الشحاتي: تعويم الدينار الآن قد ينقل قرار سعر الصرف إلى سوق محدودة العمق

حذر الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي، من الدعوات إلى تعويم الدينار الليبي في المرحلة الحالية، معتبرًا أن تحرير سعر الصرف قبل تهيئة المؤسسات والأدوات النقدية اللازمة قد يؤدي إلى انتقال قرار تحديد قيمة الدينار من مصرف ليبيا المركزي إلى سوق محدودة العمق تتأثر بالمضاربة والتوقعات ونقص المعلومات.
وقال الشحاتي، عبر حسابه على «فيسبوك»، إن التعويم الناجح لا يمثل مجرد قرار إداري بتحرير سعر الصرف، بل يفترض وجود سوق قادرة على اكتشاف السعر، إلى جانب مؤسسات وسياسات تضمن أن يعكس السعر الأساسيات الاقتصادية بدرجة معقولة، بدلًا من أن يكون انعكاسًا للخوف والمضاربة والتوقعات السلبية.
وأضاف أن السوق القادرة على أداء هذه الوظيفة تحتاج إلى معلومات اقتصادية ومالية ونقدية موثوقة، ومؤسسات مالية تحظى بالثقة، وقواعد واضحة للائتمان والاستثمار والتحويلات، فضلًا عن قدرة المصرف المركزي على التدخل عندما تتحول تقلبات السوق إلى تهديد للاستقرار المالي.
وأشار الشحاتي، إلى أن هذه الشروط، بحسب تقديره، غير متوافرة في ليبيا بالقدر الذي يسمح بنقل مسؤولية تحديد قيمة الدينار إلى السوق، مؤكدًا في الوقت نفسه أن العامل المالي يظل جزءًا مهمًا من تفسير تطورات سعر الصرف، خصوصًا بالنظر إلى آثار سنوات انخفاض أسعار النفط وتراجع الإنتاج والإغلاقات النفطية وتراكم الالتزامات العامة.
وأوضح أن الإنفاق العام لا يؤدي بصورة آلية إلى انخفاض سعر الصرف، وإنما ينتقل أثره من خلال قنوات متعددة، أبرزها زيادة السيولة والطلب وانتقال جزء من هذه السيولة إلى سوق النقد الأجنبي، معتبرًا أن قدرة المصرف المركزي على إدارة السيولة تمثل عاملًا مهمًا في تحديد حجم انتقال الصدمة المالية إلى سعر الصرف.
ولفت إلى أن صندوق النقد الدولي شدد في تقييماته الأخيرة لليبيا على الحاجة إلى تعزيز إطار السياسة النقدية وتوفير أدوات إضافية لإدارة السيولة، كما أشار إلى أهمية وجود إطار نقدي فعال وسعر سياسة نقدية واضح.
ويرى الشحاتي، أن القيود المرتبطة بسعر الفائدة تزيد من أهمية تطوير أدوات نقدية بديلة وفعالة، معتبرًا أن تحرير سعر الصرف قبل استكمال هذه الأدوات قد يحد من قدرة السياسة النقدية على التعامل مع التقلبات والضغوط على العملة.
وأكد أن نظام الصرف المرن لا يعني غياب دور المصرف المركزي، بل يتطلب، وفق طرحه، قدرة أكبر على إدارة السيولة والائتمان والاحتياطيات والحفاظ على الثقة والتدخل في سوق الصرف عندما تتحول التقلبات إلى اضطرابات غير منظمة.
وأشار إلى أن صندوق النقد الدولي دعا بالفعل إلى تطوير إطار فعال للسياسة النقدية وتعزيز قدرة مصرف ليبيا المركزي على التعامل مع الضغوط المالية والنقدية، مع التأكيد على أن تعديل سعر الصرف لا يمكن أن يحل محل الإصلاح المالي.
وحذر الشحاتي، من أن تحرير سعر الصرف في سوق محدودة السيولة قد يؤدي إلى تكريس السعر الذي تنتجه السوق الموازية بدلًا من إصلاح الأسباب التي أدت إلى نشوئها، موضحًا أن انخفاض قيمة الدينار قد يدخل في حلقة من التوقعات السلبية وزيادة الطلب على النقد الأجنبي ومزيد من الضغط على العملة.
وشدد على أن ذلك لا يعني رفض التعويم من حيث المبدأ، معتبرًا أن سعر الصرف الأكثر مرونة يمكن أن يكون، في مرحلة لاحقة، جزءًا من نظام نقدي أكثر تطورًا، لكن نجاحه يتطلب بناء إطار نقدي واضح، وأدوات فعالة لإدارة السيولة، وبيانات اقتصادية منتظمة وشفافة، وسوق صرف أكثر عمقًا وتنافسية، وقواعد واضحة لتدخل المصرف المركزي.
كما دعا إلى معالجة الآثار المتراكمة للاختلالات المالية السابقة، مع التمييز بين الإرث المالي الناتج عن سنوات انخفاض الإيرادات النفطية والإغلاقات وبين طبيعة العجز الجاري في كل فترة.
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الدعوة إلى تعويم الدينار في الظروف السياسية والمالية والنقدية الراهنة «سابقة لأوانها»، معتبرًا أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء المؤسسات والأسواق والأدوات النقدية اللازمة، حتى يصبح التعويم نتيجة لتطور النظام النقدي وليس بديلًا عن إصلاحه.
وأكد أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال فشل التعويم في معالجة أزمة سعر الصرف، وإنما في نقل قرار تحديد قيمة الدينار من مصرف ليبيا المركزي إلى سوق محدودة العمق قد تتأثر بدرجة أكبر بتوقعات الخوف والمضاربة.









