العمامي: خفر سواحل طرابلس متورط بانتهاكات موثقة ضد المهاجرين

أكد جمعة العمامي رئيس منظمة التضامن لحقوق الإنسان في حديث لقناة الوسط أن حادثة إطلاق النار على سفينة مدنية تقوم بمهام إنقاذ المهاجرين في المياه الإقليمية الليبية ليست حادثة جديدة، بل متكررة، حيث وثقت جهات حقوقية دولية وليبية متخصصة عدة حالات مشابهة في سياق أزمة الهجرة واللاجئين في البحر المتوسط.
وأوضح العمامي أن ما حدث يعكس استراتيجية الاتحاد الأوروبي المعروفة بسياسة “البوشباك” (Pushback)، والتي تهدف إلى الحد من تدفق المهاجرين واللاجئين عبر البحر المتوسط باتجاه أوروبا، من خلال دفعهم للعودة قسرًا أو منعهم من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية، خاصة إيطاليا التي تُعتبر البوابة المفتوحة أمام هؤلاء المهاجرين.
وأضاف أن هذه السياسة الأوروبية تعتمد بشكل كبير على دعم خفر السواحل الليبي، في إشارة للجهاز التابع لحكومة الوحدة الوطنية، والذي أصبح أحد الأدوات الرئيسية في تنفيذ هذه الاستراتيجية، رغم سجله الطويل من الانتهاكات الموثقة بحق المهاجرين واللاجئين.
وأضاف أن جهاز خفر السواحل تجاوز في كثير من الحالات الحدود القانونية، إذ يقوم بانتهاكات خطيرة داخل المياه الإقليمية الليبية، تصل في بعض الأحيان إلى إطلاق النار على سفن مدنية تعمل على إنقاذ الأرواح.
وأشار العمامي إلى خطورة ما وصل إليه الوضع مع تصاعد عمليات إطلاق النار على سفن إنقاذ مدنية، قائلاً: “الموضوع الآن لم يعد مجرد محاولة لمنع الهجرة، بل أصبح يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة الناجين والمهاجرين الذين يحاولون الفرار من ظروف الحرب والفقر في ليبيا ودول الجوار.
وأكد رئيس منظمة التضامن أن هذا التمادي يأتي في ظل اتفاقيات التعاون بين إيطاليا وليبيا، التي بدأت في 2020 واستمرت بعدها، والتي منحت خفر السواحل الليبي صلاحيات واسعة لتشديد المراقبة على البحر ومنع تدفق المهاجرين.
وأضاف أن هذا الملف بات يُستخدم أيضًا كأداة ضغط من قبل بعض السياسيين الليبيين للحصول على امتيازات من الدول الأوروبية، في إطار صفقات سياسية واقتصادية.
وتابع العمامي بقوله: ” من المؤسف أن المهاجرين واللاجئين هم من يدفع الثمن الباهظ لهذه السياسات، حيث يتعرضون للاحتجاز التعسفي، التعذيب، والإعادة القسرية، بل وأحيانًا يكونوا عرضة لإطلاق النار على متن قواربهم، بينما الجهات الدولية تبقى متفرجة في كثير من الأحيان”.
ودعا العمامي المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان إلى تحمل مسؤولياتها، والعمل على وضع حد لهذه الانتهاكات، وحماية حقوق اللاجئين والمهاجرين، مطالبًا بفتح تحقيقات مستقلة في الحوادث الأخيرة والتوقف عن استخدام خفر السواحل الليبي كذراع لتنفيذ سياسات دفع المهاجرين، التي لا تراعي حقوق الإنسان.
وأشار إلى أن المتابعون لقضية الهجرة يعلمون جيدًا أن هذه الممارسات باتت سياسة ممنهجة تستهدف تقليل وصول المهاجرين إلى أوروبا، لكن على حساب أرواح البشر وكرامتهم، وهذا أمر مرفوض ويجب أن يتوقف فورًا.”
وأضاف أن المنظمات الإنسانية والضحايا لديهم الحق الكامل اليوم في رفع دعاوى قضائية ضد حكومات أوروبية بتهمة التواطؤ في انتهاك حقوق المدنيين وحقوق المهاجرين. موضحاً أن هذا الحق مستند إلى استراتيجيات وآليات قانونية واضحة ومعلنة، حيث توجد خطط موضوعة بدقة في وثائق رسمية تتناول كيفية التعامل مع ملف الهجرة من قبل بعض الدول الأوروبية.
وأشار العمامي إلى وجود قضايا حالية في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تقدم بها ضحايا ضد بعض هذه الممارسات، حيث تم تقديم قضايا ضد السلطات الليبية في إيطاليا نتيجة لهذه الانتهاكات.
وأكد رئيس منظمة التضامن لحقوق الإنسان أن هذه القضايا تمثل خطوة مهمة في محاسبة الأطراف المتورطة، داعياً إلى مزيد من التحرك القانوني والإنساني لضمان حماية حقوق المدنيين والمهاجرين، ووقف كل أشكال التواطؤ التي تؤدي إلى انتهاك حقوق الإنسان.
وشدد العمامي على ضرورة تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه الأوضاع التي تضع حياة آلاف الأشخاص في خطر، مؤكداً أن العدالة هي السبيل الوحيد لتحقيق السلام والكرامة الإنسانية. مبيناً أن الصمت الرسمي الليبي حول الحوادث المتكررة التي تستهدف السفن التي تقل لاجئين ومهاجرين في البحر المتوسط يمثل موقفًا مثيرًا للقلق، ويثير الكثير من التساؤلات حول ما إذا كان هذا الصمت إنكارًا أم نوعًا من الإقرار الضمني.
وأشار إلى أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الجانب الليبي، بل تقع في المقام الأول عند الاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد استراتيجية محددة في التعامل مع تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط، والتي أثبتت نجاحًا نسبيًا في الحد من أعداد المهاجرين وقال: “الاتحاد الأوروبي يعتمد على استراتيجية قوية في مراقبة الحدود ومنع عبور القوارب، حيث نجحت في تقليل الأعداد بشكل كبير خلال عامي 2023 و2024، ولكن هذا النجاح جاء بتكلفة إنسانية كبيرة بسبب الدعم المباشر الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لخفر السواحل الليبي.”
ولفت العمامي إلى أن التعاون بين الاتحاد الأوروبي وخفر السواحل – التابع لحكومة الوحدة الوطنية – يشمل تزويد الأخير بالمعدات والتدريب، ما يشكل جزءًا من المشكلة، لأن هناك ارتباطًا مباشرًا بين خفر السواحل وبعض الميليشيات المسلحة التي تعتمد على تجارة البشر كوسيلة رئيسية للربح، ما يجعل هذه العملية معقدة وخطرة.
وأضاف: الميليشيات التي تطارد اللاجئين والمهاجرين إما أنها تمنع انطلاق القوارب أو تتلقى مبالغ مالية كاملة لإطلاقها، لكن في معظم الأحيان تُعاد القوارب بعد محاولة العبور، مما يضع اللاجئين في مواقف خطرة جدًا.”
وأشار العمامي إلى أن الناشطين الحقوقيين والقانونيين يجب أن يعملوا على زيادة الضغط على الاتحاد الأوروبي من أجل إعادة النظر في استراتيجيته، خاصة فيما يتعلق بعمليات إعادة القوارب إلى ليبيا أو الموانئ الساحلية، حيث يجب أن تتم هذه الإجراءات قبل أن تغادر القوارب المياه الليبية أو تدخل المياه الإقليمية الأوروبية.
وتابع: هناك حالات كثيرة يشوبها الغموض والأخطاء في التعامل مع هذه الأوضاع، وأبرزها حادثة إطلاق النار على سفينة أوروبية كان طاقمها من جنسيات أوروبية، وهو ما جعل الإعلام يتبنى القضية ويعطيها اهتمامًا واسعًا، بينما هناك مئات الحالات المماثلة التي لا تحظى بنفس التغطية الإعلامية أو المتابعة.”









