بويصير: البعثة الأممية بلا أدوات تنفيذ والضغط الحقيقي تقوده واشنطن

أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد بويصير، أن المشهد الليبي يشهد في المرحلة الراهنة تداخلًا بين مسارات دولية متعددة، في مقدمتها المسار الأممي، والمبادرة الأمريكية، مع استمرار حالة التوازي بينهما رغم اختلاف الأدوات والأدوار، واشتراكهما في هدف إعادة تشكيل السلطة عبر مرحلة انتقالية جديدة.
وأوضح بويصير، في حديث لقناة “ليبيا الأحرار”، أن مسار “4+4” الذي طرحته البعثة الأممية يُعد امتدادًا لنهج أُعلن منذ فبراير الماضي باعتباره خيارًا بديلًا في حال تعثر مجلسي النواب والدولة في معالجة ملفي المفوضية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية، مشيرًا إلى أن إعادة تأكيد هذا المسار في أبريل الحالي يعكس تمسك البعثة به كجزء أساسي من خارطة الطريق.
وأضاف أن توسيع طاولة الحوار تحت عنوان “إشراك أطراف فاعلة”، بما يشمل ممثلين عن القيادة العامة وحكومة الدبيبة، يمثل تحولًا في آلية إدارة الحوار السياسي الذي ظل منذ عام 2014 محصورًا بين مجلسي النواب والدولة، غير أنه في الوقت ذاته اعتبر أن هذا التوسع يثير تساؤلات حول جدواه في ظل استمرار ذات النخب السياسية دون تغيير جوهري في تركيبتها.
وبيّن بويصير أن البعثة الأممية، وفق تقديره، لا تمتلك أدوات تنفيذ أو ضغط حقيقية، وأن دورها يقتصر على تقديم المقترحات ومحاولة خلق مسارات للحوار، في حين رأى أن الضغط الفعلي على الأطراف الليبية يرتبط بالمبادرة الأمريكية، التي وصفها بأنها المحرك الأكثر تأثيرًا في المرحلة الحالية، معتبرًا أن دور المبعوث الأمريكي مسعد بولس يندرج في إطار نقل هذا التوجه أكثر من صياغته.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن إدخال أطراف جديدة إلى الحوار يعكس محاولة لإعادة تشكيل بنية النقاش السياسي من ثنائية مجلسي النواب والدولة إلى إطار أوسع يضم ما يسمى بالأطراف الفاعلة، معتبرًا أن هذا التحول يعكس سعيًا لإعادة ترتيب المشهد الليبي ضمن مقاربة مختلفة.
وحول المبادرة الأمريكية، أشار بويصير إلى أنها تقوم على أربع ركائز أساسية تشمل توحيد التصرفات المالية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وتوحيد السلطة التنفيذية، ووضع إطار قانوني للانتخابات، موضحًا أن هذا التصور يعتمد على التعامل المباشر مع القوى المؤثرة على الأرض بدل الاكتفاء بالأطر التقليدية.
وأضاف أن الأمم المتحدة تحاول الدخول إلى “سباق الحلول” في ليبيا بعد سنوات من التعثر مع المؤسسات التشريعية، معتبرًا أن استمرار الحوار دون نتائج حاسمة دفعها إلى توسيع قاعدة المشاركة السياسية.
وفي سياق متصل، أوضح بويصير أن الولايات المتحدة تتحرك في الملف الليبي بدافع يرتبط بمصالح استراتيجية، خصوصًا في قطاع الطاقة، مشيرًا إلى أن إعادة ترتيب سوق النفط عالميًا والتنافس مع قوى دولية أخرى يجعل ليبيا عنصرًا مهمًا في الحسابات الأمريكية، وهو ما يفسر – بحسب رأيه – سرعة التحرك الأمريكي مقارنة بالمسار الأممي.
وبيّن أن الهدف لا يقتصر على تأمين احتياجات الطاقة، بل يمتد إلى إعادة هيكلة منظومة الطاقة بما يعزز النفوذ الأمريكي عالميًا ضمن صراع استراتيجي أوسع.
وأشار إلى أن هذه التحركات قد تفضي إلى استقرار نسبي في ليبيا، لكنها لا تستهدف بالضرورة بناء دولة مستقرة بشكل كامل، بل إدارة مرحلة انتقالية تضمن تحقيق المصالح السياسية والاقتصادية.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين المسارين، استبعد بويصير وجود انفصال كامل بين المبادرة الأمريكية والمسار الأممي، مرجحًا وجود تنسيق غير مباشر، إلا أنه شدد على أن الفارق الأساسي يتمثل في الأدوات، حيث تمتلك الولايات المتحدة نفوذًا مباشرًا، بينما تتحرك البعثة الأممية ضمن إطار قانوني محدود.
وأوضح أن المقاربة الأمريكية تقوم على تشكيل سلطة انتقالية موحدة من القوى الفاعلة تتولى إدارة المرحلة المؤقتة تمهيدًا لإجراء انتخابات خلال فترة تتراوح بين عام وعام ونصف تحت إشراف مباشر، معتبرًا أن هذا النموذج أكثر براغماتية وقابلية للتنفيذ مقارنة بالمسارات التقليدية.
ولفت إلى أن البعثة الأممية تحاول مواءمة هذا الطرح مع خارطة الطريق عبر إدماج الحوار المهيكل ومسار “4+4″، غير أن محدودية أدوات التنفيذ تظل تحديًا رئيسيًا أمامها.
وأكد بويصير أن نجاح أي مسار سياسي في ليبيا يرتبط بقدرة الليبيين على تحديد أولوياتهم الوطنية والدفاع عنها، بدل الاكتفاء بردود الفعل، مشيرًا إلى أهمية الاستفادة من تجارب دولية نجحت في تحويل الشراكات الخارجية إلى فرص تنموية.
كما شدد على ضرورة أن تتضمن المرحلة الانتقالية معالجة ملفات أساسية، أبرزها توحيد السلطة، وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وتحديد إطار زمني واضح للعملية السياسية، معتبرًا أن أي تسوية لن تنجح دون وجود قوة قادرة على فرض الالتزامات على الأرض.
وفي تقييمه العام، قال بويصير إن البعثة الأممية، رغم تعدد مساراتها، تبقى أقل فاعلية مقارنة بالولايات المتحدة التي تمتلك قدرة أكبر على تحريك المؤسسات السياسية والاقتصادية بشكل مباشر.
واختتم بالتأكيد على أن استمرار هيمنة النخب السياسية ذاتها، بما في ذلك داخل مسار “4+4″، يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، محذرًا من أن غياب تغيير حقيقي في بنية الفاعلين السياسيين سيبقي حالة الانسداد قائمة، ما لم يتم فتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع تعيد تشكيل التوازنات داخل البلاد.









