اخبار مميزةاقتصاد

فرج السائح: أزمة المركزي تتجاوز استقالة المحافظ

أكد الأكاديمي واستشاري الحوكمة والتطوير المؤسسي فرج السائح أن جوهر الأزمة المرتبطة بمصرف ليبيا المركزي لا يتعلق بشخص المحافظ، سواء كان الحالي أو السابق أو القادم، وإنما بالبيئة المؤسسية والسياسة الاقتصادية التي أنتجت الوضع الراهن.

وقال السائح، في حديث من طرابلس على قناة الوسط في برنامج الثامنة، رصدته “الساعة 24” إن السؤال المطروح لا ينبغي أن يكون فقط: «لماذا استقال المحافظ؟ ومن سيشغل منصب المحافظ القادم؟»، وإنما يجب أن ينصب على البيئة المؤسسية التي سيعمل فيها المحافظ، مشدداً على ضرورة إعادة بناء المنظومة الاقتصادية والإدارية للدولة الليبية بصورة كاملة.

وأوضح أن ليبيا تمر بأزمة سياسية وانقسامات بين الشرق والغرب، مع وجود مصادر قوة في المناطق المختلفة تؤثر في القرار السياسي وفي صناعة القرار داخل مصرف ليبيا المركزي، معتبراً أن المشكلة الرئيسية تتمثل في كيفية العمل معاً لضمان استقلالية قرار المصرف المركزي، ولا سيما القرار المتعلق بالسياسة النقدية.

وأشار السائح إلى أن مصرف ليبيا المركزي لا يستطيع العمل بمفرده خارج منظومة اقتصادية متكاملة، معتبراً أن غياب التكامل بين السياسات المالية والتجارية والنقدية يمثل عاملاً رئيسياً في عدم الوصول إلى منظومة اقتصادية مستقرة.

وقال إن ليبيا، في ظل الانقسام السياسي، تعاني وجود حكومتين في الشرق والغرب، معتبراً أن السياسات المالية والتجارية لا تزال تفتقر إلى التكامل المطلوب، وأن المصرف المركزي يجد نفسه غير قادر على بناء سياسة نقدية بمعزل عن هذه السياسات.

وأكد أن تغيير المحافظ، أياً كان الشخص الذي سيتولى المنصب، لن يكون كافياً لمعالجة الأزمة، موضحاً أن المشكلة تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة البيئة المؤسسية التي يعمل داخلها المصرف.

وحول تأثير أزمة المحافظ في السياسة النقدية وسعر صرف الدينار، قال السائح إن مصرف ليبيا المركزي «لن يستطيع أن يشتغل لوحده خارج المنظومة الاقتصادية الكاملة للدولة»، مشيراً إلى أن غياب السياسات المالية والتجارية المتكاملة مع السياسة النقدية هو العامل الرئيسي في عدم بناء منظومة اقتصادية متكاملة.

وأضاف أن استقرار الاقتصاد يتطلب تكامل ثلاثة أذرع رئيسية، هي الذراع النقدي والمالي والتجاري، معتبراً أن أي محافظ، مهما كانت خبرته، لن يستطيع بمفرده تحقيق الاستقرار في ظل غياب هذا التكامل.

وفيما يتعلق بالتوصيات المطروحة بشأن الاستعانة بشركات دولية متخصصة لمراجعة التدفقات والالتزامات المرتبطة بالنقد الأجنبي، رأى السائح أن هذه الحلول «قد تكون مهمة وقد تساعد في إعادة إصلاح المنظومة الاقتصادية في الدولة الليبية»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن السياسة النقدية وحدها لن تستطيع خلق الاستقرار في سعر الصرف أو توفير السيولة في ظل غياب سياسات مالية وتجارية متكاملة.

وأشار إلى أنه سبق أن طرح، قبل نحو خمس سنوات، خلال اجتماعات وملتقيات مع مسؤولين في الدولة، ضرورة تحقيق التكامل بين السياسات النقدية والمالية والتجارية، بهدف الخروج من الأزمة وبناء منظومة اقتصادية متكاملة، موضحاً أن عدم اجتماع المسؤولين المعنيين على طاولة واحدة لصناعة سياسة اقتصادية موحدة لا يزال يمثل مشكلة قائمة.

وحول قدرة اللجنة الفنية التي يقودها المجلس الرئاسي على جمع الفرقاء ووضع سياسة اقتصادية متكاملة وحماية استقلالية مصرف ليبيا المركزي، طرح السائح مقترحاً يقضي بإبعاد المصرف المركزي عن مصادر ومناطق النفوذ، ونقل إدارته الرئيسية والمحافظ إلى منطقة محايدة داخل ليبيا، على أن تتولى قوة مشتركة من الأطراف المتصارعة حماية المصرف من التدخلات المباشرة في صناعة القرار.

وشدد على أن المقصود ليس الاستعانة بقوة أجنبية، وإنما تشكيل قوة مشتركة من الأطراف الليبية المتصارعة، مقترحاً الاستفادة من منطقة محايدة مثل الجفرة لتوفير بيئة أكثر استقلالية للمصرف المركزي، أو تفعيل اللجنة المالية العليا المشتركة في ظل الضغوط القائمة في الشرق والغرب.

وقال السائح إن استمرار الضغوط على المصرف المركزي لن يسمح، في تقديره، لأي لجنة أو للمصرف نفسه بوضع سياسة حقيقية تنتشل الاقتصاد الليبي وتمنح المواطنين ضمانات بشأن الاستقرار الاقتصادي.

وحذر من أن تأثير المالية العامة على الدينار ينعكس مباشرة على المواطن، قائلاً إن مداخيل المواطنين بدأت تتآكل، وإن الطبقات الهشة والمهمشة تتضرر بصورة أكبر، فيما تتآكل الطبقة الوسطى وتتسع الضغوط على الفئات الواقعة تحت خط الفقر.

وفي ختام حديثه، دعا السائح اللجان المختصة وصناع القرار وكل من يعنيه الشأن العام الليبي إلى التعامل مع الأزمة بجدية، مجدداً مقترحه بنقل الإدارات الرئيسية لمصرف ليبيا المركزي والمحافظ إلى منطقة محايدة داخل ليبيا «إلى حين» معالجة الظروف القائمة، مشيراً إلى وجود تجارب سابقة يمكن الاستفادة منها في هذا السياق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى