التاجوري: مبادرة الإفراج عن السجناء تعزز الاستقرار الأمني والقانوني

قال المحامي عصام التاجوري إن ليبيا تشهد مساراً متدرجاً ومتكاملاً في ملف “تبييض السجون” والعفو العام، يقوم على إعادة تنظيم أوضاع المؤسسات العقابية وتصفية الملفات القانونية للنزلاء، وذلك في إطار مشروع أوسع تقوده القيادة العامة بهدف إغلاق الملفات العالقة وتعزيز الاستقرار القانوني والأمني، والانتقال من مرحلة الفوضى إلى بناء دولة المؤسسات.
وأوضح التاجوري، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، أن الإفراج عن نحو 250 نزيلاً من سجن “قرنادة” يمثل مبادرة كبرى ذات أبعاد قانونية وإنسانية واجتماعية، جاءت وفق توصيات وتعليمات القيادة العامة، وبإشراف مباشر من نائب القائد العام الفريق أول صدام حفتر، ومتابعة من اللجنة المختصة برئاسة المستشار إبراهيم أبوشناف، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تندرج ضمن سلسلة إجراءات مماثلة شملت سجوناً أخرى في وقت سابق.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات لا يمكن النظر إليها كمبادرة منفصلة، بل كجزء من مسار إصلاحي متصل يهدف إلى ترسيخ العدالة التصالحية وتعزيز الاستقرار المجتمعي، موضحاً أن توقيت الإفراجات الأخيرة تزامن مع قرب حلول عيد الفطر، ما أضفى عليها بعداً اجتماعياً إضافياً عزز قيم التراحم وخفف من التوتر داخل المجتمع.
كما لفت التاجوري إلى أن الإفراج عن 250 شخصاً لا يقتصر أثره عليهم فقط، بل يمتد إلى آلاف من أسرهم وأقاربهم وجيرانهم وزملائهم في العمل، بما يخلق حالة من الارتياح الاجتماعي ويعيد الطمأنينة إلى نطاق واسع من المجتمع، مؤكداً أن هذه الخطوات تسهم بشكل ملموس في تخفيف الأعباء النفسية والاجتماعية.
وأوضح التاجوري أن جميع الإفراجات تمت ضمن أطر قانونية واضحة وبالتنسيق مع النيابة العامة والجهات القضائية المختصة، لافتاً إلى أن بعض الحالات شملت نزلاء تنطبق عليهم شروط العفو، أو صدرت بحقهم قرارات إفراج أو أحكام براءة لم تُنفذ في وقتها لأسباب أمنية أو احترازية فرضتها المرحلة السابقة، مؤكداً أن تلك التدابير كانت مؤقتة ولا تمس أصل الحقوق القانونية.
وبيّن أن تحسن الأوضاع الأمنية حالياً يتيح تطبيق قرارات العدالة بشكل أكثر انتظاماً، مشدداً على أن فلسفة الحبس الاحتياطي أو التدابير الوقائية في مختلف الأنظمة القانونية تهدف لحماية المجتمع والضحايا، لكنها تبقى إجراءات مؤقتة لا يجوز تمديدها دون مبررات واضحة.
كما أكد التاجوري على أن هذه المبادرة لا ينبغي النظر إليها كحدث معزول، بل كجزء من مشروع أوسع يرتبط بتنظيم أوضاع السجون وتفعيل مسارات العدالة التصالحية، مؤكداً أن استقرار مؤسسات الدولة يتيح لها قيادة مشاريع العدالة الانتقالية بشكل أكثر فاعلية وتوازناً.
وفي السياق نفسه، لفت إلى أن قضايا حقوق الإنسان لم تعد ملفات هامشية، بل أصبحت جزءاً من المعادلات السياسية والضغوط الدولية، وهو ما يتطلب تعزيز الانضباط القانوني داخل مؤسسات الدولة، ومراجعة دقيقة لإجراءات السجون، وتحصينها من أي استغلال داخلي أو خارجي في التجاذبات السياسية.
كما بينّ أن الجهود الحالية تتجه نحو إغلاق هذا الملف تدريجياً عبر ملاحقة التجاوزات السابقة ومحاسبة من تورطوا في انتهاكات أو مخالفات قانونية، سواء عبر تقارير كيدية أو ممارسات غير مشروعة، موضحاً أن بعض هذه القضايا بدأت بالفعل تأخذ مسارها القانوني بدعم من المؤسسات الأمنية والعسكرية.
واعتبر أن هذا التوجه يمثل خطوة مهمة نحو إنصاف المتضررين وإعادة الاعتبار للحقوق، مؤكداً أن العدالة لا تكتمل دون معالجة هذه الملفات بشكل جاد وحاسم، بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات أو استغلال النفوذ تحت أي ظرف.
وفي سياق مشابه، أكد التاجوري أن ما بعد الإفراج لا يقل أهمية عن قرار الإفراج نفسه، إذ تبدأ مرحلة إعادة دمج المفرج عنهم داخل المجتمع، حيث تتحمل الأسرة والمحيط الاجتماعي الدور الأكبر في احتوائهم وفتح صفحة جديدة بعيداً عن الوصم أو التمييز.
ودعا إلى تعزيز دور المجتمع المدني والمؤسسات المختصة لإطلاق برامج دعم نفسي واقتصادي ومهني تساعد على إدماج المفرج عنهم اجتماعياً، وتمنع تحولهم إلى فئة مهمشة، مشيراً إلى ضرورة التعامل مع هذا الملف كقضية وطنية شاملة وليس عبر إجراءات متفرقة أو ردود فعل آنية.
كما تطرق إلى أهمية توفير فرص عمل وبرامج تدريب مهني بالتنسيق مع وزارات العمل والعدل والجهات ذات العلاقة، بما يضمن إعادة التأهيل العملي للمفرج عنهم، ويحُدّ من بقائهم خارج المنظومة الاقتصادية، محذراً من أن غياب هذا الدعم قد ينعكس سلباً على المدى البعيد.
وأضاف أن بعض المقترحات داخل اللجان المعنية تتجه إلى تسهيل عودة المفرج عنهم إلى وظائفهم السابقة أو إيجاد بدائل مهنية لهم، إلى جانب متابعة أوضاعهم الإدارية والوظيفية، بما يحقق ما وصفه بـ “الدمج النفسي والاجتماعي المتوازن”.
واختتم التاجوري حديثه بالتأكيد على أن السجن ليس مجرد عقوبة، بل وسيلة للإصلاح والتأهيل، غير أن نجاح هذه العملية لا يكتمل إلا باستمرار الدعم بعد الإفراج، عبر توفير بيئة اجتماعية واقتصادية حاضنة تمنع إعادة إنتاج الأزمات، مع ضرورة تجنب ترك المفرج عنهم دون متابعة، لما قد يسببه ذلك من تهميش أو انزلاق نحو مسارات سلبية.









