اخبار مميزةليبيا

الغرياني: توافق «4+4» يمثل مخرجًا للخلافات التي عطلت الانتخابات الليبية

قال الناشط السياسي عبد الله الغرياني إن التوافق الذي توصلت «4+4» يمثل، من وجهة نظره، أبرز مخرج سياسي للخلافات التي حالت دون إجراء الانتخابات في ليبيا خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن الوثيقة التي أعدتها اللجنة عالجت بصورة مباشرة عددًا من الملفات التي كانت سببًا رئيسيًا في تعثر المسار الانتخابي.

وأوضح الغرياني في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث” رصدتها “الساعة 24″، أن نجاح 4+4 لم يكن منفصلًا عن مسارات اقتصادية وأمنية وعسكرية سبقتها، مؤكدًا أن مجموعة من التفاهمات المحلية والدولية أسهمت في تهيئة الظروف أمام عقد اجتماعات اللجنة في روما ثم تونس، رغم صعوبة المفاوضات وما تطلبته من تنازلات من الأطراف المشاركة.

وأشار إلى أن اللجنة عملت على جمع أبرز نقاط الخلاف التي عطلت الانتخابات، ولا سيما القضايا المرتبطة بالقوانين الانتخابية والجهة المخولة بإدارة العملية الانتخابية، معتبرًا أن هذه الملفات كانت من أبرز أسباب تعثر انتخابات ديسمبر 2021.

وقال الغرياني إن الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في ديسمبر 2021 تعثرت نتيجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية، وما وصفه بوجود خلل في التشريعات التي أصدرها مجلس النواب، إلى جانب عوامل داخلية ودولية حالت دون استكمال العملية.

وأضاف أن حالة الانقسام السياسي تعمقت بصورة أكبر منذ عام 2022، عقب سحب مجلس النواب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية وتشكيل حكومة بديلة، ما أدى، بحسب قوله، إلى ترسيخ الانقسام بين مؤسسات الدولة وانعكاسه على أداء السلطة التنفيذية والمؤسسات التشريعية والأمنية.

ويرى الغرياني أن استمرار الانقسام لسنوات طويلة جعل الوصول إلى توافق ليبي داخلي خالص أكثر صعوبة، في ظل تعدد مراكز القرار وتداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية.

ووصف الغرياني وثيقة اللجنة المصغرة بأنها محاولة لتجاوز حالة الجمود التي رافقت مسار «6+6»، معتبرًا أن الأخير لم يتمكن، على حد قوله، من الوصول إلى توافق نهائي بشأن القوانين الانتخابية.

وقال إن صيغة «4+4» أتاحت مشاركة ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب أطراف فاعلة في المشهد الليبي، مؤكدًا أن الوصول إلى الوثيقة تطلب تقديم تنازلات من المشاركين.

وأضاف أن الترحيب الذي صدر عن عدد من الأطراف المحلية والدولية بالوثيقة، فضلًا عن مواقف أممية ودولية داعمة لتنفيذها، يعكس، بحسب تقديره، وجود توافق أوسع حول ضرورة الدفع باتجاه تسوية سياسية تقود إلى الانتخابات.

واعتبر الغرياني أن الشرعية التي تستند إليها السلطة التنفيذية في طرابلس مرتبطة بدرجة كبيرة بالموقف الدولي، مشيرًا إلى أن الترتيبات السياسية التي اعتمدها مجلس الأمن أسهمت في استمرار المؤسسات القائمة خلال السنوات الماضية.

وقال إن المجتمع الدولي، من خلال مواقف مجلس الأمن والدول المؤثرة، يدفع باتجاه تنفيذ التفاهمات التي يمكن أن تفضي إلى انتخابات، محذرًا من أن استمرار تعطيل المسار السياسي قد يفتح الباب أمام ترتيبات دولية بديلة.

وأضاف أن الوضع الليبي لم يعد، في تقديره، قضية محلية خالصة، بل أصبح مرتبطًا بتوازنات إقليمية ودولية أوسع، في ظل موقع ليبيا الجغرافي وتداخل ملفات الأمن والهجرة والطاقة والصراعات الإقليمية.

وفي حديثه عن مجلسي النواب والدولة، قال الغرياني إن بعض الدولالإقليمية تمارس تأثيرًا على عمل المؤسسات السياسية الليبية، معتبرًا أن هذا التأثير يظهر في الاجتماعات والتحركات السياسية التي تستضيفها بعض العواصم الإقليمية.

وأشار إلى اجتماع عقد في تركيا وشارك فيه رئيسا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، معتبرًا أن انعقاد مثل هذه اللقاءات يعكس، من وجهة نظره، حجم الارتباط بين المسار السياسي الليبي وبعض الأطراف الإقليمية.

وشدد في الوقت نفسه على ضرورة التمييز، بحسب قوله، بين التدخل الذي قد يدفع الأطراف الليبية إلى التوافق لإنجاح العملية الانتخابية، وبين التدخل الذي يهدف إلى فرض أجندات أو الحفاظ على نفوذ طرف بعينه.

وتطرق الغرياني إلى قرار رئيس مجلس الدولة محمد تكالة فصل عضوين شاركا في أعمال اللجنة المصغرة «4+4»، معتبرًا أن الخطوة تمثل، وفق وصفه، اعتراضًا على مسار التوافق الذي توصلت إليه اللجنة.

وتساءل عن البديل المطروح في حال تعطيل هذا المسار، قائلًا إن ليبيا لا تستطيع الاستمرار في حالة «طرف يدفع نحو التسوية وطرف يعطلها»، بحسب تعبيره.

وأضاف أن أي خطوات تؤدي إلى تعطيل الاتفاق قد تعرض أصحابها لضغوط أو إجراءات دولية، خصوصًا في ظل وجود متابعة أممية ودولية للملف الليبي.

وفي ما يتعلق بالوضع الأمني في طرابلس، قال الغرياني إن تركيا تمتلك، بحسب تقديره، نفوذًا كبيرًا في غرب ليبيا، سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا، مشيرًا إلى وجود تشكيلات وقواعد عسكرية تركية في المنطقة.

واستشهد بزيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى طرابلس، قائلًا إن الاشتباكات التي كانت تشهدها منطقة الزاوية تراجعت خلال وجوده، وإن الحكومة أصدرت لاحقًا توجيهات بوقف الاشتباكات.

كما أشار إلى أدوار تركية سابقة في احتواء توترات أمنية داخل العاصمة، معتبرًا أن ذلك يعكس حجم التأثير التركي في المشهد الأمني والسياسي في غرب ليبيا.

وأكد الغرياني أن هذا النفوذ لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى بعض التيارات السياسية والإعلامية الموجودة في غرب البلاد.

وفي سياق متصل، تحدث الغرياني عن التيارات المرتبطة بدار الإفتاء، معتبرًا أنها لعبت دورًا سياسيًا خلال السنوات الماضية، وأن رئيسها الشيخ الصادق الغرياني أصبح، بحسب وصفه، طرفًا مؤثرًا في الصراع السياسي الليبي منذ عام 2011.

وقال إن دار الإفتاء تمتلك مؤسسات وموارد ومنابر إعلامية، وإن بعض الشخصيات الدينية التابعة لها تتدخل بصورة مباشرة في النقاش السياسي.

وأضاف أن بعض هذه التيارات ترفع حاليًا خطابًا معارضًا للتفاهمات السياسية الجديدة، لكنه اعتبر أن قدرتها على تعطيل المسار السياسي محدودة، وأنها تستخدم في بعض الأحيان، بحسب تقديره، كأداة ضمن الصراع بين الأطراف السياسية.

وشدد على أن التيارات الدينية، في تقديره، لا تعمل بمعزل عن التأثيرات الإقليمية، مشيرًا إلى العلاقة الوثيقة التي يعتقد أنها تربط بعضها بتركيا.

وربط الغرياني التطورات الليبية بالمشهد الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى تسويات وصراعات شهدتها دول مثل سوريا والعراق والسودان، معتبرًا أن القوى الدولية والإقليمية أصبحت أكثر ميلًا إلى الدفع نحو تسويات سياسية في مناطق النزاع.

وقال إن ليبيا تقع ضمن جغرافية إقليمية تشهد تحولات واسعة، وإن القوى الدولية تسعى إلى تثبيت حالات من الاستقرار في المنطقة عبر تفاهمات تراعي، في الوقت ذاته، الأطراف المحلية.

وأكد أن أي تسوية في ليبيا، من وجهة نظره، لن تكون محلية بالكامل، وإنما ستحتاج إلى توافق إقليمي ودولي، إلى جانب قبول الأطراف الليبية الرئيسية.

ويرى الغرياني أن الهدف الأساسي من اتفاق «4+4» يجب أن يكون الوصول إلى الانتخابات، معتبرًا أن الاتفاق يتناول قضيتين رئيسيتين كانتا من أسباب تعطل العملية الانتخابية، وهما القوانين الانتخابية والترتيبات المتعلقة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وقال إن الوصول إلى توافق بشأن هذين الملفين يمكن أن يوفر قاعدة سياسية للانتقال إلى الانتخابات، داعيًا إلى عدم التعامل مع الاتفاق باعتباره نهاية المسار، وإنما باعتباره خطوة يمكن البناء عليها.

وأضاف أن ليبيا تعاني حاليًا من تضخم مؤسساتي نتيجة الانقسام، مشيرًا إلى وجود حكومتين وعدد كبير من الوزراء والمؤسسات التشريعية والتنفيذية المتوازية، وهو ما انعكس، بحسب قوله، على الخدمات العامة وأداء مؤسسات الدولة.

واعتبر الغرياني أن استمرار الانقسام لسنوات طويلة أضعف قدرة الأطراف الليبية على إنتاج تسوية وطنية مستقلة عن الضغوط الدولية، قائلًا إن ما وصفه بـ«الترف السياسي» لم يعد متاحًا أمام البلاد.

وأضاف أن الأزمة الليبية تجاوزت حدود الصراع على السلطة، وأصبحت مرتبطة بتحديات أمنية واقتصادية وتنموية وجغرافية، من بينها الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة ونشاط الجماعات المسلحة في الجنوب.

وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لليبيا يجعل استقرارها مسألة ذات أهمية بالنسبة إلى دول الجوار وأوروبا والقوى الدولية، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، استمرار التدخل الدولي والإقليمي في الأزمة.

وفي ختام حديثه، حذر الغرياني من أن استمرار تعطيل التفاهمات السياسية قد يؤدي إلى خيارات دولية جديدة، مؤكدًا أن المجتمع الدولي ومجلس الأمن يمتلكان، بحسب قوله، أدوات وخيارات متعددة للتعامل مع الأطراف التي تعرقل المسار السياسي.

وقال إن استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي لا يمكن أن يكون حلًا دائمًا، معتبرًا أن المرحلة الحالية تتطلب توحيد مؤسسات الدولة والدفع نحو تسوية سياسية تقود إلى انتخابات.

وأكد أن الاتفاق الذي أفرزته اللجنة المصغرة «4+4» يمكن أن يمثل قاعدة للتقدم في هذا الاتجاه، خصوصًا إذا توافرت له ضمانات محلية وإقليمية ودولية، مشددًا على أن البديل عن التسوية هو استمرار حالة الانقسام التي تعيشها ليبيا منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى