الفلاح: عقيدة الجيش بالشرق الليبي ترتكز على وحدة الدولة

قال أستاذ التاريخ، علام الفلاح، إن الظهور الأول لرئيس حكومة الوحدة “عبد الحميد الدبيبة” للحديث عن المبادرة الأمريكية جاء في سياق اتسم – بحسب وصفه – بالاستخفاف، إذ لم يمنحها الجدية الكافية، واكتفى بالتأكيد على أولوية الذهاب إلى الدستور.
وأضاف الفلاح، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن هذا التناول لا يمكن فصله عن طبيعة الخطاب السياسي للدبيبة، مشيراً إلى أنه “لا يُعد من الشخصيات الرصينة في إدارة الشأن العام داخل الدولة الليبية.
كما اعتبر الفلاح أن المبادرة المطروحة اليوم ليست جديدة، بل تمتد جذورها إلى أفكار ورؤى ليبية طُرحت منذ عام 2015 خلال مسارات الحوار السياسي، وعلى رأسها اتفاق الصخيرات.
وأوضح أنه كان من بين المشاركين في تلك النقاشات التي جرت في عدة عواصم، من بينها تونس وروما وبروكسل وجنيف، حيث تم التطرق إلى ضرورة إشراك القوى الفاعلة على الأرض في بنغازي وطرابلس باعتبارها أطرافاً رئيسية في أي تسوية واقعية.
وأكد الفلاح أن التحرك الأمريكي الحالي يعكس عودة الاهتمام بملف ليبيا بعد سنوات من طرح الأفكار داخلياً، مشيراً إلى أن المبادرة الحالية جاءت نتيجة حوارات مجتمعية واتصالات متعددة، تبنت خلالها واشنطن جزءاً من الرؤى الليبية المتداولة.
وأشار إلى وجود تباينات في المنطقة الغربية، لا سيما في طرابلس ومصراتة، حيث تتصاعد أصوات ترى أن استمرار الدبيبة في المشهد ليس خياراً حتمياً، وأن من حق هذه المناطق الدفع نحو شخصية بديلة ضمن توافقات سياسية ومجتمعية.
كما لفت الفلاح إلى أن بعض الأطراف قد تستخدم ورقة رفض المبادرة كأداة ضغط على المجتمع الدولي، غير أنه شدد على أن الولايات المتحدة ليست طرفاً سهلاً في هذا السياق، مستشهداً بتجارب دولية سابقة، ومؤكداً أن أي حل يظل – في تقديره – نابعاً من الداخل الليبي حتى وإن تبنته أطراف خارجية.
وشدد على أن أي تسوية سياسية يجب أن تحترم السيادة الليبية وتستند إلى توافق حقيقي بين الأقاليم الثلاثة، معتبراً أن الجدل القائم بين مؤيدي المبادرة ورافضيها، والداعين إلى الاستفتاء على الدستور، يعكس استمرار الانقسام، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام إعادة صياغة مسار سياسي أكثر واقعية.
وأضاف أن هناك ضغطاً اجتماعياً وسياسياً في المنطقة الغربية، إلى جانب تيارات لا ترغب في استمرار الدبيبة، مقابل أطراف أخرى، من بينها تشكيلات مسلحة ومكونات داخل السلطة، ترى أن بقاء الدبيبة أو اختيار شخصية من داخل المنظومة القائمة هو الخيار الأنسب.
وشدد الفلاح على أن المسار لا يتوقف عند الداخل فقط، بل يرتبط أيضاً بمواقف القوى الإقليمية والدولية المؤثرة، مثل الولايات المتحدة وتركيا وفرنسا وإيطاليا ومصر، موضحاً أن هذه الأطراف قد تميل إلى الحفاظ على قدر من الاستقرار عبر الإبقاء على الترتيبات القائمة إذا رأت أن التغيير قد يفتح الباب لمزيد من الانقسام.
وأشار الفلاح إلى ما نقل عن رجب طيب أردوغان عبر أحد مستشاريه بشأن دعم المبادرة، معتبراً أن المواقف الدولية باتت أكثر وضوحاً في اتجاه الدفع نحو تسوية سياسية، حتى لو تطلب الأمر استبعاد بعض الأطراف الرافضة من المشهد.
وفي سياق متصل، بينّ الفلاح أن الموقف المعلن لرئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة برفض بعض الأطروحات لا يعكس بالضرورة ما يجري خلف الكواليس، مشيراً إلى أن ممثلين عنه شاركوا في الحوارات التي أُشرف عليها مسعد بولس، والتي حظيت لاحقاً بدعم من الأمم المتحدة في إطار مساعٍ لإضفاء شرعية دولية أوسع على مخرجاتها.
واعتبر الفلاح أن هذا التباين بين الخطاب العلني والمشاركة الفعلية في مسارات التفاوض يعكس ما وصفه بـ “المراوغة السياسية”، موضحاً أن الدبيبة يسعى من جهة إلى الحفاظ على موقعه عبر إظهار الرفض، بينما لا يمانع من جهة أخرى الانخراط في تفاهمات قائمة، خصوصاً في ظل دعم تتلقاه حكومته من بعض التشكيلات المسلحة والجهات الأمنية.
وأكد الفلاح أن المشهد السياسي ما يزال في طور التشكل، وأن جميع الأطراف تمارس قدراً من المناورة السياسية في انتظار ما ستفضي إليه التفاهمات الداخلية والتوافقات الدولية خلال الفترة المقبلة.
وفي سياق آخر، بين الفلاح أن ما يجري يعكس – من وجهة نظره – حالة انقسام داخل جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، مشيراً إلى بروز تيارات متباينة، بعضها بدأ يميل نحو الانخراط في العمل الوطني بعيداً عن الارتباطات الخارجية، في حين لا يزال تيار آخر متمسكاً بما وصفه بالمرجعيات التقليدية المرتبطة بقيادات خارج البلاد في لندن وتركيا وقطر.
واعتبر الفلاح أن هجوم الدبيبة يتركز على الجناح الرافض للانخراط في ترتيبات الشراكة السياسية القائمة، خاصة مع القوى في طرابلس سواء المدنية أو المدعومة بتشكيلات مسلحة لا تتبنى أيديولوجية محددة، لافتاً إلى أن هذا التيار يرى نفسه الأحق بالتمثيل السياسي، وهو ما يفسر حدة التوتر مع رئيس الحكومة.
وفي المقابل، أشار إلى أن عدداً من الشخصيات التي كانت محسوبة على الجماعة باتت تنخرط في مسارات سياسية مختلفة، من بينها زيارات إلى بنغازي ودرنة، بل إن بعضها أعلن ابتعاده عن التنظيم، وهو ما اعتبره مؤشراً على تحولات داخلية يمكن البناء عليها ضمن أي تسوية سياسية أوسع.
واستعاد الفلاح في معرض حديثه عن التجارب السابقة كواليس اتفاق الصخيرات، موضحاً أنه كان يفضّل إعلان الترتيبات السياسية بأصوات ليبية، بدلاً من إعلانها من أطراف دولية، حتى لا تُفسر باعتبارها وصاية خارجية أو تدخلاً أجنبياً.
وأكد أن الإشكالية الأساسية تكمن في توظيف الدين في العمل السياسي، معتبراً أن هذا الملف يظل محل خلاف واسع داخل ليبيا، ومشدداً على ضرورة الفصل بين المجالين كمدخل لأي توافق مستقبلي بين الأطراف المختلفة.
وفيما يتعلق بتصريحات المفتي المعزول الصادق الغرياني، قال الفلاح إن توصيفه كمفتي لليبيا محل جدل، لافتاً إلى أن حضوره يغلب عليه الطابع السياسي أكثر من الديني، وهو ما يعكس استمرار تداخل الدين والسياسة في المشهد الليبي.
وشدد الفلاح على أن الضامن الحقيقي لأي مسار سياسي لا يكمن في النصوص أو المسودات، بل في وزن الأطراف المنخرطة فيه، مشيراً إلى أن انخراط الولايات المتحدة بشكل مباشر يمنح هذا المسار قدراً أكبر من الجدية.
وأردف: أن واشنطن، بحسب قراءته، لا تنخرط في أي ملف إلا عندما تكون هناك نية فعلية لدفعه نحو التسوية، مستشهداً بالتحركات الدبلوماسية والعسكرية، بما في ذلك نشاطات “أفريكوم”، التي تعكس اهتماماً متزايداً بإنهاء الأزمة الليبية.
وفي سياق آخر، أكد الفلاح أن العقيدة السائدة داخل المؤسسة العسكرية في الشرق الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، تقوم على الحفاظ على وحدة الدولة الليبية، مشدداً على أن خيار التقسيم لا يُطرح إلا كاحتمال أخير في حال فشل جميع المسارات السياسية.









