الفنيش: رفض مجلس الدولة لـ 4+4 قد يُفقدهم موقع التأثير

في قراءة تحليلية نشرها المحلل السياسي حسام الفنيش عبر صفحته على فيسبوك، كشف أن حصيلة جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا تعكس توجهًا دوليًا نحو الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ، مع بروز الدور الأمريكي بوصفه عامل ضغط رئيسيًا لدفع اتفاق 4+4 الموقّع في 30 أغسطس نحو استكمال خارطة الطريق الأممية.
وأوضح الفنيش أن المداخلة الأمريكية بما تضمنته من إشارات إلى أهمية الاتفاق والتلويح بمساءلة المعرقلين، عكست رغبة في رفع كلفة تعطيل المسار السياسي، بما يمهد للانتقال إلى الاستحقاق الأهم في المرحلة المقبلة والمتمثل في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد مؤسسات الدولة.
أشار الفنيش إلى أن المندوب الأمريكي كشف عن نتائج دبلوماسية ملموسة، أبرزها إقرار أول ميزانية وطنية موحدة لليبيا منذ أكثر من عقد، وهي خطوة وصفها بأنها تشكل اختراقًا في جدار الازدواجية المالية التي أنهكت الاقتصاد الليبي.
كما لفت إلى مناورات عسكرية مشتركة جمعت قوات من الشرق والغرب تحت قيادة موحدة، معتبرًا ذلك مؤشرًا على أن التوحيد العسكري بات مسارًا قابلًا للتحقيق.
ويرجّح الفنيش أن تتجه واشنطن خلال الأيام المقبلة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لدفع الأطراف الليبية نحو استكمال مراحل الخارطة، وربط التقدم السياسي بخطوات عملية بشأن السلطة التنفيذية والتهيئة للانتخابات.
ويستند في ذلك إلى أن الاتفاق يحدد سقفًا زمنيًا أقصاه ٢٤ شهرًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
توقف الفنيش عند الموقف الروسي الذي يتمسك بضرورة احترام التوافقات والاتفاقات السابقة والأطر المؤسسية القائمة، والتحفظ على فرض ترتيبات جديدة دون توافق ليبي.
وأشار إلى أن المندوب الروسي شدد على أن أي خطة لإنهاء الأزمة تحتاج إلى دعم القيادات الليبية، محذرًا من أن استبعاد أي مؤسسة ليبية مؤثرة قد ينعكس سلبًا على الاستقرار طويل الأمد.
ويرى الفنيش، أن هذا الموقف يعكس تباينًا في مقاربة آليات التسوية وحدود الضغط الخارجي، رغم الالتقاء العام حول ضرورة إنهاء الانقسام والذهاب إلى الانتخابات.
ونبّه إلى أن الانقسامات السياسية لا تزال قائمة وأن انقسام المؤسسات مستمر ، مما يعني أن الضغط الأمريكي وحده لا يكفي لإنهاء حالة الانقسام.
ويبرز مجلس النواب بوصفه طرفًا محوريًا في الاستحقاق التشريعي المقبل، وفق ما أشار إليه الفنيش، بالنظر إلى دوره في إقرار القوانين والترتيبات اللازمة لاستكمال خارطة الطريق وتوفير الغطاء القانوني لأي تغيير في السلطة التنفيذية.
وهنا يطرح الفنيش سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لمجلس النواب أن يضطلع بدوره التشريعي في ظل وجود حكومة منتهية الولاية قانونيًا منذ 24 ديسمبر 2021، ترفض حتى اللحظة الاعتراف بأي مسار لا يضمن بقاءها في المشهد؟.
ويجيب بأن الإرادة الدولية بدأت تتشكل بوضوح حول ضرورة الانتقال إلى سلطة تنفيذية موحدة، وهو ما يجعل استمرار حكومة الدبيبة في تصرفاتها كأنها سلطة شرعية أمرًا غير قابل للاستدامة.
أما بشأن المجلس الأعلى للدولة، فقد حذّر الفنيش من أن استمرار رفضه للاتفاق بحجج قانونية ودستورية قد يجعل أعضاءه أمام خطر التراجع عن موقع التأثير في الحسابات السياسية الجديدة، دون أن يعني ذلك تجاوز الصفة المؤسسية للمجلس.
وأشار إلى أن الممثلة الأممية هانا تيتيه دحضت المزاعم بشأن عدم دستورية الاتفاق، موضحة أنه استند إلى قرارات سابقة لمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن أعضاء المفوضية، مع مراعاة التوازن الجغرافي في تعيين رؤساء المؤسسات السيادية.
واعتبر الفنيش، أن المجلس الذي طالما لعب دور الرقابة على القرارات السيادية، يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق: إما الانخراط البنّاء في مرحلة التنفيذ وتأمين مقعد في طاولة القرار الجديدة، أو الاستمرار في المناورة السياسية والمخاطرة بتراجع موقع التأثير.
اقتصاديًا، لفت الفنيش إلى ثلاثة استحقاقات لا تقل أهمية عن تشكيل السلطة التنفيذية، وهي: توحيد الميزانية العامة، وإقرار جدول موحد للمرتبات، وضبط الإنفاق التنموي.
وأوضح أن توحيد الميزانية يمثل خطوة نحو إنهاء الازدواجية المالية وتعزيز الرقابة على الإيرادات والمصروفات، بينما يظل جدول المرتبات الموحد مدخلًا لمعالجة التفاوت في الأجور وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين العاملين في مؤسسات الدولة.
أما الإنفاق التنموي، فيحتاج إلى قواعد شفافة لتحديد الأولويات ومتابعة المشروعات ومنع توظيف الاعتمادات المالية في تعزيز النفوذ السياسي أو الجهوي.
ولم يستبعد الفنيش أن يمتد الضغط الدولي إلى ملفات إدارة الإيرادات العامة وتهريب النفط والوقود، مع احتمال اتخاذ إجراءات تستهدف الجهات المتورطة في تقويض الإنتاج النفطي أو استنزاف المال العام متى توافرت الأسس القانونية اللازمة.
كما أشار إلى احتمال تجدد الضغط باتجاه إصلاح منظومة دعم المحروقات والحد من تسربه إلى السوق السوداء، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني أن قرارًا برفع الدعم قد اتُّخذ بالفعل، إذ تبقى المسألة مرتبطة بقرارات السلطات الليبية وضمان بدائل تحمي المواطنين من أعباء إضافية.
يرى الفنيش أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركًا متزامنًا على مسارات السياسة والاقتصاد: استكمال خارطة الطريق وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتشديد الرقابة على قطاع النفط وإعادة النظر في منظومة دعم المحروقات، إلى جانب توحيد الميزانية وجدول المرتبات وضبط الإنفاق التنموي.
ولكنه يحذر في الوقت ذاته من أن نجاح هذه المسارات سيظل رهينًا بتوافق سياسي قابل للاستمرار ومؤسسات قادرة على التنفيذ وضمان ألا يتحول الإصلاح المالي إلى عبء جديد على المواطن، بل إلى وسيلة لاستعادة الثقة في الدولة وإدارة مواردها.
فالمواطن الليبي الذي أنهكته سنوات الصراع والانقسام، لم يعد يحتمل وعودًا جديدة، بل ينتظر قرارًا جادًا بإنهاء حالة الحكومة منتهية الولاية التي أرهقت كاهله واستنزفت مقدرات الدولة.









