ليبيا

الغرياني: هجمات الجنوب الليبي تسعى للتشويش على جهود ترسيخ الأمن والتنمية

قال الناشط المدني عبد الله الغرياني، إن الهجوم الذي استهدف أقصى الجنوب الليبي يرتبط بشكل مباشر بالوضع الأمني المضطرب في دول الساحل الأفريقي، معتبراً أن الجماعات المنفذة للهجوم تمتلك ارتباطات بتنظيمات وفصائل مسلحة تنشط في مالي والنيجر وتشاد، وتسعى إلى التشويش على جهود القيادة العامة في ترسيخ الأمن والاستقرار وتنفيذ مشروعات التنمية في الجنوب.

وأوضح الغرياني، خلال مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها “الساعة 24″، أن أمن الجنوب الليبي لا يمكن فصله عن الأوضاع الأمنية في دول الساحل الأفريقي، مشيراً إلى أن اتساع الرقعة الجغرافية للجنوب، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية في دول الجوار، أسهما في استمرار نشاط الجماعات المسلحة، التي تتحرك عبر الحدود وتستفيد من المسالك الممتدة نحو شمال تشاد والنيجر ومالي.

وأضاف أن هذه المسارات كانت تمثل خطوط إمداد للحركات المسلحة في المنطقة، كما استخدمتها التنظيمات الإرهابية التي تحركت نحو ليبيا، لافتاً إلى أن تنظيم “داعش”، عندما فرض وجوده في مدينة سرت، وصل عبر تلك المسارات، وهو ما جعل تأمينها مهمة شديدة التعقيد، مؤكداً أن القيادة العامة تعمل منذ سنوات على معالجة ما وصفه بتراكمات نتجت عن سياسات سابقة.

وأشار إلى أن الجماعات المسلحة المنتشرة في الساحل الأفريقي ترتبط بتنظيمات تنشط في العمق الأفريقي، ولا سيما في مالي والنيجر وتشاد، مستفيدة، بحسب قوله، من حالة عدم الاستقرار الأمني والعسكري في تلك الدول، لافتاً إلى وجود امتدادات عرقية لبعض هذه الجماعات مع الحركات الانفصالية في شمال مالي، ومنها حركة تحرير أزواد.

وقال إن ما يحدث في المنطقة جاء نتيجة صراعات متواصلة تفاقمت منذ الانقلاب العسكري في النيجر والإطاحة بالرئيس محمد بازوم، وما أعقبه من تنافس دولي بين فرنسا وروسيا، وصل، بحسب قوله، إلى استهداف شحنات من اليورانيوم كانت مخصصة لشركات فرنسية.

وأضاف أن دول الجوار الجنوبي تمتلك موارد طبيعية كبيرة، لكنها تعاني في الوقت ذاته من اضطرابات أمنية مستمرة، مرجحاً استمرار حالة عدم الاستقرار، ومشيراً إلى أن ليبيا ترتبط بهذا المشهد نتيجة ما وصفه بسياسات النظام السابق، الذي قال إنه دعم لفترات طويلة بعض الحركات الانفصالية، الأمر الذي أدى إلى إنشاء مسالك وخطوط في الجنوب أصبحت شرايين إمداد لهذه المجموعات وصولاً إلى العمق الأفريقي.

ورأى الغرياني، أن ما يحدث حالياً يمثل امتداداً لتلك الارتباطات التاريخية، موضحاً أن من يقف وراء ما وصفه بالتمرد والهجمات يمتلك صلات بفصائل مسلحة، سواء كانت انفصالية أو راديكالية، تقاتل بدوافع وخلفيات عرقية وعقائدية.

وأوضح أن من يقود حالياً حركة تحرير أزواد كان، بحسب قوله، من بين قيادات ما يعرف بـ”الفيلق الإسلامي”، الذي قال إن ليبيا قامت بتمويله واستخدمته في حروب تشاد ولبنان، إضافة إلى صراعات في عدد من الدول الأفريقية، بهدف توسيع النفوذ الليبي في المنطقة آنذاك.

وأشار إلى أن هذه الجماعات تلقت دعماً كبيراً خلال فترة النظام السابق، وأن كميات كبيرة من الأسلحة التي وُزعت عليها عام 2011 أصبحت لاحقاً جزءاً من ترسانة تنظيمات متطرفة، من بينها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” الموالية لتنظيم القاعدة، بحسب قوله.

واعتبر الغرياني، أن الرسالة التي تسعى هذه الجماعات إلى إيصالها تتمثل في التشويش على مسار القيادة العامة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك جهود المصالحة الوطنية التي شهدتها مدينة مرزق، والتفاهمات بين مكونات المدينة، إلى جانب مشروعات التنمية والطرق الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع طريق الربط الوطني.

وأضاف أن تنفيذ هذه المشروعات يتعارض، بحسب رأيه، مع مصالح بعض الأطراف المتداخلة في دول الجوار الجنوبي، ما يجعل حدوث مثل هذه الاضطرابات أمراً متوقعاً، مؤكداً أن القوات المسلحة تدرك طبيعة هذه التهديدات ومستوى خطورتها، وتمتلك المعرفة الكافية بآليات التعامل معها، وهو ما يدفع تلك الجماعات إلى الاعتماد على الهجمات المباغتة.

وأكد أن هذه الهجمات ليست الأولى من نوعها، موضحاً أن الجماعات المسلحة تستفيد من اتساع الصحراء وصعوبة السيطرة الكاملة على الحدود، وتتحرك بصورة مفاجئة لتنفيذ عملياتها ثم تنسحب سريعاً، معتبراً أن ذلك يعكس استمرار حصولها على أشكال من الدعم.

وشدد على أن مواجهة هذه التهديدات لا ينبغي أن تقع على عاتق الجيش الليبي وحده، موضحاً أن حماية الحدود الجنوبية تمثل مسؤولية إقليمية ودولية، وأن القيادة العامة تعمل على هذا المسار من خلال اللقاءات التي يعقدها القائد العام ونائبه ورئيس الأركان مع مسؤولين عسكريين من دول الجوار والعمق الأفريقي، إضافة إلى مشاركاتها في اللقاءات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى أن طبيعة الجغرافيا فرضت على ليبيا مجاورة دول تعاني هشاشة أمنية مستمرة، مبيناً أن كثيراً من الليبيين لا يدركون طبيعة الجماعات المسلحة المنتشرة في تلك الدول ولا حجم التحديات التي تواجه مؤسساتها الأمنية والعسكرية.

وقال إن تشاد تعد، بحسب رأيه، الدولة الوحيدة التي حاولت إلى حد ما التعاون مع شركاء إقليميين ودوليين في تأمين الحدود، ونفذت عمليات مشتركة مع ليبيا لحماية الشريط الحدودي.

وأضاف أن الصراع في منطقة الساحل يرتبط أيضاً بالمصالح الدولية، موضحاً أن النيجر تنتج نحو 5% من احتياجات العالم من اليورانيوم، وأن فرنسا تعتمد، بحسب قوله، على اليورانيوم النيجري في تشغيل نسبة من مفاعلاتها النووية، كما أشار إلى امتلاك مالي موارد كبيرة من الذهب، معتبراً أن التنافس الدولي في المنطقة أصبح أكثر تعقيداً.

ولفت إلى ما وصفه بوجود دعم أوكراني لبعض العمليات التي استهدفت العاصمة المالية باماكو، مؤكداً أن ليبيا ليست بمعزل عن هذا المشهد، مستشهداً باستهداف مختار بلمختار في الصحراء الليبية، إضافة إلى عمليات نفذتها القيادة الأمريكية في أفريقيا ضد قيادات من تنظيم “أنصار الشريعة” في بنغازي.

وأوضح أن الجنوب الليبي يمثل شرياناً مهماً للجماعات المسلحة، مكرراً أن السياسات السابقة، بحسب وصفه، أسهمت في دعم هذه المجموعات وتسليحها ومنحت بعض المكونات العرقية نفوذاً واسعاً في الصحراء، مؤكداً احترامه لجميع المكونات الاجتماعية باعتبارها جزءاً من النسيج الوطني الليبي، لكنه رفض منح أي طرف سيادة منفردة على المناطق الصحراوية أو تركها خارج سلطة الدولة.

وأشار إلى أن عدداً من قيادات حركة تحرير أزواد كانت تنشط داخل ليبيا، وأن لقاءات جرت، وفق قوله، مع ممثلين عنها، إضافة إلى تحركات واجتماعات في النيجر وموريتانيا ومالي، معتبراً أن المسارات الليبية تمثل خطوط إمداد مهمة لهذه التنظيمات، وهو ما دفع القيادة العامة إلى العمل على تجفيف منابعها وتدمير خطوط إمدادها وفرض واقع أمني جديد يعتمد على عمل عسكري منظم.

وأضاف أن من يطرحون مشاريع بديلة مطالبون بتوضيح رؤيتهم السياسية والأمنية، متسائلاً عن المشروع الذي تحمله هذه الجماعات والجهة التي تتبعها والشرعية التي تتحرك بموجبها، في ظل ما وصفه بحالة الاستقرار التي تشهدها مناطق الجنوب وتنفيذ مشروعات استراتيجية مثل طريق الربط الوطني.

وأكد أن الجهود الدولية ستستمر لمواجهة التنظيمات المتطرفة، مشيراً إلى أن التدريبات العسكرية التي أُجريت في سرت جاءت أساساً لمواجهة المخاطر القادمة من الجنوب، وأن القوات المشاركة تلقت تدريبات خاصة للتعامل مع هذا النوع من التهديدات.

وشدد على أن العناصر التي تقود هذه التحركات، بحسب قوله، ليست ليبية ولا تعترف بالسيادة الوطنية أو الحدود الجغرافية للدولة، داعياً الجزائر والمغرب ومصر وتونس، إلى جانب دول المنطقة، إلى الاضطلاع بأدوار أكبر في مواجهة هذه التهديدات، وبناء منظومة استخباراتية وأمنية قادرة على جمع المعلومات من عمق مناطق الاضطرابات.

وأشار إلى أن منطقة الساحل تنشط فيها ما بين ستة وسبعة تنظيمات متطرفة، من بينها “بوكو حرام” وتنظيم “الدولة” في ولاية الساحل، موضحاً أن هذه التنظيمات تشهد انقسامات داخلية لكنها ما زالت تمثل تحدياً أمنياً كبيراً، معتبراً أن اللقاءات التي عقدتها القيادة العامة مع عدد من الدول، بينها فرنسا وتركيا وروسيا، تأتي في إطار بناء تعاون عسكري لمواجهة هذه التحديات.

واعتبر الغرياني، أن الهجمات التي تنفذها تلك الجماعات لا تمثل في الوقت الراهن تهديداً استراتيجياً كبيراً، واصفاً إياها بأنها عمليات عبثية مقارنة بما تشهده دول أخرى في المنطقة، لكنه حذر من إمكانية تطور الخطر مستقبلاً إذا تمكنت هذه الجماعات من استقدام مزيد من المقاتلين أو تعزيز تعاونها مع حركة تحرير أزواد أو جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.

وأكد أن القيادة العامة تمتلك، بحسب رأيه، رؤية استراتيجية متكاملة مدعومة بأجهزة استخبارات واستطلاع وجمع معلومات، تمكنها من التعامل مع هذه التهديدات، موضحاً أن الخطر لا يتمثل في وجود دولة أو حكومة تقف بشكل مباشر خلف تلك الجماعات، وإنما في استغلالها لتنفيذ أهداف محددة قد تتطور مستقبلاً.

وأضاف أن هناك، وفق تقديره، أطرافاً داخل ليبيا تدعم هذه التحركات وتساندها إعلامياً وسياسياً، معتبراً أن هدفها إدامة حالة الفوضى لأنها لا ترى لنفسها مكاناً في أي تسوية سياسية مستقبلية، مؤكداً أن القوات المسلحة تمكنت، بحسب وصفه، من وقف هذه الدوامة الأمنية في الجنوب ومناطق أخرى من البلاد، وأن استمرار دعم مثل هذه الجماعات لن يخدم استقرار ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى