اخبار مميزةليبيا

الشرتاع: الحكومة القادمة ستكون مؤقتة

أكد السياسي والباحث القانوني، أسعد الشرتاع، أن الجدول الزمني المقترح للمسار السياسي من قبل البعثة الأممية يبدو جيداً من حيث الشكل، لكنه يفتقر إلى المنطق من ناحية التنفيذ.

وقال الشرتاح، في مقابلة مع قناة ليبيا الأحرار، إن تغيير الجدول الزمني مقارنة بالإحاطة السابقة يعد في جوهره محاولة لبعث رسائل إيجابية إلى جميع الأطراف، بهدف تشجيعهم على الانخراط في العملية السياسية ودعمها.

وأشار الشرتاع، إلى أن الجدول الزمني يعكس نية واضحة لإبراز أن الحكومة القادمة ستكون مؤقتة، الأمر الذي قد يمنح جميع الأطراف فرصة متكافئة في الانتخابات المقبلة، ويظهر وجود إرادة دولية جادة للسير نحو الاستحقاق الانتخابي.

وأوضح أن الجدول غير منطقي في جانبين، أولهما يتعلق بالإعداد الفني للمفوضية العليا للانتخابات، وهو ما يتطلب منحها الاستقلالية المالية وتنظيمها قانونياً، وهي مرحلة يمكن إنجازها ضمن الإطار الزمني المقترح. أما الجانب الثاني، فهو يرتبط بإمكانية تشكيل حكومة جديدة، بحسب ما أشارت إليه المبعوثة الأممية هانا تيتيه ضمن العملية السياسية.

ورداً على استفسار حول ما إذا كان حديثه يشير إلى فترة الشهرين أم الثمانية عشر شهراً، أوضح الشرتاع أنه يقصد الجدول الكامل الذي يمتد إلى 18 شهراً، وليس المدة القصيرة.

ورأي الشرتاع، أن المرحلة الحالية يجب أن تركز على الجوانب القابلة للتنفيذ، وعلى رأسها تهيئة المفوضية العليا، في حين أن بقية المسارات تتطلب مزيداً من الواقعية والتدرج لضمان نجاح العملية السياسية برمتها.

وحذر الشرتاح، من ربط تغيير الحكومة بإنجاز الإطار القانوني للانتخابات خلال فترة قصيرة، وهو بحسب الشرتاع سيؤدي إلى فشل المسار برمّته، مرجحًا أن يكون المخرج الوحيد هو تغيير الحكومة فقط دون تحقيق تقدم حقيقي في المسار الانتخابي.

وبين الباحث القانوني أن إعداد القوانين الانتخابية يتطلب وقتًا أطول من المدة المتاحة، نظرًا لتعقيد الإطار القانوني وصعوبة التوصل إلى توافق بين مجلسي الدولة والنواب، وهو ما تعذر تحقيقه على مدى سنوات.

وأضاف أن الخروج بقوانين تتماشى مع الإعلان الدستوري وتعكس إرادة الليبيين يحتاج إلى توافق واسع وغالبية نيابية، وهو أمر بالغ التعقيد ولا يمكن إنجازه في غضون شهرين فقط.

ونوه بأن استمرار الربط بين تغيير الحكومة وتوفير القاعدة الدستورية سيؤدي، على الأرجح، إلى تحقيق نصف الحزمة فقط، أي استبدال الحكومة دون تحقيق تقدم حقيقي نحو الانتخابات، معتبرًا أن مصطلح “الحكومة المؤقتة” في السياق الليبي غالبًا ما يعني بقاء طويل الأمد.

وفي سياق متصل، لفت إلى أن إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتة، تضمنت بعض التناقضات، حيث أكدت في ختام كلمتها على وجود رغبة شعبية قوية في إجراء الانتخابات، مستشهدة بنسبة المشاركة المرتفعة في الانتخابات البلدية. ومع ذلك، شددت على ضرورة تشكيل حكومة موحدة مؤقتة، وهو ما يُعد، في حد ذاته، مرحلة انتقالية جديدة.

وتابع بالقول: إن هذا الطرح يعيد البلاد إلى نقطة البداية، مؤكدًا أن الاستمرار في تدوير المراحل الانتقالية دون خارطة طريق واضحة لن يؤدي إلى استقرار دائم أو إنهاء للأزمة السياسية.

من جهة ثانية أكد الشرتاع، أن حكومة الوحدة حظيت بهامش سياسي يتيح لها التمسك بخيار الانتخابات، مشددًا على أن هذا المسار يمثل مطلبًا شعبيًا لا يمكن تجاهله، بضرورة تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة تعبّر عن إرادة الشعب الليبي.

وبين أن هناك إشكالية قائمة تتمثل في تعذّر إجراء الانتخابات المحلية في عدد كبير من البلديات، ما يعكس وجود عوائق ميدانية وتنظيمية تحول دون تحقيق تقدم فعلي في هذا المسار. لافتاً إلى أن الذهاب إلى انتخابات شاملة في ظل غياب تغييرات جوهرية على الأرض، وفي وقت زمني ضيق، يُعد تحديًا بالغ الصعوبة، وبالتالي لابد من تهيئة الظروف الملائمة لضمان نزاهة وفعالية العملية الانتخابية، بما يسهم في إرساء شرعية سياسية مستقرة في البلاد.

واعتبر الباحث القانوني أن الأزمة الليبية تعاني من إشكال فلسفي عميق يتمثل في غياب الإرادة الشعبية الحقيقية عن القوانين الناظمة للعملية السياسية، وعلى رأسها قانون الانتخابات، الذي أصبح خاضعًا لتجاذبات سياسية لا تعبر عن تطلعات المواطنين.

وأوضح أن الواقع السياسي في ليبيا فرض معادلة معكوسة؛ حيث لا يتم إنتاج القوانين من خلال توافق وطني يعكس الإرادة الشعبية، بل عبر صفقات وموازنات بين أطراف متنازعة المصالح، وهو ما يجعل التوصل إلى توافق حول قانون الانتخابات مسألة “غاية في الصعوبة”، بسبب تضارب الرؤى والضغوط الداخلية والخارجية.

وشدد الشرتاع على أن الحل الجذري للأزمة الليبية يجب أن يكون قانونيًا بالأساس، من خلال الاحتكام إلى إرادة الشعب، مشيرًا إلى أنه “لا يحق لأي طرف سياسي أن يعبث بأي قانون يصدر عن هذه الإرادة”، وهو ما لا يتحقق حاليًا.

وحول الدور الأممي، اعتبر أن مقترح تشكيل لجنة حوار سياسية جديدة، على غرار تلك التي أنتجت حكومة الوحدة الوطنية، يمكن أن يكون خطوة نحو تجاوز الجمود، بشرط أن تكون مخرجاتها مدعومة بقرار من مجلس الأمن، وليست مجرد إحاطة إعلامية تُطوى دون نتائج.

وأضاف أن “التجارب السابقة أثبتت أن الإحاطات التي لم تتبعها قرارات ملزمة من مجلس الأمن، كما حدث مع إحاطة يان كوبيتش، لم تنتج أي أثر سياسي ملموس”، على عكس الإحاطات التي دعمتها قرارات رسمية، مثل تلك التي قادها غسان سلامة.

وقال الشرتاع: إن الإحاطة الأممية الأخيرة لاقت ترحيبًا واسعًا من مختلف الأطراف، بما في ذلك المجلس الأعلى للدولة وعدة دول مؤثرة مثل أمريكا وروسيا ومصر، لكن كل طرف قرأ الإحاطة من زاويته، وركز على النقاط التي تخدم مصالحه، معتبرًا أن هذا الترحيب يشير إلى “انفتاح مؤقت”، في انتظار ما ستسفر عنه مداولات مجلس الأمن.

وأفاد بأن “جوهر المسألة لا يزال مرهونًا بإصدار قرار واضح من مجلس الأمن يفرض آليات تنفيذ واقعية”، محذرًا من أن بقاء الأمور في إطار “الطرح المعلوماتي” دون إلزام سياسي سيُبقي الأزمة تراوح مكانها، كما حدث في ملفات دولية أخرى مثل سوريا واليمن.

نوه الشرتاع، بأن الأزمة الليبية تتجاوز مجرد وجود سلطتين تنفيذيتين، مشيراً إلى أن الانقسام المؤسساتي في ليبيا أصبح ظاهرة شاملة تشمل مؤسسات رقابية وعسكرية وقضائية، وهو ما يعمق الأزمة ويصعب من معالجتها في المدى القريب.

وأشار إلى أن الانقسام لم يقتصر على الحكومة، بل امتد إلى مؤسسات الدولة الرقابية المرتبطة بمجلس النواب، كما لفت إلى احتمالية انقسام قريب داخل المؤسسة القضائية، وهو ما لا يرتبط مباشرة بالحكومات القائمة، بل ينبع من الواقع المعقد والمنقسم للبلاد. ولم يستثني الشرتاع، المؤسسة العسكرية من الانقسام معتبراً بأنها “خارج سيطرة الحكومة” في كل من المنطقة الغربية والشرقية، مضيفاً أن هذا الواقع يعكس ضعف الدولة المركزية وتشتت أدوات السلطة.

وبالانتقال إلى دور المجلس الرئاسي، قال الشرتاع إن المجلس يمتلك من الناحية القانونية بعض الأدوات، منها إمكانية إصدار إعلان دستوري في ظل ظروف استثنائية، مستنداً في ذلك إلى رأي صادر عن المجلس الأعلى للقضاء. لكنه أشار إلى أن الواقع العملي يفرض قيوداً على قدرة المجلس في اتخاذ خطوات مصيرية، موضحاً أن الشرعية أحياناً تستمد من السيطرة على الأرض، كما حدث سابقاً في ليبيا ومصر ودول أخرى، حيث تعامل القضاء مع إعلانات دستورية صادرة عن سلطات انقلابية باعتبارها وثائق قانونية.

رغم ذلك، يرى الباحث القانوني أن الرئاسي لا يملك السيطرة الكاملة على الدولة، ما يجعل دوره محدوداً في خارطة الطريق القادمة، متوقعاً أن يُعامل كطرف ضمن العملية السياسية دون أن يكون له تأثير حاسم.

وفي سياق الحديث عن الحلول، شدد الشرتاع على أن الاحتكام لإرادة الشعب يمثل جزءاً من الحل، إلى جانب طرح مقترحات لتفتيت السلطة المركزية، من خلال اعتماد نظام المحافظات كخيار اقتصادي ومجتمعي عادل، يساهم في تقليل حدة الصراع على السلطة المركزية.

وأكد على أن فكرة المحافظات ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة قادمة، لافتاً إلى أنه يجب مناقشة توقيت طرحها، سواء بإدراجها ضمن الخارطة الحالية أو تأجيلها لصالح أولويات أكثر إلحاحاً في الوقت الراهن.

وأبان الشرتاع أن المشهد السياسي يشهد تحوّلات متسارعة في ضوء المتغيرات الدولية والإحاطة الأممية الأخيرة، مشيرًا إلى أن صدور قرار من مجلس الأمن سيكون بمثابة مؤشر على توافق الإرادة الدولية تجاه ليبيا، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن القرار سيكون حاسمًا.

وأوضح الشرتاع أن البعثة الأممية استطاعت إلى حدّ كبير تحقيق توافق بين القوى الكبرى بشأن الملف الليبي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تغييرات على مستوى الحكومة أو تنظيم الانتخابات، مؤكدًا أن الخيارات المطروحة قد تشمل حلًا شاملًا أو جزئيًا بحسب مستوى التوافق.

كما شدد الشرتاع على ضرورة أن تعيد الكيانات الليبية، خاصة تلك المبنية على الفرد، حساباتها، معتبرًا أن الاعتماد على شخص واحد يجعل مصير هذه الكيانات مرهونًا ببقائه، وهو ما ثبت من خلال تجارب مؤسسات داخل طرابلس انهارت بمجرد غياب قياداتها، حتى في حالات الوفاة الطبيعية.

وأضاف أن المشهد الدولي يتجه نحو تغيرات كبرى قد تنعكس بشكل مباشر على الوضع الليبي، متوقعًا أن يشهد العالم تغيرًا في توازناته من الآن وحتى نهاية عام 2026، لا سيما في ظل مؤشرات تصاعد التوترات الجيوسياسية، سواء فيما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، أو الصراع الإيراني الإسرائيلي، أو حتى العلاقات المتوترة بين الهند وباكستان، مؤكدًا أن بعض الأطراف الليبية التي تستمد قوتها من الخارج قد تفقد نفوذها تدريجيًا مع تغير الخارطة الدولية.

واختتم الشرتاع حديثه بالتأكيد على أن الإحاطة الأممية الأخيرة حرّكت المياه الراكدة، ووفرت إطارًا مبدئيًا لتوافق دولي، مشيرًا إلى أن الأطراف الليبية – تحت ضغوط مختلفة – ستسعى للتقرب من مجلس الأمن ومغازلة إرادته، خصوصًا في ظل ملاحقة بعضها بملفات انتهاكات، وهو ما يجعل الانخراط في المسار الأممي خيارًا أقرب إلى الضرورة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى