ليبيا

الشحومى: الدبيبة يتحدث عن إخضاع مليشيات طرابلس بينما مصراتة خارج الرقابة

أكد الناشط والمدون أسامة الشحومي أن الوضع الأمني في العاصمة طرابلس لا يزال هشاً، وأن هناك مخاوف حقيقية من تكرار سيناريو المواجهات المسلحة بين الميليشيات، مما يشكل خطراً كبيراً على المدنيين ويهدد استقرار المدينة بأكملها.

وأشار الشحومى في حديث لقناة “المسار” ورصدته “الساعة 24” إلى أن المشكلة ليست مجرد تحذير من تصاعد النزاعات المسلحة، بل تتعلق بوجود ميليشيات مسلحة قوية وغير خاضعة للسلطة الرسمية، خصوصاً في مناطق مثل مصراتة، حيث تمتد نفوذها على القاعدة البحرية ومطار المدينة، وتؤثر على مختلف الشؤون الأمنية.

وتناول الشحومي موضوع تدخل حكومة الوحدة، واصفًا المواقف الأخيرة لرئيسها عبد الحميد الدبيبة بأنها “كلمة حق أريد بها باطل”، مؤكدًا أن غالبية الليبيين يتفقون على ضرورة خضوع مؤسسات الدولة تحت سيطرة الوزارات الرسمية، إلا أن التطبيق العملي يبدو بعيد المنال بسبب استمرار وجود الميليشيات المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة.

وأوضح أن حكومة الدبيبة تتحدث عن تطبيق معايير دولية وقوانين صارمة لتسليم المقرات العسكرية والموانئ والمطارات، لكن الواقع يظهر عكس ذلك، حيث تركت الحكومة مناطق مهمة مثل مصراتة دون رقابة فعلية، وركزت جهودها على طرابلس فقط، مما يعزز فكرة وجود استغلال للوضع من قبل بعض الأطراف لتكريس واقع موازٍ لقوة الدولة.

وحذر الشحومي من أن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التوترات، مشيرًا إلى أن ما يحدث يشبه صراع ميليشيات متعددة تحت شعار الدولة، متسائلاً عن دور الحكومة منذ استلامها السلطة ولماذا لم تستطع فرض سيطرتها على كل الأراضي الليبية.
وفي إشارة إلى الأحداث الأخيرة في مايو 2025، أكد أن الخسائر البشرية التي حدثت خلال المواجهات الأولى قتل فيها 15 شخصًا خلال يومين، وهرب 461 سجينا وفق تقارير مكتب النائب العام، مضيفًا أن رفع مستوى التصعيد قد يؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة.

ودعا الشحومي إلى ضرورة تشكيل حكومة جديدة تكون مهمتها توحيد المؤسسة العسكرية وإدخال إصلاحات سياسية جذرية عبر حوار شامل بين جميع الأطراف الليبية، مؤكدًا أن غياب هذا الحوار سيؤدي حتماً إلى استمرار الصراعات ووقوع ضحايا أبرياء.

وطرح تساؤلاً مهمًا: “هل يمكن للحكومة الحالية أن تفرض سلطة الدولة وتطبق القانون على الجميع؟ أم أن واقع الفوضى والتدخلات المسلحة سيظل قائماً؟”، داعياً إلى تحرك عاجل وحقيقي لإنقاذ العاصمة والمناطق الأخرى من دوامة العنف والفوضى.

وعبر الشحومي عن إحباطه من أداء البعثة الأممية، مؤكداً أن التجارب السابقة، خاصة أحداث عام 2014، أثبتت أن البعثة تعمل على خط مغاير للواقع الميداني، وذكر بأنها كانت تحذر من خطر التصعيد والامتداد العسكري، لكن ما يحدث على الأرض يظهر انقسامًا واضحًا بين الخط السياسي والعمليات العسكرية، متسائلاً عن المعنى الحقيقي لتحذيرات البعثة في هذا التوقيت الحساس ومدى تأثير الدعم الدولي على الحكومة التي تبدو غير مكترثة بالخسائر المدنية، خاصة في المواقع الحيوية مثل المطار والميناء، مشيراً إلى وجود تحشيدات عسكرية وانتهاك مستمر لهدنة 2020، وأن الأطراف المتصارعة تحاول تحميل بعضها مسؤولية خرق الاتفاق، موضحًا أن الأزمة تفاقمت بسبب تحالف خطير بين الفساد وأيديولوجيات متطرفة ممثلة في دار الإفتاء، مما يزيد من تعقيد المشهد في المنطقة الغربية.

وأكد أن الدعم الدولي لحكومة الوحدة يرتكز على فرض سيطرتها الكاملة على طرابلس لتكون الطرف الفاعل الوحيد في أي تفاوض مستقبلي، لكنه وصف هذا الأمر بالغير واقعي في ظل الانقسام وانعدام وضوح الولاءات السياسية والعسكرية.

وأضاف أن حكومة الوحدة، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على وجودها، لم تحقق أي إنجاز ملموس، وأن التوقعات المطروحة في الأشهر الأخيرة غير واقعية تمامًا. موضحاً أن الحكومة تخشى من العقوبات الدولية أكثر من أي شيء آخر، كون لديها مصالح وأملاك في الخارج، معتبراً أن دماء الشعب الليبي ووحدته ليست ضمن أولوياتها، بل تسعى فقط لإيجاد مخرج آمن لها. أو تثبيت حضورها السياسي في المستقبل، لكن هناك روايات مغايرة تنفي وجود دعم دولي حقيقي لها، ما يعكس حجم التناقضات والتحديات التي تواجهها ليبيا.

ورأي الشحومي أن التصعيد الحالي في طرابلس يعكس تعثر جهود البعثة الأممية التي تقتصر على إدارة الأزمة دون تقديم حلول جذرية، مما يفسح المجال لتدخلات دولية من دول مثل تركيا وبريطانيا، اللتين تعملان وفق مصالح خاصة قد تؤدي إلى تعميق الصراع.

كما أكد أن تركيا تسعى لاستغلال ليبيا كورقة ضغط على أوروبا، وأن تدخلها مرتبط بمصالح استراتيجية واقتصادية، مشيرًا إلى أن ليبيا أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

ودعا إلى وقف التحريض السياسي، خاصة من بعض الشخصيات الدينية، وضرورة فتح حوار “ليبي – ليبي” بعيدًا عن تحالفات الفساد والإيديولوجيات المتطرفة، معربًا عن أمله في توجه حقيقي نحو المصالحة الوطنية التي تواجه تحديات كبيرة في ظل التوترات الحالية.

وذكر الشحومي وجود محاولات من بعض أجنحة الحكومة للسفر إلى واشنطن، إلا أن الجانب الأمريكي طلب تأجيل هذه الزيارة، مما يعكس تعقيدات دبلوماسية تواجه الأطراف الليبية. مبيناً أن حكومة الدبيبة تسعى بقوة للتخلص من أي ميليشيات قد تعرقل وجودها في طرابلس، معتبراً أن تلك الميليشيات ليست قوة حقيقية، بل قوة أمر واقع تسعى لفرض وجودها على الأرض.

ولفت إلى أن المجتمع الدولي، وعلى رأسه تركيا وبريطانيا وأمريكا، يمتلكون القدرة على التدخل، لكنه تساءل عن سبب تأخر هذه الأطراف في اتخاذ خطوات حاسمة رغم الإمكانيات المتاحة.

وفيما يخص الرؤية الأمريكية، أوضح الشحومي أن الدافع الأساسي لزيادة الاهتمام الأمريكي بليبيا هو محاولة صد التمدد الروسي في القارة الأفريقية، معتبراً هذا العامل حجر زاوية في الاستراتيجية الدولية تجاه ليبيا.

وذكر أن الدور التركي القوي على الأرض في الغرب الليبي، الذي لا تملكه دولة أخرى في المنطقة، مؤكدًا أن تصريحات المسؤولين الأتراك تؤكد حرص أنقرة على منع انزلاق طرابلس إلى حرب واسعة.

وحول الزيارات والجهود الدبلوماسية، أكد الشحومي أن الأدوار القائمة في طرابلس تهدف إلى منع الانزلاق نحو حرب مفتوحة، مشيرًا إلى أن الأطراف الدولية لا تسعى لإحداث المشاكل، بل تتقن فن إدارة الأزمات بما يتوافق مع مصالحها، دون أن يكون لديها أعداء دائمون.

ولفت إلى أن المصالح المشتركة الدولية في ليبيا تستند إلى اتفاقات مثل الاتفاق الموقع بين تركيا وحكومة السراج عام 2019، الذي يشكل نقطة ضغط دبلوماسية على دول مثل اليونان، ويُستخدم كذريعة لفرض حضور وتأثير القوى الدولية، في ظل تحذيرات دولية متزايدة بشأن استمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار.

وفي ختام تحليله، طرح الشحومي سؤالًا محوريًا: “من يملك الرصاصة الأولى؟ ومن يطلقها؟”، ليبرز حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأطراف المختلفة في منع تصاعد العنف، مشيرًا إلى أن الخطير ليس فقط إطلاق تلك الرصاصة، بل خطاب الكراهية والتشفي الذي يرافقه، والذي قد يكون دافعًا لاندلاع النزاعات. وأوضح أن أي شخص “متهور” أو “ساذج” قد يكون السبب في إشعال فتيل حرب جديدة، مستشهدًا بالحرب العالمية الأولى التي بدأت بسبب حادثة بسيطة لكنها أدت إلى أكبر كارثة في التاريخ الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى