أحواس: المليشيات تفلت من العقاب بسبب غياب الدولة

أكد الدكتور خليفة أحواس، عميد كلية القانون بجامعة سرت سابقًا، أن ليبيا من الدول الموقعة على اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، والتي انضمت إليها منذ عام 1989، ما يجعلها ملزمة قانونيًا بتطبيق بنودها.
وقال أحواس، في مداخلة عبر تلفزيون المسار، إن المشكلة في ليبيا ليست غياب النصوص القانونية أو التشريعات، إذ توجد مجموعة من القوانين الوطنية والدولية التي تكفل حقوق الإنسان وتجرم الانتهاكات الجسيمة، وإنما تكمن المشكلة في عدم تفعيل هذه القوانين على أرض الواقع.
وأشار إلى أن الدول الفاشلة هي التي تمتلك تشريعات كاملة لكنها عاجزة عن تنفيذها أو حمايتها، مؤكدا أن البلاد تعاني من انقسام سياسي ومؤسسي، وتخضع حالياً لسلطة مجموعات خارجة عن القانون، ولا تخضع لأي إطار قانوني رسمي، مما يجعل تطبيق الاتفاقيات الدولية وتحقيق العدالة بشأن الجرائم الجسيمة أمرًا صعبًا للغاية.
ونوه بأن غياب الدولة ومؤسساتها الفاعلة يمثل العقبة الكبرى أمام تنفيذ الاتفاقيات الدولية، موضحًا أن الأوضاع تجاوزت حدود الانتهاكات التقليدية لتصل إلى سيطرة الخارجين عن القانون على مفاصل الدولة.
وحذر أحواس من خطورة تراجع الدولة عن سلطاتها ومؤسساتها أمام هذه الجماعات، ما يفاقم من إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب ويهدد حقوق المواطنين الأساسية.
وأضاف أحواس، أن ليبيا لم تعد تعاني فقط من انتهاكات متفرقة، بل من نمط ممنهج تمارسه جهات تمتلك القوة الفعلية خارج الإطار الشرعي.
وأوضح أن النائب العام ووزارة الداخلية يمثلان كيانًا شرعيًا، إلا أن القوة والإمكانات أصبحت فعليًا في يد جهات غير قانونية، تظهر أحيانًا تحت مسميات تشكيلات أو كيانات مختلفة، رغم أنها خارج سلطة الدولة، بل إن بعضها يتستر خلف شرعية الدولة ويعمل تحت مظلتها.
وقال أحواس، إن التدهور في المشهد الأمني والقانوني يمتد إلى المستوى الفردي، ويؤثر على التعامل مع الذكاء الاصطناعي ووسائل الإعلام، حيث يتم تقديم بعض الانتهاكات في إطار إعلامي موجّه بهدف التأثير على الرأي العام.
واعتبر أن ما يحدث “أمر تقشعر له الأبدان، وهو محرّم في الشريعة الإسلامية ومجرّم بموجب القوانين الدولية”، مذكّرًا بأن ليبيا موقعة على اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، بالإضافة إلى الاتفاقية الخاصة بعدم تقادم جرائم الحرب، غير أنها ليست طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية، ويقتصر اللجوء إليها على حالات محددة بعد إثبات عدم قدرة القضاء الوطني على فرض سلطته، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
وتابع أحواس قائلاً: الجهات القضائية تؤكد يوميًا قدرة القضاء الوطني على تحقيق العدالة، إلا أن الواقع يعكس عجزًا واضحًا عن ملاحقة الجناة وضمان كرامة المواطن الليبي.
وشدد على أن الإعلان الدستوري الجديد ينص بوضوح على احترام حقوق الإنسان وكرامته، والسعي للانضمام إلى المواثيق الدولية، داعيًا إلى الالتزام بهذه المبادئ للخروج من حالة الفوضى التي تعيشها البلاد.
من جهة ثانية، أكد أحواس أن الدساتير والقوانين والاتفاقيات الدولية تبقى مجرد نصوص غير فعّالة إذا لم تُطبّق عمليًا لحماية حقوق الإنسان وحرياته.
وأشار إلى أن المواطنين يعيشون في ظل شعور مستمر بعدم الأمان، وأن منظومة القضاء غير قادرة على محاسبة المجرمين بفعالية.
وانتقد أحواس، الوضع الأمني الحالي، مبيناً أن الحديث عن استعادة الشرطة والجيش يبقى مجرد شعارات لا تعكس الواقع، مشددًا على أن الدولة الحقيقية تقوم فقط عند احتكار الأجهزة الرسمية للقوة، وأن غياب سلطة الجيش والشرطة يعني غياب الدولة نفسها.
وأفاد بأن بعض المجموعات المسلحة تم تشكيلها بشكل ذاتي وتتبع أفرادًا بعينهم، بينما يتحكم المطلوبون جنائيًا أحيانًا في المؤسسات نفسها، مما يعطل أي تقدم سياسي ويعيق قيام الدولة.
ووصف أحواس حالات الحجز خارج القانون بأنها “مدانة مسبقًا”، مؤكدًا أن أي احتجاز لا يستند إلى إجراءات قانونية يشكل انتهاكًا خطيرًا، ومشيرًا إلى أن أي خطوة نحو بناء دولة القانون تواجه تراجعًا لصالح القوة الغاشمة التي تعرقل مؤسسات الدولة. وأكد على الحاجة إلى عدالة تصالحية تتجاوز العدالة الانتقالية، مع ضرورة محاسبة الجناة دون إفلات من العقاب حتى في سياق المصالحة.
ولم يخف أحواس انتقاده للمجتمع الدولي، معتبرًا أنه عاجز عن فرض حلول حقيقية في ظل الانتهاكات الداخلية، ومشيرًا إلى أن الوضع في ليبيا يشكل تهديدًا للقيم الإنسانية قبل أن يكون أزمة قانونية أو سياسية.
كما أبرز أحواس أن القانون الدولي، بما يشمله من مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، يصطدم بالتعددية الداخلية للسلطات الليبية، ما يعيق تطبيق الاتفاقيات الدولية، ويشجع الجهات الخارجية على تجاوز القانون.
وأوضح أن غياب تطبيق الأوامر الوطنية الجنائية وعدم تنفيذ العقوبات ضد المعرقلين السياسيين يزيد من تعقيد الأوضاع ويضعف جهود المجتمع الدولي لتحقيق السلام والاستقرار.
وأضاف أن حكومة الوحدة المؤقتة، إذا كانت فاعلة وتعمل ضمن أجندة دولية، يجب أن تعكس إرادة المجتمع الدولي في تحقيق العدالة والإنصاف داخل البلاد، مشدداً على أن كل مؤسسة تابعة للحكومة، والتي تتلقى التمويل وتدفع المرتبات، تتحمل مسؤولية أفعالها، بما يشمل مرافق الدولة العامة.
وأكد أن هذه المسؤولية تصبح أكبر إذا كانت الحكومة تعمل تحت مظلة كتائب مسلحة أو أي كيانات مرتبطة بها، مما يجعل موقفها الحالي شديد الصعوبة.
وأشار أحواس إلى أن المجتمع الدولي، الذي كان يفترض أن يكون جزءًا من الحل، أصبح في الواقع جزءًا من المشكلة، منتقدًا استخدام البعثة الأممية لمصطلحات غامضة مثل “الحوار المهيكل” و”الإجراءات الأحادية”، ووصفها بأنها مجرد تكرار كلامي لا يخدم المواطن الليبي.
وأضاف أن الانتهاكات المستمرة للتعليمات والأوامر داخل المؤسسة العسكرية والقضائية تعكس واقعًا مأساويًا يفتقد للشرعية الحقيقية، مشيراً إلى أن رئيس الأركان في الغرب لا يمتلك سلطة فعلية على إصدار التعليمات، وأن التداخل بين الأجهزة الأمنية والقضائية، مع وجود وزارات داخلية ودفاع في الشرق والغرب، ونائب عام ومدعٍ عام منفصلين، يزيد من الانقسام ويعزز غياب القانون.
وشدد أحواس على الحاجة إلى “حراك وطني كبير” لإعادة الأمور إلى نصابها وتحقيق الأمن والاستقرار، معبراً عن أمله في إحراز تقدم ملموس في مجالات العدالة الانتقالية والمحاكمات، بما يتيح لليبيا استعادة سيادة القانون وتحقيق العدالة الحقيقية. وختم أحواس دعوته بالدعاء لله أن يوفق الجميع للعودة إلى رشدهم، وأن تستعيد ليبيا وحدتها مع احترام القانون وحقوق الإنسان.









