الغرياني: التوافقات الدولية والإقليمية تدفع ليبيا نحو تسوية سياسية وانتخابات

قال الناشط السياسي عبد الله الغرياني إن التطورات السياسية الأخيرة في ليبيا، ولا سيما ما أُنجز في إطار اللجنة المصغرة «4+4»، تعكس وجود توافق دولي وإقليمي متزايد على الدفع باتجاه تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الانقسام وتُمهّد لمرحلة من الاستقرار وصولاً إلى إجراء انتخابات عامة وتجديد الشرعية السياسية.
وأوضح الغرياني، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” رصدتها “الساعة 24″، حول مستجدات المشهد الليبي، أن توقيع اتفاق «4+4» في 31 أغسطس شكّل مؤشراً مهماً على إمكانية تحقيق تقدم سياسي خلال فترة زمنية وجيزة، مشيراً إلى أن هذا المسار حظي بإشارات دعم وترحيب من أطراف دولية وإقليمية مختلفة.
وأضاف أن أهمية الاتفاق تأتي في ظل حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات، والتي كانت، بحسب تقديره، من أبرز العوامل التي حالت دون استكمال العملية الانتخابية التي كانت مقررة في ديسمبر 2021.
وأشار الغرياني إلى أن اللجنة المصغرة «4+4» ليست مساراً منفصلاً عن بقية المسارات المعنية بالأزمة الليبية، وإنما تأتي ضمن مجموعة من الأطر السياسية والأمنية والعسكرية، من بينها صيغ «3+3» و«1+1»، وغيرها من قنوات التواصل التي تستهدف الوصول إلى تسوية تنهي الانقسام وتوفر الظروف الملائمة للانتقال إلى مرحلة الاستقرار.
وقال إن المرحلة الحالية يمكن وصفها بأنها مرحلة «تهيئة» تسبق الاستقرار السياسي الدائم، موضحاً أن الهدف النهائي، وفق رؤيته، يتمثل في الوصول إلى ترتيبات انتقالية محددة المدة، تفضي إلى انتخابات واستعادة الشرعية عبر صناديق الاقتراع.
وأضاف أن المؤشرات الدولية والإقليمية، وفق قراءته، أصبحت أكثر وضوحاً في دعم هذا الاتجاه، مستشهداً بتصريحات ومواقف أميركية تحدثت عن ضرورة الدفع بالعملية السياسية وتنظيم الاتفاقات القائمة بما يفضي إلى استقرار سياسي مستدام في ليبيا.
وأكد أن وجود جداول زمنية وآليات عمل وتواريخ محددة يمثل، من وجهة نظره، أحد العناصر الإيجابية في المرحلة الراهنة، باعتبار أن العملية لم تعد مجرد مبادرات سياسية مفتوحة بلا سقف زمني، وإنما أصبحت مرتبطة بمواعيد واستحقاقات يترقبها الداخل الليبي والأطراف الدولية المعنية.
ويرى الغرياني أن المواقف الدولية الأخيرة تعكس وجود رهان على إنجاح المسار السياسي، بما في ذلك احتمال رعاية أو استضافة ترتيبات مرتبطة بالتوقيع على الاتفاقات النهائية، مشيراً إلى أن الحديث عن تحديد مدد زمنية للعملية السياسية بات أكثر حضوراً من السابق.
وشدد على أن الأزمة الليبية، بحسب تقديره، لا يمكن فصلها عن محيطها الإقليمي، وأن أي تسوية داخلية ستظل مرتبطة بدرجة كبيرة بمواقف القوى الإقليمية الفاعلة، وفي مقدمتها تركيا ومصر وغيرها من الدول المؤثرة في الملف الليبي.
وتطرق الغرياني إلى التطورات الأمنية في غرب ليبيا، مشيراً إلى أن تركيا تمثل، وفق تقديره، لاعباً إقليمياً أساسياً في هذا المشهد، وأن الأحداث التي شهدتها مدينة الزاوية وما رافقها من تحركات واشتباكات مسلحة أظهرت أهمية الدور الإقليمي في احتواء التصعيد.
وأشار إلى أن توقف الاشتباكات عقب تدخلات واتصالات إقليمية، وما أعقب ذلك من لقاءات بين أطراف محلية ومسؤولي الحكومة، يمثل دليلاً، من وجهة نظره، على أن القوى الإقليمية لا ترغب في عودة الصراع المسلح إلى الواجهة.
وأضاف أن وجود مجموعات مسلحة وقوى أجنبية داخل العاصمة يمثل جزءاً من تركيبة أمنية وسياسية تشكلت خلال السنوات الماضية، وأن السلطة السياسية الحالية ورثت هذه المعادلة واستمرت في التعامل معها.
وأكد في الوقت ذاته أن التلويح بالحرب أو العودة إلى الصراع المسلح أصبح خياراً مرفوضاً، وفق تقديره، على المستويين الإقليمي والدولي، نظراً لما قد يترتب عليه من تعميق للانقسام وإعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار.
وربط الغرياني الوضع الليبي بالتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مشيراً إلى أن ملفات سوريا والعراق ولبنان والسودان وغيرها تعكس وجود تحولات واسعة في طبيعة الصراعات والتسويات الإقليمية.
وقال إن التطورات التي شهدتها سوريا، وما أعقبها من تغيرات سياسية وعسكرية، إضافة إلى المسارات التي اتخذتها ملفات العراق ولبنان، تؤكد، بحسب رؤيته، أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، ولا يمكن عزل ليبيا عنها.
وأضاف أن الملف السوداني يمثل بدوره عاملاً مؤثراً في البيئة الإقليمية المحيطة بليبيا، مشيراً إلى التحركات الإقليمية والدولية الرامية إلى الوصول إلى تسوية للصراع في السودان.
وأكد أن ليبيا، من وجهة نظره، لا يمكن أن تُقرأ باعتبارها ملفاً منفرداً، وإنما ضمن شبكة أوسع من التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
وفي سياق حديثه عن المواقف الرافضة للمسار السياسي الحالي، قال الغرياني إن هناك أصواتاً داخل ليبيا تعارض بشدة الترتيبات الجارية، معتبراً أن بعض هذه القوى نشأت أو اكتسبت نفوذها خلال مراحل الصراع المسلح والانقسام التي مرت بها البلاد.
وأشار إلى أن هذه التيارات، بحسب وصفه، كانت حاضرة في مراحل سابقة من الصراع، وارتبط بعضها ببيئة «فجر ليبيا» والفصائل المسلحة، كما اتخذت مواقف مؤيدة أو معارضة لمسارات سياسية وعسكرية مختلفة وفقاً لتطورات المشهد.
وأضاف أن جزءاً من هذه القوى يرتبط، وفق تقديره، بعلاقات خارجية، وأن حضورها داخل المشهد السياسي والأمني الحالي أصبح جزءاً من الواقع الذي أفرزته التسويات السابقة والعملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة.
وأكد الغرياني أن السلطة القائمة في طرابلس اكتسبت شرعيتها الدولية من المسار السياسي الذي رعته الأمم المتحدة، وأن المجتمع الدولي، ممثلاً في مؤسساته المختصة، أصبح اليوم معنياً بإعادة توجيه العملية السياسية نحو مرحلة جديدة.
وأوضح أن البعثة الأممية، ليست صاحبة القرار النهائي في الملف الليبي، وإنما تعمل ضمن إطار الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، الذي يمثل المرجعية الدولية الأساسية للعملية السياسية.
وأضاف أن المسار الحالي يحظى بدعم أممي، وأن مجلس الأمن دعا إلى تسريع تنفيذ التفاهمات والانتقال إلى مرحلة تهيئة سياسية جديدة تسبق الوصول إلى الاستقرار الدائم.
وبحسب الغرياني، فإن المرحلة المقبلة قد تتضمن ترتيبات تتعلق بالسلطة التنفيذية، والحكومة، والمجلس الرئاسي، إضافة إلى آليات التفاوض بشأن شكل السلطة الانتقالية ومدتها، وصولاً إلى الانتخابات.
وأشار الغرياني إلى أن استمرار السلطة التنفيذية الحالية لفترة مفتوحة يمثل، بحسب رأيه، أحد أبرز الإشكالات التي تواجه العملية السياسية، موضحاً أن هذه السلطة جاءت في الأصل بمهام محددة، أبرزها تهيئة الظروف لإجراء الانتخابات والمساهمة في المصالحة الوطنية.
وقال إن السلطة، مع مرور الوقت، أصبحت أمراً واقعاً سياسياً وأمنياً، وهو ما يستدعي، من وجهة نظره، الدخول في مفاوضات جادة لتحديد شكل المرحلة الانتقالية ومدتها، بدلاً من استمرار الوضع الحالي دون سقف زمني واضح.
وأضاف أن السيناريو المطروح يمكن أن يقوم على مرحلة انتقالية قصيرة ومحددة المدة، يليها تنظيم انتخابات عامة تتيح للشعب الليبي اختيار مؤسساته وقيادته السياسية وتجديد الشرعية الانتخابية.
ويرى الغرياني أن صيغة «4+4» تمثل، رغم تعقيداتها، أحد الأطر الواقعية المتاحة في المرحلة الحالية، مشيراً إلى أن تركيبة المشاركين والجهات المنخرطة فيها أصبحت معروفة منذ الإعلان عن اللجنة.
وقال إن وجود أطراف جادة وأخرى تتحفظ أو تناور داخل العملية التفاوضية لا يعني بالضرورة انهيار المسار، خصوصاً في ظل وجود ضامنين إقليميين ودوليين، إلى جانب مجلس الأمن والبعثة الأممية، وجميعها تضغط باتجاه تثبيت التفاهمات ومنع العودة إلى المواجهة المسلحة.
وأكد أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان التزام جميع الأطراف بما يتم الاتفاق عليه، وعدم استخدام المسارات السياسية كغطاء لاستمرار التنافس العسكري أو السياسي.
وتحدث الغرياني عن دور القيادة العامة في شرق ليبيا، معتبراً أنها تمثل، وفق قراءته، أحد الأطراف الرئيسية في المعادلة الليبية الحالية.
وأشار إلى أن القيادة العامة سبق أن أعلنت دعمها لإجراء الانتخابات والتوافق على القوانين الانتخابية، كما رحبت، بحسب قوله، بالجهود التي تهدف إلى إنهاء الانقسام والوصول إلى تسوية سياسية.
وفي المقابل، وجه انتقادات إلى السلطة في طرابلس، متهماً إياها بتوسيع نفوذها السياسي والأمني خلال السنوات الماضية، وبإعادة تشكيل موازين القوى داخل العاصمة.
وقال إن التحولات التي شهدتها طرابلس أوجدت واقعاً أمنياً وسياسياً جديداً، الأمر الذي يجعل أي عملية تفاوضية مقبلة مطالبة بالتعامل مع هذا الواقع وليس تجاهله.
وشدد الغرياني على أن الحل، في رأيه، لا يمكن أن يقوم على إقصاء أي طرف رئيسي من المعادلة، وإنما يتطلب مفاوضات جدية تفضي إلى ترتيبات واضحة بشأن السلطة والمرحلة الانتقالية والانتخابات.
وأشار إلى أن لقاءات المسؤولين الليبيين خلال الفترة الماضية أظهرت، بحسب تقديره، وجود رغبة لدى بعض الأطراف في الانتقال من حالة الصراع إلى التفاوض، معتبراً أن هذه الرغبة تمثل فرصة يمكن البناء عليها.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات عملية قابلة للتنفيذ، وإخضاع المرحلة الانتقالية لجدول زمني واضح، بما يمنع تحولها إلى وضع دائم.
وفي جانب آخر من حديثه، انتقد الغرياني استمرار خطاب الكراهية والتعبئة السياسية والإعلامية، معتبراً أن هذا الخطاب يتناقض مع روح الاتفاقات السياسية التي تعلن الأطراف نفسها دعمها.
وتساءل عن مدى قدرة المسؤولين المشاركين في العملية السياسية على الحد من خطاب التحريض الذي يصدر عن بعض وسائل الإعلام والشخصيات والجهات المحسوبة على أطراف سياسية، مشيراً إلى أن نجاح أي اتفاق يحتاج إلى بيئة سياسية وإعلامية مساندة.
كما انتقد حالة التباين داخل مؤسسات السلطة، مشيراً إلى اختلاف مواقف بعض أعضاء المجلس الرئاسي والحكومة تجاه الاتفاقات والمسارات السياسية المطروحة.
واعتبر الغرياني أن التطور الأبرز في المرحلة الحالية يتمثل في أن العملية السياسية لم تعد، بحسب وصفه، شأناً داخلياً خالصاً، وإنما تحظى بمراقبة وضغط دولي وإقليمي مباشرين.
وقال إن مجلس الأمن والدول الإقليمية والدولية المعنية بالملف الليبي تملك أدوات ضغط مختلفة لدفع الأطراف نحو الالتزام بالتفاهمات، مؤكداً أن التطورات الجيوسياسية المحيطة بليبيا تجعل استقرار البلاد مصلحة إقليمية ودولية متزايدة الأهمية.
وأشار إلى الأوضاع في منطقة الساحل، والانقلابات العسكرية في بعض دولها، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة والإرهابية، إضافة إلى الحرب في السودان، معتبراً أن هذه الملفات مجتمعة تزيد من أهمية منع انتقال الاضطرابات إلى ليبيا.
وحذر الغرياني من أن استمرار الانقسام أو عودة القتال في ليبيا سيكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الليبية، في ظل موقع البلاد الجغرافي وتداخل ملفات الأمن والهجرة والطاقة ومكافحة الإرهاب مع مصالح دول المنطقة والقوى الدولية.
وأضاف أن التطورات الإقليمية، إلى جانب التحولات في السياسة الأميركية، تشير، وفق قراءته، إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها قد يمارسون ضغوطاً أكبر لدفع الأطراف المتصارعة نحو تسويات سياسية.
وأشار إلى أن الإدارة الأميركية الحالية، بحسب تقييمه، تتعامل مع ملفات الصراع الإقليمية بمنطق مختلف يقوم على ممارسة ضغوط مباشرة على الأطراف من أجل دفعها إلى التفاوض، مستشهداً بمواقفها من ملفات دولية وإقليمية أخرى.
وخلص الغرياني إلى أن ليبيا تقف أمام فرصة مهمة لتثبيت مسار سياسي جديد، معتبراً أن الظروف الدولية والإقليمية الحالية لا تشجع على عودة الحرب، بل تدفع باتجاه التسوية.
وقال إن وجود اتفاقات محددة، ومواعيد معلنة، ومراقبة دولية وإقليمية، يمثل عناصر يمكن البناء عليها لإنجاح العملية السياسية، شرط أن تلتزم الأطراف بما يتم الاتفاق عليه.
وأكد أن الهدف النهائي يجب أن يكون الوصول إلى مرحلة انتقالية محددة المدة تنتهي بإجراء انتخابات عامة، بما يسمح للشعب الليبي باختيار مؤسساته وقيادته السياسية وتجديد الشرعية الانتخابية.
وأضاف أن بعض الأطراف داخل ليبيا قد لا تكون مستعدة في الوقت الراهن لاستيعاب حجم الضغوط والتحولات المقبلة، إلا أن التطورات الإقليمية والدولية، وفق تقديره، قد تفرض خلال المرحلة القادمة ترتيبات جديدة تدفع باتجاه تنفيذ التفاهمات السياسية وعدم العودة إلى مربع الصراع المسلح.
وأشار إلى أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف الليبية على تجاوز الحسابات الآنية، والانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، عبر اتفاق سياسي شامل، ومرحلة انتقالية محددة، ثم انتخابات تفضي إلى سلطة تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية.









