ليبيا

القماطي: ضخ الدولار قد يدفع بسعره إلى أقل من 7 دنانير ويحدّ من المضاربة

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، حلمي القماطي، أن عودة بيع الدولار للمواطنين نقداً بعد أكثر من 13 عامًا، تعكس طبيعة الاقتصاد الوطني القائم بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، والتي تمثل – بحسب تقديره – أكثر من 92% من إجمالي الموارد.

وأوضح القماطي، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24” أن الإيرادات الشهرية تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار، في مقابل إنفاق يصل إلى نحو 3 مليارات دولار، ما يخلق عجزًا شهريًا يقارب مليار دولار، يتم تغطيته إما من الاحتياطي أو عبر مصادر غير مباشرة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن العرض النقدي بلغ نحو 190 مليار دينار، وهو ما أسهم في تراكم الضغوط النقدية وانعكس بشكل مباشر على سعر الصرف في السوق الموازية.

وفي هذا الإطار، لفت إلى أن ضخ ما بين مليار إلى 2.5 مليار دولار نقدًا في السوق من شأنه التأثير بشكل مباشر على عرض النقود، فضلًا عن دوره في كسر احتكار السوق الموازية لتداول العملة الأجنبية، متوقعًا أن يسهم ذلك في تراجع سعر الدولار إلى حدود 7 دنانير، بالتوازي مع انخفاض واضح في مستويات المضاربة.

كما أشار القماطي إلى أن دخول الدولة كمزود رئيسي للعملة الأجنبية سيؤدي إلى فرض قدر من الانضباط داخل السوق، وتقليص نشاط المضاربين نتيجة تراجع مستوى المخاطرة، مبينًا أن الطلب على الدولار في ليبيا يرتبط أساسًا بتمويل الواردات أو الاكتناز باعتباره مخزنًا للقيمة.

وفي سياق متصل، أكد أن هذه الإجراءات تندرج ضمن أدوات السياسة النقدية التي يعتمدها مصرف ليبيا المركزي، مرجحًا أن تكون فعّالة على المدى القصير، حيث سينعكس انخفاض سعر الصرف إيجابيًا على المواطن من خلال تقليص العمولات التي كانت تتراوح بين 2% و6%، إلى جانب تحسين القدرة الشرائية، وإمكانية الاستفادة من الدولار كمصدر دخل إضافي.

وفي المقابل، حذر من أن استدامة هذا التحسن تبقى مرهونة باستمرار تدفق النقد الأجنبي، وهو ما يتطلب ترشيد الإنفاق العام وتطبيق سياسات مالية منضبطة ضمن إطار ميزانية موحدة، مؤكدًا أن تحقيق استقرار فعلي في سعر الصرف يستدعي وجود حكومة موحدة وسياسة مالية متماسكة تدعم جهود المصرف المركزي.

ورأى القماطي أن تحقيق هذا التوافق قد يدفع سعر الدولار إلى التراجع نحو 6.60 دينار، بينما سيؤدي استمرار الإنفاق غير المنضبط وتعدد مراكز القرار إلى استمرار الضغوط على العملة الوطنية.

وأعرب عن تفاؤله بإجراءات المصرف المركزي، مشددًا على أن نجاحها لا يعتمد على الأدوات النقدية وحدها، بل يتطلب دعمًا حكوميًا موحدًا وقدرة على إدارة الملف الاقتصادي بشكل متكامل، محذرًا في الوقت ذاته من محاولات عرقلة التفاهمات الاقتصادية عبر التشكيك أو بث المخاوف.

كما لفت إلى أن السوق الموازية، رغم استمرارها، لم تعد تحقق الأرباح المرتفعة التي كانت تسجلها في السابق، مبيناً أن جزءًا من نشاطها يرتبط بتمويل عمليات الاستيراد، وهو ما يعكس اختلالات في منظومة الاعتمادات المستندية.

وفي هذا الإطار، حذر القماطي من ممارسات وصفها بغير السليمة، تتمثل في تركّز الاعتمادات لدى عدد محدود من الأطراف، واستخدامها عبر شركات وسيطة أو مصانع خارجية، ما يؤدي إلى دعم اقتصادات أجنبية بدلًا من الاقتصاد المحلي، واصفًا بعض هذه التجاوزات بأنها “جرائم اقتصادية”.

وشدد على أن أي إصلاح اقتصادي حقيقي يجب أن يكون شاملًا ويشمل مكافحة الفساد، الذي قال إنه تغلغل في مؤسسات الدولة، مؤكدًا أن القضاء الكامل على السوق الموازية يظل هدفًا صعبًا في ظل ارتفاع الطلب على الدولار وضخامة الكتلة النقدية.

كما حذر من أن غياب حكومة موحدة وسياسة مالية منضبطة قد يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر خلال فترة تتراوح بين 6 و9 أشهر، موضحًا أن جوهر المشكلة يكمن في تضخم الإنفاق الاستهلاكي مقابل ضعف الإنفاق التنموي، في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يزيد الضغط على العملة الأجنبية.

واعتبر أن الإنفاق التنموي لا يمثل عبئًا إذا تم توجيهه بشكل صحيح نحو مشاريع البنية التحتية، مثل المستشفيات والطرق، لما لذلك من دور في تحريك عجلة الاقتصاد وتوفير فرص العمل، لافتًا إلى أن الإشكال يكمن في سوء إدارة هذه المخصصات وتحولها في بعض الحالات إلى قنوات غير قانونية.

كما تطرق إلى ملف الخدمات، مشيرًا إلى أن قطاع الصحة يعاني من نقص في المعدات رغم توفر الكفاءات، موضحًا أن مشروع توطين العلاج واجه تحديات نتيجة الفساد وسوء التنفيذ، ما أدى إلى استمرار ضعف الخدمات واستنزاف الموارد.

وأكد القماطي أن الاستقرار السياسي يمثل شرطًا أساسيًا لمعالجة الاختلالات الاقتصادية، معربًا عن أمله في أن يسهم أي توافق سياسي في الدفع نحو تشكيل حكومة موحدة، رغم وجود تحديات قد تعرقل هذا المسار.

وفي سياق متصل، انتقد إدخال مكاتب الصرافة كوسيط بين المصارف والمواطنين في عمليات بيع العملة، معتبرًا أن ذلك قد يفتح المجال أمام تسرب الموارد وزيادة الإنفاق، داعيًا إلى اعتماد التعامل المباشر مع المصارف ضمن إطار قانوني منظم.

ورغم هذه التحديات، توقع القماطي تسجيل انخفاض ملحوظ في سعر الدولار خلال الفترة القريبة، لكنه حذر من أن جشع بعض التجار قد يحدّ من انعكاس هذا التراجع على أسعار السلع، ما يقلل من استفادة المواطن.

وأرجع استمرار ارتفاع الأسعار رغم تراجع سعر الصرف إلى سلوكيات احتكارية وغياب الرقابة الفعالة، موضحًا أن الأسعار ترتفع سريعًا مع صعود الدولار، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تراجعه، ما يعكس خللًا واضحًا في آليات السوق.

وشدد على أن مسؤولية ضبط السوق تقع على عاتق الحكومات، من خلال فرض رقابة فعالة وتنظيم عمليات الاستيراد وضمان الشفافية في تحديد التكاليف وهوامش الربح، مشيرًا إلى أن التسعير العادل يجب أن يستند إلى معايير واضحة تشمل تكلفة الاستيراد والرسوم وهوامش ربح معقولة تتراوح عالميًا بين 10% و15%.

واختتم القماطي حديثه بالتأكيد على أن بناء اقتصاد مستقر يتطلب تكامل السياسات النقدية والمالية، وتعزيز الرقابة ومكافحة الفساد، إلى جانب توجيه الموارد نحو التنمية الحقيقية، بما يضمن استقرار سعر الصرف وتحسين مستوى الخدمات وتحقيق توازن اقتصادي مستدام.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى