 مليار دينار عام 2021 إلى نحو 66 مليارًا، وهو ما اعتبره قفزة كبيرة تتطلب مراجعة دقيقة وترشيدًا صارمًا.

وفيما يخص ملف العمالة الأجنبية، أوضح أن نحو 1.5 مليون عامل أجنبي يمثلون ضغطًا مباشرًا على الطلب على النقد الأجنبي، خاصة في ظل لجوئهم إلى السوق الموازية نتيجة غياب التنظيم، مضيفًا أن إدماجهم في النظام المصرفي الرسمي من خلال تسجيلهم ومنحهم وسائل دفع قانونية قد يحولهم من عبء إلى مصدر إيراد عبر الضرائب والرسوم.

واقترح في هذا السياق اعتماد بطاقات إلكترونية وتنظيم العمالة عبر البلديات، بما يسمح بضبط تحويلاتهم وتقليل استنزاف العملة الأجنبية، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من الطلب على الدولار يرتبط بالتحويلات الخارجية أو الادخار، ما يضغط على الاحتياطات النقدية.

وأشار إلى أنه لم يطّلع على تفاصيل اللجنة المشتركة لمتابعة مشاريع التنمية، متسائلًا عن تركيبتها وآليات عملها، لافتًا إلى أن غياب نشر نص الاتفاق بالكامل يحد من إمكانية تقييمه بشكل دقيق، وأن معظم المعلومات المتداولة تأتي من أطراف مؤيدة له.

وأكد أن إنشاء اللجان وحده لا يكفي لضمان الحوكمة، ما لم تكن متخصصة ومحايدة ومرتبطة بمؤشرات أداء واضحة، مع ضرورة ربط الإنفاق الفعلي بالإنجازات على الأرض، محذرًا من إعادة تدوير الأرصدة في نهاية السنة المالية دون نتائج ملموسة.

ونوه بأن الإيرادات النفطية تظل عرضة للتقلبات الخارجية، وأن الإنتاج الفعلي يختلف عن الصادرات بسبب اقتطاع حصة الشريك الأجنبي واستهلاك السوق المحلي، ما يستوجب اعتماد تقديرات دقيقة للكميات المصدرة فعليًا، وهي أمور فنية تقع ضمن اختصاص المؤسسة الوطنية للنفط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى