غنية: مصراتة لعبت دوراً محورياً في زعزعة استقرار طرابلس

اعتبر المحلل السياسي عبد العزيز غنية، أن وقف إطلاق النار في العاصمة طرابلس، يمكن أن يكون خطوة جيدة، لكنها ليست حلاً نهائياً للأزمة التي وصفها بـ “المركبة والمعقدة”.
وقال غنية في تصريحات لتلفزيون “المسار”، إن العاصمة، التي يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، لا تزال تعاني من هيمنة مجموعات مسلحة ذات نفوذ كبير منذ العام 2012، مشيراً إلى أن هناك محاولات سابقة لجمع السلاح وإدماج هذه الجماعات داخل مؤسسات الدولة باءت بالفشل.
وأضاف أن تلك المجموعات احتفظت بالسلاح وقامت بتخزينه داخل المدن، ما شكل تهديداً مباشراً لحياة المدنيين، مستشهداً بانفجار مخزن الذخيرة الذي حدث في مدينة مصراتة كمثال على حجم الخطر القائم.
وشدد على أن الجهود الأممية، المبذولة لا ترقى إلى مستوى الحل السياسي الشامل، مبيّناً أن الملف الليبي أصبح ساحة لتقاطع مصالح دولية وإقليمية لا ترغب فعلياً في استقرار ليبيا، لأن الدولة الموحدة القادرة على قول “لا”، أمر يتعارض مع مصالح الأطراف الدولية، على حد تعبيره.
وانتقد غنية ازدواجية المعايير في تعامل المجتمع الدولي مع الملف الليبي، مذكّراً بموقف الدول الغربية أثناء دخول الجيش إلى العاصمة في عام 2019، حيث لم تُعترف بسلطته رغم سيطرته على الأرض، مما أسهم في تحويل بعض الجماعات المسلحة إلى “جيوب بسيطة” تفرض واقعاً غير مستقر.
كما عبّر عن قلقه من أن وقف إطلاق النار الحالي قد يكون مؤقتاً، حيث تعيش تلك المجموعات على “البارود والقتال والتهييج”، وتُغذىَ من خلال استغلال الشباب الباحثين عن فرص عمل، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مثل ارتفاع الأسعار وانهيار الدينار.
وأكد غنية، أن استمرار العنف يخدم مصالح من يسعون لتحقيق مكاسب آنية، سواء كانت مادية أو سياسية، عبر السيطرة على الأرض أو نهب المال العام، في ظل غياب مشروع وطني حقيقي يعكس تطلعات الليبيين في الاستقرار والإعمار.
ورأي غنية أن البعثة الأممية أصبحت تمثل “شراً لا بد منه”، مؤكدًا أن دورها لم يعد يهدف إلى حل الأزمة الليبية، بل إلى إدارتها فقط، كما أنها تفتقر إلى أدوات الضغط الحقيقية، نظرًا لغياب سلطة دولة قوية تقف خلفها، مما يجعلها غير قادرة على فرض حلول أو اتخاذ خطوات جادة لوقف الحرب.
وأضاف أن دور البعثة لا يتجاوز إصدار البيانات، مشبهًا جهودها بما يقوم به بعض شيوخ المصالحة الاجتماعية، من محاولات لاحتواء النزاعات دون امتلاك الوسائل الكفيلة بفرض السلام.
وتابع بالقول: البعثة أصبحت تعتمد على استمرار الأزمة، مؤكدًا أن العاملين فيها، يتقاضون رواتب ومزايا دون أن ينعكس ذلك إيجابًا على الواقع الليبي. وهي لا تبالي بمالات الأوضاع في البلاد بقدر ما تركز على أداء عملها الوظيفي الشكلي.
وأعرب غنية عن أسفه الشديد لحالة الانقسام الداخلي، حيث يقف الليبيون في مواجهة بعضهم البعض، في حين تُستنزف ثروات البلاد، وعلى رأسها النفط، دون أن يستفيد منها المواطن العادي الذي يعيش أوضاعًا معيشية متدهورة.
وأشار إلى أن ما يحدث يدمى القلب، وأن الأزمة أصبحت تُدار على حساب الليبيين وأموالهم، في ظل غياب مشروع وطني جامع، وغياب إرادة دولية حقيقية لوقف النزاع.
وانتقد غنية رئيس حكومة الوحدة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، متهمًا إياه باستغلال الانتماء القبلي، والمكانة الاجتماعية لمدينة مصراتة، إضافة إلى توظيف المال العام لأغراض سياسية وشخصية.
ونوه بأن مدينة مصراتة، التي لم تُسلّم سلاحها، لعبت دورًا محوريًا في تكوين المجموعات المسلحة التي ساهمت في زعزعة استقرار العاصمة طرابلس بعد أحداث “فجر ليبيا” عام 2014، التي استهدفت مطار طرابلس، وأدت إلى تدميره وخسارة طائرات بالمليارات، ولا يزال المسؤولون عن تلك الأحداث دون محاسبة.
كما أشار إلى أن سكان طرابلس عاشوا بعد تلك الفترة حالة من الرعب، إذ لم يكن بمقدورهم تجاوز الطريق السريع جنوبًا بسبب سيطرة المجموعات المسلحة المحسوبة على مصراتة.
وأضاف غنية أن هذه المجموعات لم تغادر إلا بعد أن انتفضت ضدها جماعات عسكرية أخرى داخل طرابلس، متهمًا بعض الفصائل باغتصاب المنازل، وانتهاك حقوق المدنيين، داعيًا إلى العودة إلى الأرشيف المرئي لتوثيق تلك الجرائم، ومنها ما حدث في غرغور، بالإضافة إلى حالات الاختفاء القسري، مثل اختفاء الناشط المدني المعز بانون.
ولفت غنية، إلى أن الدبيبة لجأ للتستر وراء قبيلته، رغم أن بعض أفرادها حاولوا النأي بأنفسهم عن مشروعه، وانحازوا إلى مشاريع سياسية أخرى، مثل وزير الداخلية الأسبق فتحي باشاغا، ومع ذلك، واصل الدبيبة، استغلال المال العام والسلطة للحفاظ على موقعه، خاصة في ظل غياب توافق دولي حول تغيير الحكومة. متهماً إياه بمحاولة الضغط على الأمم المتحدة لتشكيل حكومة جديدة يعود من خلالها إلى السلطة عبر دعم مسلح من مصراتة، معتبرًا أن هذا السلوك يمثل التفافًا على المسار الديمقراطي، واستخدامًا واضحًا للسلاح خارج سلطة الدولة لتحقيق مكاسب سياسية.
وقال غنية إن مجموعتي “غنيوة” و”قوة الردع” هما القوتان الأساسيتان اللتان تحددان استمرار الدبيبة في السلطة، مؤكدًا أن الحكومة حاولت إزاحة مجموعة “غنيوة” في خطوة وصفها بـ “المسرحية الهزلية”. موضحاً أن قوة الردع لا يمكن تجاهلها، لكونها موجودة في بيئتها الاجتماعية بسوق الجمعة، التي اعتبرها حاضنة قوية لها.
كما أشار إلى أن المؤسسات القضائية والرقابية باتت مرعوبة من سطوة هذه التشكيلات المسلحة، في ظل غياب فعلي لدور قوة الردع، التي كانت من أبرز الفاعلين الأمنيين في العاصمة، لكنها اليوم – حسب قوله – لم تعد تملك أي حضور فعلي أو تأثير داخل مفاصل القرار.. وأضاف أن بعض الوزراء في حكومة الدبيبة يتحكمون في أكثر من حقيبة وزارية، ما يدل على فشل إداري وتضخم في الفساد.
إلى اعتبر غنية أن المشهد السياسي في طرابلس بات مرتهناً لتحالفات غير مستقرة تستند إلى المصالح المادية، وليس إلى مبدأ وطني ثابت، مشيرًا إلى أن الولاء للحكومة بات قائماً على منفعة مالية بحتة، ضمن سلسلة من المصالح والولاءات المتغيرة.
وتابع: المجموعات المسلحة التي تسيطر على العاصمة لا تمتلك انتماءً وطنياً حقيقياً، بل تستمد شرعيتها من سطوتها على الأرض، مستشهداً في هذا السياق بمجموعات من الزنتان، رغم فقدانها لأبنائها في عمليات “فجر ليبيا”، لكنها عادت اليوم إلى تحالفات مريبة مع من كانوا خصوماً مباشرين لها – بحسب قوله.
وفي السياق ذاته بين أن المواقف السياسية المتقلبة لا تُفهم إلا في إطار الصراع على السلطة والاستحواذ على موارد الدولة. ولفت إلى أن بعض الأطراف، وعلى رأسهم الدبيبة، انحرفوا عن الدور المفترض لحكومة وحدة، واتجهوا إلى التحالف مع مجموعات كانت في السابق أذرعاً لما وصفه بـ “الإسلام السياسي”، من أجل البقاء في السلطة.
وأضاف أن الدبيبة، بدلاً من أن يكون حلقة وصل بين جميع الأطراف، اختار إقصاء مجلس النواب، مستفيدًا من الشرعية التي نقلها إليه فايز السراج، ليشعل فتيل التصعيد السياسي والعسكري من جديد.
وألمح غنية إلى بعض الأطراف المستفيدة من استمرار الفوضى، والرافضة للوصول إلى اتفاق سياسي شامل يُحقق مكاسب متوازنة للجميع. وقال: “هناك من لا يريد أي تقاسم للسلطة، ويُصرّ على فرض شروطه، ضاربًا بمصلحة الليبيين عرض الحائط”.
وانتقد المحلل السياسي تردي الأوضاع الخدمية، خصوصاً في مناطق الغرب الليبي ذات الكثافة السكانية العالية، مؤكدًا أن التنمية شبه متوقفة، والخدمات الأساسية تكاد تكون منعدمة، كما عبّر عن أسفه لما وصفه بـ “الكوارث” في القطاع الصحي، مشيرًا إلى أن المواطن بات يفضّل الاستقرار على أي شيء آخر، خشية العودة إلى الحرب التي تهدد لقمة عيشه وأمن أسرته. موضحاً أن المواطن البسيط أصبح ضحية صراع مستمر على المال والسلطة، في ظل تجاهل تام لمطالبه الأساسية في الأمن والتنمية والخدمات.
ودعا غنية إلى أهمية تواصل البعثة مع القوى الاجتماعية، مشدداً على أن الشبان المتقاتلين في ليبيا هم في نهاية المطاف أبناء قبائل وعائلات، مما يُبرز أهمية التواصل مع الشيوخ والحكماء والأعيان، الذين يشكّلون ركيزة أساسية في حل النزاعات.
مع ذلك، حذّر غنية من تجاهل دور بعض الدول المتدخلة في الشأن الليبي، وعلى رأسها تركيا، التي قال إنها “موجودة بقوة في المنطقة الغربية”، مطالباً بدور واضح وحازم من هذه الدول لدعم مسار السلام.
وفي سياق حديثه، أكد غنية أن العملية السياسية هي السبيل الوحيد لاستعادة الأمن، وفرض سيادة القانون، وإخراج القوات الأجنبية من البلاد. واعتبر أن استخدام السلاح لتحقيق أهداف سياسية أو مصالح شخصية، كما تفعل بعض الجماعات المسلحة، يجب أن يُواجه بالقانون الليبي، والعُرف السياسي والاجتماعي، فضلاً عن المرجعيات الدولية وعلاقات ليبيا مع الدول الشقيقة والصديقة.
وشدّد على أنه من حق الليبيين أن يلوموا كل من يعرقل الوصول إلى تسوية سياسية، سواء من الأطراف الداخلية، أو من المجتمع الدولي، داعياً إلى ضرورة الوصول إلى مستوى سياسي مقبول يضمن حلاً سلمياً وشاملاً لكافة الأزمات التي تمر بها ليبيا.
وأكد غنية أن استقرار المنطقة الغربية في ليبيا يتطلب احتكار الدولة للسلاح واستخدام العنف الشرعي، منوهاً بأن هذا الاحتكار يجب أن يكون حصرًا بيد وزارتي الدفاع والداخلية، دون غيرهما، وأن أي فشل في تحقيق هذا الاحتكار يجعل من الاتفاقات السياسية هشّة وعرضة للانهيار، إذ يمكن لأي طرف مسلح التأثير بسهولة على مجريات العملية السياسية، سواء بتحريض مباشر أو من خلال توظيف الولاءات داخل التشكيلات المسلحة.
وشدد غنية في ختام حديثه على أن أي حل سياسي حقيقي لا يمكن أن يُكتب له النجاح دون معالجة ملف السلاح، ودمج المسلحين في مؤسسات الدولة تحت مظلة القانون والشرعية.









