العجيلي: مكتب النائب العام يواجه قيوداً حقيقية في تنفيذ الأحكام على أرض الواقع

العجيلي: البعثة الأممية ليست نزيهة ومواقفها متناقضة
قال المحامي والناشط الحقوقي فرج العجيلي إن الأحداث الأخيرة في ورشفانة تمثل مؤشراً واضحاً على الوضع المتأزم في ليبيا، مؤكدًا أن هذه الحوادث ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.
وأوضح العجيلي في تصريحات لقناة “المسار” رصدتها “الساعة 24” أن الوضع الحالي تصاعد ووصل إلى مستويات غير مقبولة، مشيراً إلى أن المسؤولية تقع على جميع مؤسسات الدولة بشكل كامل، بما فيها الوزارات المختلفة مثل التعليم والصحة والعدل والداخلية ورئاسة الوزراء، وكذلك على المؤسسات المحلية في المناطق الجغرافية التي حدثت فيها الانتهاكات.
وفي تعليقه على حادثة الكتيبة “55” مشاة التابعة لرئاسة الأركان بحكومة الدبيبة، أوضح فرج العجيلي أن الفيديو الذي نُشر مؤخرًا يظهر مدى الانتهاكات الفجّة واحترافية المجموعات المسلحة في ممارسة التعذيب والاعتداءات، مؤكّدًا أن مثل هذه التصرفات تعكس عجز الدولة عن تطبيق القانون وتسيطر على الواقع قوة خارج القانون.
وأضاف العجيلي أن الوضع متجه للأسوأ، إذ كل مجموعة مسلحة تسيطر على رقعة جغرافية محددة بكل مؤسساتها ومرافقها، مما يجعل تطبيق العدالة الانتقالية وحماية المصلحة الوطنية أمرًا معقدًا ويستلزم خططًا استراتيجية وقوانين واضحة، مستندًا إلى تجارب دولية سابقة مثل سيراليون حيث تم إنشاء قضاء مشترك يجمع بين القضاء الوطني والدولي لضمان عدم الإفلات من العقاب.
وأشار إلى أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على ارتكاب المزيد من الجرائم، ويؤدي إلى حالة من اللا قانونية تُشبه الغابات، مؤكدًا أن المشهد الذي تم عرضه في الفيديو مزعج جدًا وخارج أي إطار قانوني أو أخلاقي، ويستلزم تحرك المجتمع القانوني والسياسي لمواجهته.
وأضاف العجيلي، أنه أثناء عمله في مجلس حقوق الإنسان والحريات العامة، كان مسؤولاً عن إدارة المتابعة ورصد الانتهاكات، موضحًا أن حالات مشابهة لما يحدث اليوم كانت مدرجة وموثقة في ملفات المجلس، بما في ذلك انتهاكات جسدية ووحشية ارتكبت ضد الأفراد، وتم توثيق بعضها بالفيديوهات، مثل إجبار الضحايا على الوقوف على النار، أو استخدام أكياس نايلون لحرقهم، ما أدى إلى إصابات مباشرة على أجسادهم.
وأشار العجيلي إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على الرجال فقط، بل شملت النساء أيضًا، موضحًا أن هذه الممارسات الفظيعة ما زالت تحدث في ليبيا، نتيجة خلل في تطبيق القوانين، وليس نقصاً في النصوص القانونية نفسها، سواء المحلية أو الإقليمية أو الدولية، المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الطفل، وحقوق المرأة، وحقوق السجين.
وطالب العجيلي بضرورة احترام القوانين المعنية بحقوق الإنسان وتطبيقها على أرض الواقع لضمان حماية جميع المواطنين، مشدداً على أن الاستمرار في هذه الانتهاكات يعكس إخفاقًا مؤسسياً يحتاج إلى معالجة عاجلة وحقيقية على مستوى الدولة بأكملها.
وأوضح المحامي والناشط الحقوقي، أن استمرار التشكيلات المسلحة في ممارسة التعذيب والاعتقال خارج القانون يمكن اعتباره شكلًا من أشكال الإخفاء القسري، مشيرًا إلى أن هذا النوع من الانتهاكات يُرتكب رغم وجود التشريعات الواضحة، مثل القانون رقم 10 لسنة 2013، الذي يحدد العقوبات بحق مرتكبي الجرائم.
وأضاف العجيلي أن هناك سلسلة إجرائية محددة قانونيًا تبدأ بالاستدلال والتحقيق ثم إحالة المتهمين إلى المحكمة لتحديد مسؤوليتهم، إلا أن المشكلة تكمن في أن السلطة الفعلية لتطبيق القانون لا توجد في يد الدولة، بل في يد الميليشيات والمجموعات المسلحة والفاسدين، ما يجعل الدولة مجرد مظلة رسمية دون قدرة على التنفيذ.
وأشار إلى أن المتهمين المرتبطين بالجرائم الخطيرة، بما فيها القتل والتعذيب، غالبًا ما يستمرون في ممارسة أعمالهم العنيفة بلا مساءلة، بل يظهرون أحيانًا في صور جماعية مع مسؤولين رسميين، بينما تظل الدولة عاجزة عن فرض القانون أو الحماية الفعلية للحقوق، ما يعكس أزمة حقيقية في احترام النصوص التشريعية وتطبيقها على الأرض.
في إجابته حول مسألة الإفلات من العقاب، أوضح فرج العجيلي أن استمرار هذا النهج يتعارض بشكل مباشر مع مبادئ العدالة الانتقالية التي كان من المفترض تطبيقها في ليبيا بعد سنوات من النزاع، مؤكدًا أن غياب أسس العدالة الصحيحة يضعف فرص المصالحة الوطنية ويهدد مسارها المستقبلي.
وبين العجيلي، أن القانون الليبي يتيح تحريك الدعوى الجنائية دون الحاجة لموافقة مسبقة على كل جرائم محددة، حيث تُعد النيابة العامة هي السلطة الملزمة بالتحرك وإجراء التحقيقات، دون الاعتماد على طلبات أو تنازلات من المتضررين.
وأضاف أن هذه الإجراءات تشمل حبس المتهمين احتياطيًا وإحالتهم للمحكمة لمتابعة قضاياهم، مؤكّدًا أن آليات القانون واضحة وملزمة، والمشكلة الحقيقية تكمن في غياب القدرة الفعلية للدولة على تنفيذ هذه الأحكام على الأرض بسبب سيطرة المجموعات المسلحة والفاسدين.
ورأي العجيلي أن مكتب النائب العام الليبي، رغم كونه أحد المؤسسات الصادقة والموثوقة في البلاد، يواجه قيودًا حقيقية في تنفيذ الأحكام على أرض الواقع، خاصة في ظل سيطرة المجموعات المسلحة وانتشار الانتهاكات.
وأكد أن القانون يمنح النائب العام صلاحية إصدار أوامر قبض محلية ودولية، بما في ذلك عبر الإنتربول، دون الحاجة لموافقة أي جهة سياسية، موضحًا أن هذه المذكرات الدولية يتم تنفيذها من قبل مراكز الإنتربول في منافذ العالم، كما حصل سابقًا في حالات مثل إيطاليا حيث تم القبض على متهمين ثم الإفراج عنهم لاحقًا.
ومع ذلك، شدد العجيلي على أن التحدي الحقيقي ليس في القانون أو سلطة النائب العام، بل في الواقع العملي الذي يعوق تطبيق القانون بشكل كامل، ويجعل تنفيذ الإجراءات القضائية على قادة الكتائب أو المتورطين بالانتهاكات أمرًا صعبًا للغاية، مشيرًا إلى أن هذا الواقع يفرض على الدولة إيجاد حلول استراتيجية لضمان احترام القانون وتحقيق العدالة.
وأشار فرج العجيلي إلى أن الوضع في طرابلس ما زال يعاني من استنفار أمني مستمر بسبب وجود تشكيلات مسلحة قوية، مشيراً إلى أن الاجتماعات الجارية بين الحكومة وقادة هذه الكتائب تترافق مع منحهم ضمانات جديدة تزيد من نفوذهم، مما سينعكس سلبًا على المواطن البسيط.
وأوضح العجيلي أن التجربة السابقة في 2013-2014 مع المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان أظهرت محدودية القوة المؤسسية في مواجهة هذه الميليشيات، حيث تعرض التقرير الوطني الصارم حول حقوق الإنسان للمضايقة والحرب السياسية، وتم إغلاق المكتب بالقوة، ما يوضح أن الحوار والاجتماعات والوعود وحدها لا تكفي لمعالجة الوضع.
وأكد أن حل الأزمة لا يمكن أن يتم إلا بالقوة المؤسسية، وأن محاولات دمج الميليشيات داخل الدولة تواجه صعوبات جسيمة، حيث أصبحت الميليشيات هي التي تتحكم فعليًا في السلطة، في حين يبقى مكتب النائب العام منصبًا قضائيًا صامتًا بدون القدرة على فرض القانون على الأرض.
وتطرق فرج العجيلي إلى دور البعثة الأممية في ليبيا، موضحاً أن تواجدها في جنزور لم يحقق الاستقرار، بل ساهم في تفاقم الأزمة.
واعتبر العجيلي أن البعثة الأممية ليست نزيهة، وأنها تتخذ مواقف متناقضة تؤدي إلى إطالة أمد الحلول. كما أشار إلى انسحاب بعض أعضاء اللجنة الاستشارية أو استقالتهم احتجاجاً على استبعادهم من المسار التأسيسي للدولة الليبية، مثل الدكتورة كوني عبودة والدكتور علي سعيد البرغثي، وهو ما يعكس فشل البعثة في تحقيق توافق وطني فعّال.
وأكد العجيلي أن الأزمة في طرابلس تبقى صعبة ومعقدة، وأن الحلول الكلامية والاجتماعات وحدها غير كافية، مشيراً إلى أن الحلول الحالية تعتمد بشكل أساسي على الجانب المالي، وأن بعض الأطراف تستخدم “المسكنات” للتغطية على المشاكل الحقيقية دون معالجة جذورها.
وتابع فرج العجيلي حديثه مشيراً إلى أن مسؤولية استمرار الانتهاكات في ليبيا تقع بدرجة أولى على العائلات التي تسمح لأبنائها بالالتحاق بالتشكيلات المسلحة، محمّلاً أيضاً المجتمع والدولة جزءاً من هذه المسؤولية.
وأكد أن هذه الانتهاكات تتعارض بشكل واضح مع نصوص الإعلان الدستوري الليبي الذي يكفل كرامة المواطن وحريته، وتنعكس سلباً على شرعية السلطات القائمة أمام المجتمع الدولي والجهات الحقوقية.
وأشار العجيلي إلى أن الواقع الحالي في ليبيا يشير إلى غياب الحلول العملية، وأن التجارب السابقة في برقة وأماكن أخرى أثبتت أن الانتهاكات الخطيرة مثل التعذيب والخطف والإخفاء القسري والحرق وغيرها بقي منفذوها غالباً دون عقاب، رغم وجود مؤسسات رسمية.
وأوضح أن برقة دفعت الثمن حتى تحقق بعض الاستقرار، في حين أن طرابلس ما زالت تحت سيطرة الميليشيات، وأن أي تقدم يتطلب تحركاً فعلياً من الشارع أو الجيش لإعادة السيطرة على الوضع وإقامة دولة قادرة على فرض القانون والمؤسسات.
وأكد أن العلانة الدستورية لم تحقق أي أثر عملي على الأرض، وأن محاولة استخدام التشريعات القائمة بدون قوة تنفيذية حقيقية يؤدي فقط إلى استمرار الفوضى والميليشيات المتحكمة في البلاد.
وأوضح فرج العجيلي أن الواقع في أغلب المدن الليبية يعكس تراكم سنوات من الانتهاكات والصراعات، مشيراً إلى أن طرابلس تتحمل اليوم ثمن الأحداث الماضية بسبب تكالب مختلف الأطراف عليها.
وأضاف أن بعض القوى داخل العاصمة ترى أن حكومة الوحدة تحاول القضاء على قوة الردع المحلية، إلا أنه شدد على ضرورة التضامن والأمل في أن يتحسن الوضع مستقبلاً.
وأختتم العجيلي حديثه بالإشارة إلى أن التدخلات الخارجية والإعلام المفتوح ساهما في تعقيد المشهد، وأن أي تغييرات حكومية لا تعالج جذور المشكلة ستظل العاصمة طرابلس تواجه نفس الأزمات، مؤكداً أن الوضع الراهن أكبر وأعمق من أن تحله الوجوه الحكومية أو المبادرات المؤقتة، وأن تراكم هذه الأزمة يمتد إلى 14 سنة من التحديات المتواصلة.









