ليبيا

أبو ديب: الحل في ليبيا مرهون بالواقعية السياسية والتوافق على المبادرة الأمريكية

قال الأكاديمي والباحث السياسي ناصر أبو ديب، إن المبادرات السياسية المطروحة في ليبيا، ولا سيما ما يُتداول تحت مسمى “المبادرة الأمريكية” أو غيرها من الأطروحات الدولية، ما تزال تفتقر إلى وضوح كامل في تفاصيلها وآليات تنفيذها، معتبرًا أن الحديث عن صفقات أو ترتيبات سياسية غير معلنة يثير العديد من الشكوك حول جدية هذه المسارات، خاصة عندما تُربط بوعود تتعلق بالانتخابات أو الاستفتاء على الدستور دون وجود إطار واضح وملزم.

وأوضح أبو ديب، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″ أن التجارب السياسية السابقة في جنيف والصخيرات وما تلاها من مسارات لم تحقق نتائج حاسمة، وهو ما أعتبره تكراراً لنفس الأطراف والأدوات وآليات العمل، محذرًا في الوقت ذاته من إعادة إنتاج التجربة ذاتها دون إدخال تغيير جوهري في أدوات الحل، أو طبيعة الفاعلين السياسيين.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن من يطرحون فكرة التوافق السياسي يستندون إلى واقع وجود قوتين رئيسيتين على الأرض في الشرق والغرب تتحكمان في الموارد والسلاح والنفوذ، وهو ما يجعل أي تسوية سياسية، بحسب تقديره، مرهونة بالضرورة بتفاهم مباشر بين هذه القوى، باعتبار أن هذا الواقع يفرض نفسه على المشهد السياسي الليبي ولا يمكن تجاوزه.

مشدداً على أن الحلول يجب أن تنطلق من قراءة واقعية دقيقة لموازين القوى على الأرض، بعيدًا عن التصورات المثالية أو الافتراضية التي لا تأخذ في الاعتبار تعقيدات الواقع الليبي، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة الاعتراف بأن الشعب الليبي يجب أن يكون له دور حقيقي وفعلي في صياغة مستقبله السياسي، وليس مجرد متلقٍ للقرارات أو مخرجات التسويات.

وفي سياق آخر، قدّم أبو ديب قراءة أوسع للمشهد السياسي، معتبرًا أن بعض الأطروحات المتعلقة بالمبادرات السياسية تمثل –”طوق نجاة لفئة محددة” تسعى للاستفادة من الوضع القائم وإعادة إنتاج ترتيبات سياسية واقتصادية تصب في مصلحتها على حساب المصلحة العامة.

ولفت إلى أن توظيف مفاهيم المبادرات أو الصفقات دون ضوابط واضحة قد يؤدي إلى “شرعنة” استمرار نفس الوجوه السياسية في مواقع السلطة، وهو ما من شأنه أن يعرقل مسار التحول الديمقراطي ويحول دون تحقيق تداول حقيقي للسلطة، مؤكدًا أن استمرار نفس الفاعلين لفترات طويلة يُعد أحد الأسباب الجوهرية لتعقيد الأزمة الليبية.

وبينّ أن جوهر الإشكال لا يكمن في مبدأ التوافق السياسي ذاته، وإنما في آلياته وتطبيقاته، موضحًا أن أي عملية سياسية في العالم تقوم على قدر من التفاهم والتسويات بين القوى الفاعلة، إلا أن ذلك يجب أن يتم ضمن أطر مؤسسية واضحة تضمن المشاركة الفعلية والتوازن السياسي وتمنع الاحتكار.

ورأى أبو ديب أن مصطلح “الصفقة السياسية” في العلوم السياسية لا يحمل بالضرورة دلالة سلبية، بل يعكس في كثير من الأنظمة الديمقراطية عملية تفاوض طبيعية بين القوى السياسية بهدف تشكيل الحكومات وإدارة الشأن العام، وفق آليات متفق عليها ومؤسسات منظمة.

واستشهد بتجارب سياسية سابقة في ليبيا، خاصة مرحلة ما بعد 2012، معتبرًا أن غياب الأحزاب القوية واستبدالها بالاصطفافات الفردية والشخصية ساهم بشكل مباشر في تعقيد المشهد السياسي وإضعاف المؤسسات المنتخبة بدل دعمها.

كما دعا إلى ضرورة أن تستند أي تسوية سياسية مستقبلية إلى قاعدة مؤسسية واضحة تشمل انتخابات برلمانية حقيقية وتوافقًا دستوريًا شاملًا، بدل الاعتماد على الحلول الجزئية أو الترتيبات المؤقتة التي تؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها.

وأكد أبو ديب أن أي حل مستدام للأزمة الليبية يجب أن يقوم على مبدأ الشراكة الوطنية بين مختلف المناطق والقوى السياسية والاجتماعية، مع ضمان الحد الأدنى من كرامة المواطن واستقراره، وبعيدًا عما وصفه بـ “الترتيبات المغلقة” التي تُدار بين أطراف محدودة خارج الإرادة الشعبية.

وفي سياق متصل، شدد على احترامه الكامل لجميع المكونات الثقافية والاجتماعية في ليبيا دون استثناء، موضحًا أنه لا توجد لديه أي “عقدة من الآخر”، سواء كان عربيًا، أو أمازيغيًا، معتبرًا أن التنوع الاجتماعي جزء أصيل من النسيج الليبي.

وأضاف أن الاختلاف بين المناطق الليبية في وجهات النظر أمر طبيعي، غير أن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يتحول الخطاب السياسي إلى “اصطفافات” مناطقية أو شخصية بدل أن يُوجّه نحو المصلحة الوطنية العامة، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه لا يربط مواقفه بأي شخصيات سياسية بعينها، سواء في الشرق أو الغرب أو غيرهما، وإنما يركز على الآليات والخيارات الواقعية للخروج من الأزمة.

كما أشار إلى أن الخلافات القائمة حول الدستور وآليات الاستفتاء والنظام الانتخابي تعكس استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي في البلاد، محذرًا من أن غياب الاتفاق على القواعد الدستورية سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة واستمرارها في حالة دوران سياسي مستمر دون حلول.

وفيما يتعلق بالانتخابات، أكد أنه لا يعارض الانتخابات البرلمانية من حيث المبدأ، لكنه انتقد في المقابل “تسييس” بعض المسارات الانتخابية واستبعاد مرشحين وفق اعتبارات سياسية، معتبرًا أن ذلك أضعف الثقة في العملية الانتخابية وأثر على مصداقيتها.

كما شدد على أن استمرار انتشار التشكيلات المسلحة والانقسام الأمني يمثل أحد أبرز العوائق أمام بناء الدولة، داعيًا إلى ضرورة معالجة هذا الملف ضمن إطار وطني شامل يهدف إلى توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية بشكل فعلي وليس شكلي.

واختتم أبو ديب حديثه، بالتأكيد على أن الحل في ليبيا لا يمكن أن يقوم على الإقصاء أو الهيمنة أو الغلبة، بل على أساس التوافق والشراكة الوطنية وتوسيع قاعدة التمثيل السياسي والاجتماعي، بما يضمن إنهاء الانقسام وتهيئة الطريق أمام انتخابات حقيقية وتداول سلمي للسلطة، محذرًا في الوقت ذاته من أن استمرار الحلول الجزئية أو غير المتكاملة سيبقي الأزمة الليبية في حالة انسداد مفتوح دون أفق واضح للحل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى