اخبار مميزةليبيا

المسوري: نشهد حاليا عملية ولادة جديدة للمجتمع السياسي الليبي

قال عضو مجلس الدولة الاستشاري، صفوان المسوري، إن المشهد الليبي منذ عقد يبدو وكأنه يجسد «الزمن الدائري» أو «أسطورة سيزيف» بحسب مقالة ألبير كامو الشهيرة في حقل الفلسفة، مشيراً إلى تكرار الحلقة نفسها بلا نهاية، عبر مدخلات ومقترحات شكلية لا تلامس عمق الأزمة، وبالتالي مخرجات معطلة أو تنفذ بالحد الأدنى الذي لا ينتج الاستقرار المستدام المطلوب.

وأوضح المسوري أن ما يحدث في ليبيا ليس إخفاقاً تشريعياً أو تنفيذياً أو سياسياً، وليس طريق الانهيار الذي تسلكه البلاد نتيجة أخطاء المؤتمر الوطني ومجلس الدولة أو مجلس النواب أو المصرف المركزي أو الحكومات أو الأحزاب أو الفصائل المسلحة أو القبائل أو الأيديولوجيات والمعتقدات الدينية والمذهبية، وإن كان لكل ما سبق تأثيرات سلبية متفاوتة، مؤكداً أن ما يحدث هو نتاج بنية سياسية واقتصادية وعسكرية قد تكون معطوبة تقريباً.

وأضاف أن عقوداً من الفكر الأحادي والقمع والإفقار المعرفي والسياسي المتعمد والحكم الشمولي المطلق في «أربعينية الحرمان الكبير» أفسدت كل شيء، وأنتجت بعد ذلك نظام الفساد والسلاح والابتزاز عقب ثورة فبراير.

وأشار إلى أن هذه البنية ليست مجرد مجموعات ولوبيات فساد، بل هي أقرب إلى نظام حكم بديل له قواعده الخاصة وقدرته الهائلة على ابتلاع أهل الاعتدال في المشهد السياسي الذين لم تتلطخ أيديهم بالدم وتتسخ بالمال الفاسد.

وأوضح أن هذه البنية الحاكمة تطحن أهل الاعتدال والنخب أو تحولهم إلى وقود لآلة أو مجموعة آلات تعيد إنتاج نظام الفساد والابتزاز والسلاح في كل مرة، ما يجعل العملية السياسية في عمقها مجرد مسرح يخفي واقع القوة المرعب والنهب العام الذي لا نهاية قريبة له، محصلته المزيد من العبث السياسي والعسكري والنزق الإداري والقانوني تجاه موارد الدولة وقضايا الوطن الرئيسية، والنهاية بالتأكيد المزيد من الاقتتال والمزيد من حفلات النهب الكبرى المقامة علناً على كل جغرافيا البلاد.

وفي ما يتعلق بالبعثة الأممية، قال المسوري إنها لم تنجح تقريباً في كل مرة، موضحاً أن ذلك لا يرجع إلى سبب بنيوي بداخلها، بل إن الإشكال البنيوي هو إشكال الليبيين أنفسهم، فيما تتعثر البعثة لأسباب داخلية وأخرى خارجية تتعلق بالظروف والملابسات والبنية السياسية المعطوبة.

وأوضح أن عمل البعثة داخلياً يتركز حول تقديم مقاربات عقلانية قائمة على افتراض أن الحلول المطلوبة فنية سياسية، مثل القوانين الانتخابية وحكومة الوحدة والأطر الزمنية، وأنها كفيلة بتحقيق الاستقرار إذا تم التوافق عليها داخلياً، لكنها تتجاهل أو لا تجد حلاً لمنطق القوة الذي يحكم ليبيا، حيث تكون السلطة أو طريقة الوصول إليها ليست نتاجاً للشرعية الانتخابية أو حتى لشرعية التوافق والاعتدال والمشاريع، بل لشرعية السيطرة على الموارد والعنف والابتزاز.

وأضاف أن البعثة خارجياً تحاول حشد التوافق حول مقارباتها العقلانية، وهنا يظهر تعثر جهودها وهي تحاول أن تصنع هذه المقاربة وتقدمها لمجتمع دولي متشظٍ في مصالحه ومختلف في رؤاه حول ليبيا، معتبراً أن هذا التعثر يعكس حالة من الصراع الجيوسياسي أعلى وأكبر من ليبيا، حيث تبدو البلاد ساحة منافسة وليست دولة بمعنى الدولة، الأمر الذي يغذي ويقوي هذه البنية السياسية والعسكرية المشوهة، ويطيل أمد الأزمة ويزيد حجم المعاناة ويسرع من وتيرة الاقتراب من الانهيار الكامل.

وفي تصوره لطريق الحل، قال المسوري إن الخلاص لا يكمن في انتظار تحول مصالح القوى الكبرى أو توبة أرباب السلاح والابتزاز والفساد، معتبراً أن ذلك انتظار للمعجزة، وداعياً بدلاً من ذلك إلى التفكير والتحرك نحو مفهوم «النخبة التأسيسية» أو «النخبة الحاملة لمشروع الدولة».

وأوضح أن هذه النخبة يجب أن تكون إفرازاً حقيقياً لأحلام الأغلبية، ومجموعات نخبوية مهمومة بالشأن العام تلتصق بالمجتمع وتحمل رؤيتها الوجودية الجديدة لليبيا ككل، متجاوزة منطق القبيلة والمدينة، وقافزة على الولاءات الصغرى التي أنتجتها البنية الحالية، وهي بنية المال الفاسد والسلاح والابتزاز.

وأكد أن هذه النخبة يجب أن تتبنى قطيعة واضحة مع بنية الفساد والسلاح، وأن تتحلى بنوع من الزهد السياسي في هذه المرحلة بالذات، ويتسم عملها بشكل نضالي يتم معه تأجيل طموحاتها السياسية المشروعة لفترة أطول، موضحاً أن هذا النهج مبعثه ليس أخلاقياً فحسب، بل هو مسلك استراتيجي لكسب المصداقية ومحاولة لصناعة القدوة وزراعة الأمل للمستقبل، وكذلك لقطع الطريق على اتهامات الانتهازية والبراغماتية السياسية المتوقع مواجهتها على نطاق واسع.

وعلى مستوى التحرك التكتيكي العملي، دعا المسوري هذه النخبة إلى الحفاظ على مسافة نقدية من جميع الأطراف في الداخل والخارج، وفي الداخل إلى عدم التوقف عن الحديث عن المشروع الوطني أو مشروع الدولة.

وأوضح أن المشروع يجب أن يقدم بديلاً مناسباً للفوضى، أو سردية مناهضة للابتزاز والنهب والفساد، ويكون مشروعاً تحتكر فيه الدولة شرعية السلاح، ويعاد فيه تعريف مفهوم المواطنة على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الانتماء الجهوي أو القبلي، ودون تغول أو تجيير لهذا السلاح مناطقياً أو عرقياً أو دينياً أو اجتماعياً أو سياسياً.

وفي الخارج، قال إن هذه النخبة تطرح رؤية واقعية للعلاقات الدولية قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام، وليس التبعية والارتهان، حيث تستمد قوتها في التفاوض مع العالم من قوة ارتباطها بمجتمعها والتصاقها بقضايا الوطن الكبرى.

وأشار المسوري إلى أن ليبيا ليست عند مفترق طرق جغرافي أو سياسي، بل عند مفترق طرق وجودي، موضحاً أن الخيار ليس بين استمرار الوضع الحالي أو تغييره على مستوى السطح، وإن كان إيجاد حكومة موحدة هو أولوية الأولويات في اللحظة السياسية الراهنة، بل بين نوعين من الوجود: إما الوجود المهدَر في «الزمن الدائري» الذي يكرر ذاته ويعتمد على الابتزاز والسلاح والنهب، والذي مؤداه دون شك انهيار كامل للدولة وحتى الوطن بحدوده المعروفة، أو الوجود الفاعل الذي يصنع زمنه وخطاه إلى الأمام نحو بناء الدولة.

وفي ختام حديثه، أكد المسوري أن «النخبة التأسيسية» ليست حلماً طوباوياً أو ترفاً سياسياً، بل فرصة وإمكانية تاريخية تتطلب شجاعة وطنية قبل أن تكون سياسية صرفة، وشجاعة على مواجهة العنت والتهديد والفساد وتكميم الأفواه والابتزاز، وصبراً على بناء الشرعية ومفهوم الدولة حجرًا حجرًا، عبر التواصل والعمل الجماعي المتراكم.

وأضاف أن الأمر يتعلق بعملية ولادة جديدة للمجتمع السياسي الليبي، حيث تكون الإرادة الجماعية هي التي تصنع التاريخ، لا أن تكون مجرد سطور أو بضعة مواقف من تاريخ يصنعه الآخرون، مشيراً إلى أن النتائج لن تكون لحظية، لكن استمرار العمل بحكمة وهدوء سيمنح هذه النخبة القوة التي لا تقهر في النهاية، وهي قوة الشرعية الشعبية والمشروع الوطني الذي لا تستطيع بنية الفساد والسلاح والابتزاز ابتلاعه أو استيعابه، ليكون في الصبح القريب وطن دافئ فيه متسع للجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى