بكار: إعادة تشكيل المفوضية الانتخابية تحول نوعي في المسار السياسي

قال المهتم بالشأن العام فرحات بكار، إن المرحلة الحالية من الحوار السياسي الليبي تشهد انتقالًا واضحًا من مرحلة التوافقات السياسية إلى ما وصفه بـ”مرحلة التنفيذ”، مشيرًا إلى أن ما تم التوصل إليه في روما، بشأن إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات يُعد خطوة مهمة ومفصلية على طريق تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.
وأوضح بكار، في حديث لتلفزيون “المسار”، أن التوافق الأخير حول إعادة هيكلة مجلس إدارة المفوضية، وفق آلية جديدة تقوم على تكليف النائب العام باختيار رئيس للمفوضية من بين القضاة المشهود لهم بالنزاهة، مع منح مجلسي النواب والدولة صلاحية ترشيح أعضاء المجلس الجديد، يمثل – بحسب تعبيره – تحولًا نوعيًا في إدارة الملف الانتخابي داخل ليبيا.
وأكد أن هذا المسار جاء بعد سنوات من التعثر والخلافات بين المجلسين بشأن تشكيل المفوضية، وكان أحد أبرز العوائق أمام إطلاق مسار انتخابي شامل، رغم المحاولات المتكررة التي رعتها البعثة الأممية في مراحل متعددة من الحوار السياسي.
وفي السياق ذاته، أشار بكار إلى أن البعثة الأممية، وبالتنسيق مع أطراف دولية مؤثرة، لعبت دورًا محوريًا في الدفع نحو إعادة صياغة الحلول السياسية، خاصة بعد تعثر مخرجات مسارات سابقة، مثل اللجنة الاستشارية ومسار “6+6″، إلى جانب مخرجات “5+5” المتعلقة بالمسار العسكري، والتي نجحت في تثبيت وقف إطلاق النار دون أن تنجح في توحيد المؤسسة العسكرية بشكل كامل.
كما اعتبر أن التطورات الجارية لا يمكن فصلها عن التحولات في الموقف الدولي، لاسيما دور الولايات المتحدة الأمريكية، التي وصفها بأنها “قوة مؤثرة” في إدارة الملفات الإقليمية، موضحًا أن واشنطن تدعم بشكل غير مباشر مسار الترتيبات السياسية عبر الأمم المتحدة.
وأضاف أن ما يجري اليوم يعكس وجود إرادة دولية لإعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي بشكل تدريجي، يبدأ بالملف الاقتصادي، ثم الترتيبات الأمنية والعسكرية، وصولًا إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، قبل الانتقال إلى الانتخابات العامة.
وأوضح بكار أن المرحلة الأولى من هذا المسار تمثلت في التوافقات الاقتصادية وتوحيد بعض السياسات المالية، وهو ما انعكس على تحسن نسبي في سعر صرف الدينار الليبي، إضافة إلى خطوات تتعلق بإدارة الموارد النفطية والمالية.
أما المرحلة الثانية، فتتمثل في المجال الأمني والعسكري، حيث يجري العمل على برامج تهدف إلى توحيد المؤسسة العسكرية تدريجيًا، إلى جانب تثبيت وقف إطلاق النار وترسيخ الهدنة بين الأطراف المتنازعة.
وفي المقابل، أشار إلى أن المرحلة الثالثة بدأت ملامحها تتشكل، وتتعلق بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، بما يشمل المجلس الرئاسي والحكومة، متوقعًا تغييرات في هذه الهياكل خلال الفترة المقبلة، مع الإبقاء على رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة ضمن الترتيبات الانتقالية، إلى جانب الحديث عن دمج الحكومتين القائمتين في إطار حكومة موحدة.
وأكد أن المرحلة الأكثر حساسية تبقى مرتبطة بالقوانين الانتخابية والإطار الدستوري، باعتبارها النقطة التي ستحدد إمكانية التوجه الفعلي نحو الانتخابات من عدمه، لافتًا إلى أن هذا الملف ما يزال محل خلاف بين الأطراف السياسية.
وفي ما يتعلق بالمفوضية العليا للانتخابات، أوضح بكار أن الاتفاق الحالي يهدف إلى إنهاء الانقسام داخل المؤسسة الانتخابية عبر إعادة تشكيلها بما يضمن استقلالها وحيادها، معتبرًا أن إشراك النائب العام في اختيار رئيس المفوضية يشكل ضمانة إضافية للنزاهة.
وبينّ أن هذا الترتيب الجديد قد يحظى بقبول نسبي من الأطراف السياسية، رغم احتمال وجود اعتراضات، إلا أنه شدد على أن الانتقال إلى “المرحلة التنفيذية” يقلل من مساحة الخلاف ويفرض التزامًا أكبر بما تم التوافق عليه دوليًا ومحليًا.
كما أكد أن البعثة الأممية تسعى إلى تنفيذ مخرجات الحوار وعدم العودة إلى مراحل التفاوض السابقة، مشيرًا إلى أن المجموعة المصغرة “4+4” أصبحت من أهم المسارات الداعمة لإعادة بناء المؤسسات الانتخابية.
واعتبر بكار، أن المرحلة الحالية لم تعد مرحلة نقاشات سياسية مفتوحة، بل أصبحت مرحلة تطبيق تدريجي للاتفاقات، ما يعني أن هامش التفاوض بدأ يتقلص لصالح مسار تنفيذي أكثر وضوحًا.
وبينّ أن هذا التحول يعكس رغبة دولية وإقليمية في الوصول إلى انتخابات عامة، باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء الانقسام السياسي والمؤسساتي في البلاد. كما شدد على أن نجاح هذه المرحلة يرتبط بمدى التزام الأطراف الليبية بالتفاهمات وعدم العودة إلى الخلافات التي عطلت مبادرات سابقة.
وفي ختام حديثه، أكد بكار أن المسار الحالي يمثل “فرصة حقيقية” لإعادة بناء المؤسسات السياسية في ليبيا، إذا ما جرى الالتزام بتنفيذ مخرجاته، خاصة ما يتعلق بإعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات وتوحيد الجهود نحو الاستحقاق الانتخابي.
ورأى أن المرحلة المقبلة ستكشف قدرة الأطراف الليبية والدولية على تحويل التوافقات إلى واقع عملي، معتبرًا أن نجاح هذا المسار قد يشكل نقطة تحول مهمة في مستقبل العملية السياسية في ليبيا.









