التاجوري: أحداث «غرغور» قد تُصنّف جرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي
دعا المحامي والناشط الحقوقي، عصام التاجوري، إلى إطلاق مشروع شامل للعدالة الانتقالية، مؤكداً أن هذا الملف بات ضرورياً لمعالجة ما وصفه بتراكم الانتهاكات خلال السنوات الماضية، بما يشمل جرائم تعطيل الحياة السياسية، وأعمال العنف والتهديد، وصولاً إلى قضايا أكثر خطورة مثل الاعتداءات والخطف والاعتداء على المؤسسات الحكومية.
وأكد التاجوري، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أهمية التعامل مع أحداث “غرغور” التي شهدتها العاصمة طرابلس عام 2013 ضمن إطار قانوني ودولي منضبط، مع ضرورة النظر إلى حقوق الضحايا وما ترتب على تلك الوقائع من انتهاكات محتملة.
وشدد على ضرورة الترحم على الضحايا، مشيرًا إلى أن ما جرى لاحقًا من تطورات يستوجب – ولو بشكل جزئي – إعادة توصيف قانوني للأحداث، قد يصل إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وفقًا لنظام روما الأساسي، وبالأخص المادة السابعة، مع الإشارة إلى ما يتقاطع معها من قواعد القانون الدولي والقانون الوطني.
وأوضح التاجوري، أن هذا التوصيف يستند، بحسب وجهة نظره، إلى طبيعة الوقائع من حيث الضحايا ونوع السلاح المستخدم، إضافة إلى طبيعة الحقوق التي كانت محل استهداف، وفي مقدمتها الحق في التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي.
وأضاف أن اجتماع هذه المعايير – وفق ما وصفه بالإطار المتفق عليه في القانون الدولي – يفتح المجال قانونيًا لبحث ما إذا كانت تلك الأفعال ترقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة أو الجرائم ضد الإنسانية، خصوصًا في حال استهداف مدنيين يمارسون حقهم في الاحتجاج السلمي.
وتطرق التاجوري، إلى خلفية الاحتجاجات، موضحًا أن تحركات المواطنين في طرابلس خلال نوفمبر 2013 لم تكن مجرد تعبير عن رأي سياسي عابر، بل جاءت نتيجة ضغط شعبي واسع للمطالبة بتفعيل قرارات صادرة عن المؤتمر الوطني العام، تضمنت قرارات رقم (27) و(53)، والمتعلقة بإنهاء وجود المظاهر المسلحة وإخراج التشكيلات غير النظامية من داخل المدن والمقار العامة.
وأشار إلى أن تلك القرارات نصت على ضرورة ضبط انتشار السلاح الثقيل ومنع سيطرة التشكيلات المسلحة على المعسكرات والمواقع المدنية، مؤكدًا أن المطالب الشعبية آنذاك كانت تتمحور حول تنفيذ قرارات رسمية صادرة عن أعلى سلطة تشريعية في البلاد.
وبيّن التاجوري، أن خروج المواطنين للتظاهر جاء بهدف المطالبة بتفعيل تلك القرارات، وأن التحرك الشعبي اتخذ طابعًا سلميًا، حيث استخدم المشاركون الرموز السلمية مثل الرايات البيضاء، دون وجود نية للاعتداء أو المواجهة المسلحة، وفق تعبيره.
وفي سياق حديثه، أوضح التاجوري، أن مسؤولية حماية المتظاهرين تقع على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية، مؤكدًا أن أي تقصير في تأمين الاحتجاجات أو منع الانزلاق نحو العنف يندرج ضمن نطاق المسؤولية القانونية للدولة.
كما أشار إلى أن اختيار أماكن التظاهر داخل مناطق مدنية في طرابلس مثل منطقة “غرغور” كان ذا طابع رمزي، بهدف التأكيد على الطابع السلمي للاحتجاج، وليس استهداف أي مقار عسكرية أو أمنية، لافتًا إلى أن ذلك كان جزءًا من التعبير المدني عن المطالب.
وأكد التاجوري، على أن تحليل هذه الوقائع يجب أن يتم ضمن إطار المسؤولية القانونية للدولة عن حماية المواطنين وضمان حقهم في التظاهر السلمي، مع ضرورة التمييز بين الاحتجاج المدني المشروع وأي أعمال عنف قد تطرأ في سياقات لاحقة.
وأضاف التاجوري، أن قرار مجلس الأمن رقم 1970 الصادر عام 2011 بشأن الحالة الليبية، أحال الوضع في ليبيا إلى ولاية المحكمة الجنائية الدولية، ما يجعل مختلف الانتهاكات والجرائم، بما في ذلك استهداف المتظاهرين وجرائم القتل وانتهاك حقوق التعبير، خاضعة لاختصاص المحكمة دون الحاجة إلى إحالات جديدة في كل واقعة على حدة.
وأوضح أن هذا الإطار القانوني يعني أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يملك صلاحية متابعة التحقيقات في الجرائم المرتكبة داخل ليبيا، متى ما ثبت وجود عجز من الدولة الليبية عن ملاحقة أو تنفيذ أوامر القبض الصادرة بحق المتهمين.
ولفت التاجوري، إلى أن صدور حكم أو إجراء قضائي وطني بحق أحد المتهمين لا يمنع المحكمة الجنائية الدولية من فتح أو متابعة ملفه، خاصة في حال ثبوت عدم تنفيذ الحكم أو إفلاته من العقاب أو تعطّل العدالة بفعل ظروف القوة القاهرة أو الواقع الأمني.
وأضاف أن المطلوبين الفارين، والصادرة بحقهم أوامر قبض من مكتب النائب العام، يظلون ضمن دائرة اهتمام المحكمة الجنائية الدولية إذا ثبت عجز الدولة عن تنفيذ تلك الأوامر، ما يتيح استمرار فتح الملفات أمام المحكمة وفقًا لآلياتها القانونية.
وفي سياق حديثه عن ضحايا النزاع في ليبيا، أشار التاجوري، إلى وجود عشرات القتلى من النساء والأطفال وكبار السن، إضافة إلى مئات المصابين بإصابات متفاوتة، معتبراً أن بطء الإجراءات القضائية وتأخر إصدار وتنفيذ الأحكام يمثل مساسًا مباشرًا بحقوق الضحايا.
وأكد أن هذا التأخير يعكس في جوهره مؤشراً على محدودية قدرة الدولة على إنفاذ العدالة، رغم أن وجود الأحكام القضائية يمثل من الناحية الرمزية خطوة في إطار العدالة الانتقالية، إلا أنه لا يكفي دون وجود مسار شامل يشمل كشف الحقيقة وجبر الضرر والتعويض.
وانتقد التاجوري، غياب إطار وطني متماسك للعدالة الانتقالية في ليبيا، مشيراً إلى أن جميع الأطراف تميل إلى اعتبار نفسها ضحية، في حين يُنظر إلى الطرف الآخر كمتهم، الأمر الذي يعيق تشكيل لجان تقصي حقائق أو آليات فعالة للمصالحة وجبر الضرر.
وأكد على أن الفصل في القضايا لا يكتمل إلا بتنفيذ الأحكام من قبل السلطة التنفيذية، ممثلة في وزارتي الداخلية والدفاع، باعتبار أن القضاء يختص بإصدار الأحكام بينما يبقى التنفيذ مسؤولية الجهات التنفيذية المختصة.
وقال التاجوري، إن بعض الجماعات المسلحة لم تعد، بحسب وصفه، خارج إطار الدولة، بل أصبحت – كما يرى – جزءاً من بنية السلطة القائمة وتمارس تأثيراً سياسياً وأمنياً واقتصادياً واسعاً داخل المشهد الليبي.
وبينّ أن هذه الكيانات باتت، تشارك في إدارة الواقع السياسي وتفرض حضورها على طاولة الحوار الوطني والدولي، وتلعب دوراً في الترتيبات والمشاورات المتعلقة بالمشاريع السياسية المطروحة في البلاد.
وأردف: أن بعض هذه المجموعات تمتلك، أنظمة اقتصادية وأمنية واجتماعية شبه مستقلة عن مؤسسات الدولة الرسمية، ما أدى إلى تشابك في مراكز القوة وتداخل في السلطات، انعكس على أداء مؤسسات الدولة.
وأكد أن العدالة، حتى وإن تأخرت، تبقى رسالة حاسمة للحد من الإفلات من العقاب، مشيراً إلى أن أي مسار قضائي، بحسب وصفه، قد يشكل خطوة أولى نحو محاسبة المتورطين، سواء على المستوى المحلي أو الدولي.
وختم التاجوري، حديثه بالتأكيد على أن مسار المحاسبة، في حال انطلاقه، لن يستثني أحداً، وأنه قد يشمل شخصيات متعددة يُعتقد أنها لعبت أدواراً مؤثرة في المشهد خلال الفترات الماضية، داعياً إلى ترسيخ مبدأ سيادة القانون وعدم الإفلات من العقاب.









