القنيدي: إصلاح الأمن والقضاء شرطاً لتحقيق العدالة وإنهاء الإفلات من العقاب

ندد رئيس منظمة نداء لحقوق الإنسان موسى القنيدي باستمرار حالة الإفلات من العقاب وتجاهل السلطات الليبية للتقارير الأممية والدولية التي توثق الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وعلى رأسها الاختفاء القسري، والتعذيب، والاحتجاز خارج نطاق القانون في مراكز احتجاز غير رسمية.
وأشار القنيدي إلى البيان الأخير الصادر عن بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، والذي كشف عن تفشي ظاهرة الحبس الانفرادي، وتزايد عدد مراكز الاحتجاز غير الرسمية الخاضعة لسيطرة جماعات مسلحة، خاصة في المناطق الغربية من البلاد، مؤكدًا أن هذه المراكز أصبحت بيئة خصبة للتعذيب، والتنكيل، وحرمان المحتجزين من أبسط حقوقهم القانونية والإنسانية.
وأوضح القنيدي في حديث لـ “قناة الوسط” رصدته “الساعة 24” أن الاختفاء القسري ليس ظاهرة جديدة على المشهد الليبي، بل يمثل امتدادًا لانتهاكات ممنهجة تعود لعقود مضت، بدأت منذ خمسينيات القرن الماضي في ظل أنظمة قمعية، وازدادت خلال فترات النزاعات المسلحة، مرورًا بمجازر مثل مجزرة سجن أبو سليم عام 1996، وصولًا إلى حالة الفوضى التي أعقبت عام 2011، والتي فاقمت من حجم الانتهاكات والجرائم.
ولفت إلى أن القانون الليبي يُجرّم بوضوح هذه الجريمة، لا سيما القانون رقم 10 لسنة 2013 بشأن تجريم التعذيب والاختفاء القسري والتمييز، والذي ينص على عقوبات مشددة تصل إلى أكثر من عشر سنوات، لكن غياب المساءلة الفعلية، والانهيار المتكرر في منظومتي الأمن والعدالة، ساهم في تكريس مناخ الإفلات من العقاب.
وأضاف القنيدي، أن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الإرادة السياسية، بل في تآكل مؤسسات الدولة، وضعف القضاء، وغياب المساءلة الجنائية، مما يجعل محاسبة الجناة أمرًا شبه مستحيل في ظل الظروف الراهنة. مؤكداً أن الواقع الليبي لا يسمح اليوم بتطبيق العدالة أو فتح تحقيقات جدية في ملفات حساسة مثل هذا الملف، بسبب التدخلات السياسية والانقسام المؤسساتي الحاد، ما أفرغ العدالة من مضمونها، ورسّخ ثقافة الإفلات من العقاب.
وبين رئيس المنظمة الحقوقية، واقع المؤسسات العدلية اليوم والتي أصبحت منهارة بشكل كامل، في ظل الفوضى والفساد وغياب الإرادة السياسية الجادة في إرساء مبدأ المساءلة والمحاسبة.
وأكد أن ليبيا لم تحقق أي تقدم ملموس في ملف الاختفاء القسري منذ عام 2010، بل إن الأوضاع تسير نحو الأسوأ، مشيرًا إلى أن هذا الملف أصبح من أبرز العناوين السوداء في الذاكرة الليبية.
وردًا على بعض التصريحات التي قالت إن الظاهرة بدأت بعد 2011، أوضح القنيدي أن هذا خطأ تاريخي، مشيرًا إلى أن هناك عائلات أبلغت عن حالات اختفاء منذ الثمانينيات والتسعينيات، بل وحتى قبل ذلك، مما يؤكد أن الاختفاء القسري جرح قديم لم يندمل.
ورغم تشاؤمه حيال الأوضاع العامة، أعرب القنيدي عن تقديره لبعض الجهود القائمة، مشيدًا بعمل الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، والتي وصفها بأنها تقوم بـ “عمل جبار في ظروف صعبة”، داعيًا إلى دعم هذه الجهود ومساندتها بدلًا من إطلاق أحكام سلبية دون الاطلاع على الواقع.
وأشار كذلك إلى جهود المجلس الوطني للحريات العامة، ومكتب الأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان، مؤكدًا وجود مبادرات جارية لتعديل الإطار التشريعي بما يعزز من أدوات الملاحقة القضائية ويغلق الثغرات القانونية.
وفي هذا السياق، أطلق القنيدي نداءً عاجلًا إلى المجتمع الدولي والمنظمات الأممية بضرورة التدخل لدعم المسار الحقوقي في ليبيا، مطالبًا بتقديم الدعم الفني واللوجستي للمؤسسات القضائية، لأن أي مسار للسلام لا يمكن أن يكتمل دون تحقيق العدالة للضحايا والكشف عن مصير المختفين قسرًا.
وعن مسؤولية المجتمع الدولي، أكد القنيدي أن التقاعس الدولي في الضغط من أجل العدالة والمحاسبة ساهم في تعقيد المشهد الليبي، مشيرًا إلى أن أدوات فعالة مثل مجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية لم تُفعل بالشكل الكافي، إما بسبب التجاذبات السياسية أو ضعف الإرادة في تفعيل المساءلة الجادة.
وأوضح أن بعض الجهات الفاعلة في ليبيا لا تملك صلاحيات تنفيذية حقيقية، ما يجعلها عاجزة عن التصدي لآليات المحاسبة الدولية، مضيفًا أن الإفلات من العقاب لا يزال هو السمة الغالبة، وهو ما يساهم في استمرار الانتهاكات وإطالة أمد الصراع.
وأضاف أن المسؤولية لا تقع فقط على المنظومة الدولية، بل يتحمل الليبيون أنفسهم مسؤولية كبيرة، خاصة مع غياب الإرادة السياسية من الأطراف الداخلية، واستمرار التنازع على السلطة وتغليب المصالح الضيقة، ما أدى إلى عرقلة أي مسار جاد نحو الاستقرار.
وختم القنيدي حديثه مؤكدًا : ” أنه لا يمكن لأي حل أن يُفرض من الخارج دون وجود إرادة داخلية حقيقية. كما أن العدالة الدولية لن تتحرك بفعالية في مناخ سياسي هش تغيب فيه المسؤولية الوطنية، مبيناً أن تجاهل المسؤولين لما يجري من جرائم اختفاء قسري هو مجرد حلقة في مشهد عبثي أوسع تعيشه ليبيا منذ سنوات، وأن كسر هذه الحلقة لن يتحقق إلا بإصلاح شامل للمنظومة الأمنية والقضائية.









