الشحومي: الاقتصاد الليبي ينمو على الورق بينما يفقد الدينار قيمته وتتآكل قدرة المواطن على الاستدامة

اعتبر الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي أن معضلة الاقتصاد الليبي تكمن في أنه اقتصاد ينمو بسرعة على الورق، بينما يفقد الدينار قيمته، ويتآكل الدخل الحقيقي للأسر، وتتراجع قدرة الاقتصاد والمواطن على الاستدامة.
وقال الشحومي، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، إن النمو في الناتج المحلي الإجمالي يتغذى على عجز الإنفاق، موضحًا أن العجز المالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، فيما تضاعف الدين العام تقريبًا خلال عامين، ليصل إلى 146% من الناتج.
وأضاف أن صندوق النقد الدولي يتوقع استمرار التوسع الاقتصادي في الأجل القريب، لكنه يشير إلى أن هذا النمو مدعوم بإنفاق مالي كبير، ويحذر من أن المسار الحالي «غير مستدام» في ظل السياسات المتبعة.
وأوضح أن هيكل الإنفاق العام يفسر هذه العلاقة، إذ تبلغ فاتورة الأجور نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما يصل دعم الطاقة إلى نحو 20%، أي ما يقارب نصف الناتج مجتمعين، وهما من أعلى النسب عالميًا.
وأشار إلى أن اعتماد الاقتصاد على الإنفاق العام بوصفه المحرك الرئيس للطلب يجعل معدل النمو انعكاسًا لحجم الإنفاق وإنتاج النفط، أكثر منه مؤشرًا على اتساع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد.
ولفت الشحومي إلى أن التذبذب الحاد في معدلات النمو يقدم دليلًا على ذلك، إذ قدّر صندوق النقد الدولي النمو بنحو 10% في عام 2023، ثم نحو 2% في 2024 مع انكماش قطاع المحروقات، قبل أن يرتفع إلى 15.9% في 2025، ويُتوقع أن يبلغ 6.7% في 2026 و4.5% في 2027.
وأضاف أن هذه الأرقام تتحرك صعودًا وهبوطًا بمعدلات تتجاوز أي تغير محتمل في الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، بما يعكس ارتباط النمو بتقلبات إنتاج النفط والإنفاق العام.
التضخم.. الوجه الآخر للعجز
وفي ما يتعلق بالتضخم، أوضح الشحومي أن الضغوط المالية المتفاقمة على جانبي الإنفاق في ليبيا دفعت معدلات التضخم إلى مستويات من خانتين، وأضعفت القوة الشرائية ومستويات المعيشة، متوقعًا استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة على المدى المتوسط ما لم تتغير السياسات الحالية.
وأضاف أن الأرقام المتاحة تتفق مع هذا الاتجاه؛ إذ بلغ متوسط التضخم في عام 2025 نحو 1.8%، قبل أن يسجل 2.8% في ديسمبر من العام نفسه، ويرتفع إلى 9% في فبراير 2026، ثم إلى 14.31% في أغسطس، مقابل 12.97% في الفترة السابقة، فيما تقدر توقعات صندوق النقد الدولي متوسط التضخم خلال عام 2026 بنحو 10.5%.
وأشار إلى أن اللافت في هذه المؤشرات هو تحقيق الاقتصاد نموًا يقارب 16% خلال عام 2025، بالتزامن مع متوسط تضخم لم يتجاوز 1.8%، معتبرًا أن ذلك لا يعكس بالضرورة اقتصادًا متوازنًا بقدر ما يشير إلى ضغوط تضخمية ظلت مكبوتة خلال تلك الفترة.
وأوضح أن مصرف ليبيا المركزي اعتمد على تخفيضات متتالية لقيمة الدينار الليبي خلال فترة قصيرة، إلى جانب استنزاف الاحتياطيات بوتيرة متسارعة، لاحتواء هذه الضغوط، مشيرًا إلى أن هذه الأدوات تؤجل ظهور الأسعار الحقيقية ولا تلغيها.
وأضاف أن قفزة التضخم من أقل من 3% إلى أكثر من 14% خلال أشهر تمثل، بحسب تقديره، صورة لضغوط تظهر مع تراجع قدرة أدوات الاحتواء على الاستمرار.
وبذلك، تتبدل العلاقة بين النمو والتضخم في الحالة الليبية؛ فهما ليسا طرفي مفاضلة تقليدية، بل نتيجتان لسبب واحد يتمثل في عجز يضخ طلبًا أكبر مما تستطيع الطاقة الإنتاجية والاستيعابية المحلية، إلى جانب النقد الأجنبي المتاح، تلبيته.
وأوضح الشحومي أن هذا الفائض يظهر في صورة نمو عند قياس الناتج المحلي، بينما يتحول إلى تضخم عندما يصطدم المعروض من السلع والعملة بحجم الطلب.
فجوة الصرف.. سعران لعملة واحدة
وفي ما يتعلق بسوق الصرف، قال الشحومي إن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي تراجعت مقارنة بذروتها السابقة، لكنها لا تزال كبيرة، رغم تخفيضين لقيمة الدينار منذ أبريل 2025 وبيع كميات كبيرة من النقد الأجنبي.
وأرجع استمرار هذه الفجوة إلى وجود فائض في الطلب على العملة الأجنبية، مشيرًا إلى أنها تبلغ في الأسواق حاليًا نحو 60%.
وحذر من أن صندوق النقد الدولي نبه إلى مخاطر استخدام تدفقات إضافية من النقد الأجنبي لدعم سعر صرف لا يتوافق مع الأساسيات الاقتصادية، في ظل غياب مشروع إصلاحي مالي واسع.
وأكد أن فجوة سعر الصرف لا تمثل مرضًا اقتصاديًا مستقلًا، بل مؤشرًا على اختلالات أعمق، في مقدمتها فائض الطلب الناجم عن عجز الإنفاق العام.
المواطن وقدرته على الاستدامة
وانتقل الشحومي إلى انعكاسات هذه الاختلالات على الأوضاع المعيشية، موضحًا أن استدامة المواطن تعني قدرة الأسرة على الحفاظ على مستوى معيشتها دون استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض.
وأشار إلى أن هذا المقياس تتقاطع فيه معدلات النمو والتضخم وسعر الصرف، لأن الأسرة تتلقى دخلها بالدينار الليبي، بينما تُحدد أسعار جزء كبير من نفقاتها وفقًا لتكلفة الاستيراد وسعر الدولار.
وأوضح أن الأثر الأول للتضخم يظهر مباشرة في القوة الشرائية، إذ يعني وصول التضخم إلى 14.31% أن الراتب الاسمي الثابت يفقد نحو 12.5% من قدرته الشرائية خلال عام. ورغم أن فاتورة المرتبات تقارب 30% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الدخل الحكومي يمثل مصدرًا رئيسًا لمعيشة شريحة واسعة من الأسر.
أما الأثر الثاني فيرتبط بسعر الصرف، إذ يعادل راتب بقيمة 3 آلاف دينار نحو 467 دولارًا وفق السعر الرسمي، لكنه لا يتجاوز 302 دولار وفق السعر الموازي، ما يعني أن اختلاف السعرين يقتطع نحو 35% من قيمته.
وأضاف أن هذا الفارق ينعكس على أسعار الغذاء والدواء والسلع المعمرة، في ظل اعتماد ليبيا على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاتها.
وفي هذا السياق، أشار الشحومي إلى أن طرح مشروع إصلاح المرتبات من خلال توحيدها بقانون وتحديد سقوف لها، يبدو أنه جاء على عجل ودون أن يستند إلى مشروع إصلاحي شامل، في ظل عدم مراعاة معدلات التضخم المرتفعة واتساع فجوة سعر الصرف وتآكل الناتج المحلي الإجمالي، فضلًا عن تعقيدات تمويل العجز التي يتحمل المصرف المركزي أعباءها.
وحذر من أن المضي في إصلاح منظومة المرتبات بمعزل عن معالجة هذه الاختلالات قد يزيد التحديات التي تواجه قدرة الاقتصاد الليبي والمواطن على الاستدامة مستقبلًا، بدلًا من تحقيق تحسن حقيقي في مستويات المعيشة.
واختتم الشحومي تحليله بالتنبيه إلى أن استمرار الاعتماد على الإنفاق العام الممول بالعجز، دون إصلاح هيكلي يعالج اختلالات المالية العامة وسوق الصرف والقاعدة الإنتاجية، قد يحول النمو الاقتصادي المسجل في المؤشرات إلى حالة من الاختناق الاقتصادي، تتسع معها الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع المعيشي للمواطن.









