نصية: إقرار جدول موحد للمرتبات خطوة مهمة نحو العدالة

قال عضو مجلس النواب، عبدالسلام نصية، إنه كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن إقرار جدول موحد لمرتبات العاملين بالدولة الليبية، نتيجة الاختلال الواضح في عدالة المرتبات وتفاوتها بين القطاعات، بعد الزيادات التي حصلت عليها بعض الجهات دون غيرها، الأمر الذي أوجد شعورًا بالغبن لدى قطاعات واسعة من الموظفين.
وأضاف أن الأصل أن يكون الأجر مقابل العمل، وأن يرتبط بالمسؤولية والمؤهل والخبرة وطبيعة الوظيفةمتابعًا: “غير أن تطبيق هذه القاعدة يظل تحديًا كبيرًا في دولة يبلغ عدد سكانها نحو ثمانية ملايين نسمة، ويعمل في مؤسساتها العامة قرابة مليونين وثلاثمائة ألف شخص، في ظل تضخم الجهاز الإداري وضعف الإنتاجية واختلال منظومة الإدارة والرقابة”.
وبين أن فكرة توحيد المرتبات ليست جديدة على ليبيا؛ فقد مثّل القانون رقم 15 لسنة 1981 إطارًا لتنظيم مرتبات العاملين بالدولة لسنوات طويلة.
وواصل: “اليوم، ومع تزايد أعداد العاملين في القطاع العام واتساع الاختلالات المالية والإدارية، لم يعد توحيد المرتبات مجرد مطلب وظيفي، بل أصبح ضرورة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز الاستقرار والسلم الاجتماعي”.
وتساءل: “هل يؤدي توحيد المرتبات إلى حل الأزمة المالية والاقتصادية، وخفض الأسعار، والحد من تراجع قيمة الدينار؟، مشددًا على أن الإجابة بكل تأكيد: لا، إذا اقتصر الأمر على إصدار جدول موحد دون اتخاذ إجراءات مالية واقتصادية متكاملة.
وأكد أن إعادة تنظيم المرتبات قد تسهم في تخفيض فاتورتها إذا اقترنت بمعالجة التضخم الوظيفي والازدواجية الوظيفية والمرتبات غير المستحقة، لكنها قد تتحول إلى إجراء شكلي لا يحقق أهدافه، بل قد تتيح الوفورات الناتجة عنها مجالًا لمزيد من التوسع في الإنفاق العام، بما يغذي الفساد والإنفاق الاستهلاكي ويعمّق الاختلالات القائمة.
وقال إن جوهر الأزمة الليبية لا يكمن في المرتبات وحدها، وإنما في الفجوة المتزايدة بين الإيرادات العامة والإنفاق العام، وفي غياب الانضباط المالي الذي يربط الإنفاق بالموارد المتاحة للدولة.
وشدد على أن الخطوة الأولى نحو الإصلاح تتمثل في ضبط الإنفاق العام وفقًا للإيرادات الفعلية المحصلة، لا وفقًا لتقديرات متفائلة أو التزامات تتجاوز قدرة الاقتصاد الوطني.
وذكر أنه إذا كانت الإيرادات السنوية من النفط والغاز في حدود 25 مليار دولار، فإن المحافظة على سعر صرف عند مستوى 6.42 دينار للدولار تقتضي، ضمن هذا التصور، مواءمة الإنفاق العام مع الموارد المتاحة.
وأردف: “بحساب تقريبي، تعادل هذه الإيرادات نحو 160.5 مليار دينار وفق سعر الصرف المذكور”، مشيرًا إلى أن هذا الرقم ليس بالضرورة سقفًا نهائيًا للإنفاق، إذ يتوقف تحديده على إجمالي الإيرادات العامة الفعلية، والالتزامات القائمة، والاحتياجات الأساسية للدولة، لكنه يوضح حجم الفجوة التي ينبغي التعامل معها بجدية.
وقال إنه لا يمكن إنفاق 300 مليار دينار، ونواصل التوسع في الالتزامات العامة، ثم نتوقع المحافظة على سعر صرف يبلغ ستة دنانير للدولار أو أقل، من دون معالجة مصادر الضغط على العملة الأجنبية والاختلال بين الإنفاق والموارد.
وأكد ضرورة إصلاح منظومة الاعتمادات المستندية وتنظيم الاستيراد وفق احتياجات السوق والقدرة الفعلية للاقتصاد على توفير النقد الأجنبي، مع تعزيز الرقابة على الاستخدامات النهائية للاعتمادات ومكافحة التلاعب والتهريب.
وتابع: “كما ينبغي إلزام الموردين بإعلان أسعار البيع للمستهلك بصورة واضحة، بما يعزز الشفافية والمنافسة ويحمي المواطنين من الممارسات الاحتكارية”.
وأوضح أن الإصلاح الاقتصادي والمالي لا يتحقق بإجراء منفرد، مهما بلغت أهميته، وإنما من خلال حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات، تشمل ترشيد الإنفاق العام، وإصلاح منظومة المرتبات، وضبط التوظيف، وتطوير الإدارة المالية، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين إدارة الإيرادات النفطية، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
وقال إن إقرار جدول موحد للمرتبات خطوة مهمة نحو العدالة، لكنه ليس بديلًا عن الإصلاح المالي، ولا ضمانة تلقائية لخفض الأسعار أو استقرار سعر الصرف.
وشدد على أن العدالة في توزيع المرتبات يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع العدالة في توزيع الموارد، والانضباط في إدارة المال العام، وربط الإنفاق بقدرة الدولة الحقيقية.
اليوم ما زالت أمامنا فرصة لاتخاذ قرارات إصلاحية شجاعة تعيد الانضباط إلى المالية العامة وتحافظ على ما تبقى من قوة الدينار. أما تأجيل المعالجة والاستمرار في الإنفاق غير المنضبط، فقد يجعل كلفة الإصلاح غدًا أكبر بكثير.
وواصل: “نحن أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الإنفاق والفوضى واستنزاف المال العام، وإما الشروع في إصلاح حقيقي يحمي الاقتصاد الوطني، ويحفظ حقوق المواطنين، ويضع أسسًا أكثر استدامة لبناء الدولة”.
ونوه بأن الإصلاح ليس خيارًا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، بل مسؤولية وطنية لا تحتمل المزيد من التأجيل.









