«المسماري»: مبادرة بولس تعكس دعمًا أمريكيًا للمسار الأممي في ليبيا

قال أستاذ القانون راقي المسماري، إن المبادرات الدولية المطروحة بشأن ليبيا، بما فيها جهود البعثة الأممية، تتجه نحو توظيف المسارات الاقتصادية والأمنية كمدخل أساسي لدفع العملية السياسية، إلا أن هذا التوجه – بحسب تقديره – يصطدم بغياب توافق فعلي بين الأطراف الليبية حول القوانين الانتخابية، إضافة إلى استمرار الخلاف بشأن إعادة تشكيل المؤسسات السيادية، وعلى رأسها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وأوضح المسماري، في حديث لتلفزيون “المسار”، و«رصدته24»، أن التحركات الدولية، بما في ذلك المبادرة الأمريكية الأخيرة، تقوم على ثلاث ركائز مترابطة، تتمثل في الاستقرار الاقتصادي أولًا، ثم الاستقرار الأمني، وصولًا إلى المسار السياسي، مشيرًا إلى أن واشنطن سعت بشكل سريع إلى دعم خطوات تتعلق بتوحيد الإنفاق العام وتعزيز التفاهمات الاقتصادية بين الأطراف الليبية.
وأضاف أن الجانب الأمني شهد بدوره تحركات لافتة، من بينها مناورات عسكرية مشتركة شاركت فيها أطراف من شرق وغرب ليبيا، وذلك في إطار مساعٍ لتعزيز التنسيق الأمني وبناء الثقة، بينما بقي المسار السياسي – وفق تعبيره – الأكثر تعقيدًا نتيجة استمرار الخلافات بين مجلس النواب ومجلس الدولة حول القوانين الانتخابية وتشكيل المفوضية.
ومن جهة أخرى لفت المسماري إلى أن اللجنة الاستشارية التابعة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قدمت عدة مقترحات خلال الفترة الماضية، تلاها إطلاق ما يُعرف بـ “الحوار المهيكل”، غير أن هذه الجهود واجهت تباطؤًا أو مماطلة من بعض الأطراف السياسية في تنفيذ الاستحقاقات المطلوبة.
وبيّن كذلك أن بعض الفاعلين الدوليين يسعون إلى استثمار نفوذهم السياسي لدفع المبادرة الأممية قدمًا، في حين تتباين مواقف الأطراف الليبية بين مؤيد ورافض، مع بروز تيارات ترى أن جوهر الأزمة يتركز في غرب البلاد أكثر من شرقها، في ظل استمرار الجدل حول شرعية المؤسسات وتوزيع السلطة.
وأشار أيضًا إلى أن النقاشات المتعلقة بالقوانين الانتخابية ترتبط بشكل مباشر بضرورة تشكيل حكومة موحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية والإشراف على الاستحقاقات القادمة، مؤكدًا أن أي تقدم اقتصادي أو أمني سيظل محدود الأثر ما لم يتم حسم المسار السياسي بشكل واضح ونهائي.
ورأى المسماري أن نجاح أي مبادرة سياسية مرهون بوجود توافق شامل على قاعدة دستورية واضحة ومؤسسات تنفيذية موحدة، معتبرًا أن غياب هذا التوافق يجعل أي مبادرة عرضة للتعثر أو إعادة التدوير دون تحقيق نتائج حاسمة على الأرض.
وأردف: أن البعثة الأممية تسعى إلى تمرير القوانين الانتخابية عبر ما يُعرف بـ “طاولة 4+4″، في إطار تفاهمات تهدف إلى إعادة صياغة الترتيبات السياسية، بما يشمل تعديل أو إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وذلك استعدادًا لمرحلة سياسية جديدة قد تتضمن تغيير الوجوه السياسية الحالية داخل المؤسسات القائمة.
وأضاف أن الطرح الأممي، بحسب قراءته، لا يقتصر على الدفع نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة إحداث تغيير في شكل السلطة التنفيذية، سواء على مستوى رئاسة الدولة أو الحكومة، عبر استبدال الشخصيات الحالية بأخرى جديدة ضمن تسوية سياسية أوسع نطاقًا.
وفي السياق ذاته اعتبر المسماري أن مبادرة مسعد بولس تحاول اكتساب طابع دولي من خلال عرضها في أروقة مجلس الأمن، مشيرًا إلى ما وصفه بدور أمريكي مباشر في دعم هذا المسار، ولفت إلى واقعة رمزية تمثلت في جلوس مسعد بولس في موقع ممثل الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن خلال إحدى الجلسات، وهو ما اعتبره مؤشرًا على حجم الدعم السياسي للمبادرة.
كما تطرق إلى موقف رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، معتبرًا أن استمرار الأزمة السياسية يرتبط برفضه تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة، وفق تصريحاته المتكررة، موضحًا أنه يعمل في المقابل على توسيع تحالفاته داخل المنطقة الغربية، بما في ذلك التقارب مع بعض التشكيلات المسلحة، بهدف تعزيز موقعه التفاوضي والبقاء لاعبًا رئيسيًا في أي تسوية قادمة.
وانتقد المسماري ما وصفه بتباين المواقف داخل المجلس الرئاسي، مشيرًا إلى وجود اختلافات بين أعضائه حول القضايا السياسية الداخلية، وموضحًا أن بعض الأطراف تتعامل مع المبادرات الدولية بدرجات متفاوتة، تتراوح بين الترحيب الحذر والاعتراض السياسي المباشر.
وفي سياق آخر أشار إلى أن بعض القوى الإقليمية والدولية، من بينها قطر ومصر وتركيا وفرنسا وروسيا، كانت تدرك منذ مراحل مبكرة أن أي تسوية في ليبيا ستقود في نهاية المطاف إلى تغيير في البنية الحاكمة، سواء على مستوى المجلس الرئاسي أو الحكومة.
وأكد أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات دولية أكثر كثافة تجاه الملف الليبي، خاصة في ظل تزايد الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، وربط ذلك باعتبارات أوسع تتعلق بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وأفريقيا، إضافة إلى احتمالات إعادة ترتيب الأولويات داخل الكونغرس خلال الفترة المقبلة.









