اخبار مميزةليبيا

الكحلاوي: واشنطن تسعى بجدية إلى فرض حل سياسي في ليبيا

رأى الأكاديمي والكاتب طارق الكحلاوي، أن بعثة الأمم المتحدة بصدد “صناعة الواقع” من خلال إضفاء طابع الشرعية الدولية على التفاهمات بين الأطراف التي تسيطر على الأرض. ولفت إلى أن هذا التوجه يمثل أقصى ما يمكن أن تقوم به البعثة مقارنة بمساراتها السابقة، إذ إنها لم تعد وسيطاً محايداً بقدر ما باتت أداة لإضفاء غطاء دولي على تفاهمات محلية مفروضة بحكم السيطرة العسكرية أو السياسية.

وقال الكحلاوي في مداخله على تلفزيون “المسار”: “المسارات الدولية تصبح بلا معنى فعلي، ما لم يكن هناك توافق حقيقي بين الأطراف الفاعلة ميدانياً، متسائلاً عمّا إذا كانت جهود البعثة الأممية، تعكس فعلاً رغبة الأطراف المهيمنة على الأرض، وكذلك الأطراف صاحبة القرار في المجتمع الدولي، في الوصول إلى حل للنزاع”.

وأضاف “لقاء روما المرتقب يحمل أهمية تفوق تلك التي تُنسب لخريطة الطريق الأممية، ولابد من التركيز على الدور الدولي في هذا السياق، وتحديداً الدور الإيطالي. فإيطاليا لها تقاليد راسخة في سياستها الخارجية منذ الثمانينيات، حيث سعت إلى لعب دور مستقل ومبادر في منطقة المتوسط”.

وتابع “هناك تقارب وتفاهم ملحوظ بين روما وواشنطن في هذا الملف، ما يعزز من أهمية المبادرة الإيطالية التي لا يمكن اعتبارها منفصلة عن الديناميكيات الدولية الكبرى، بل تعكس تنسيقاً واضحاً مع الولايات المتحدة. وأي تحرك دولي لا يعكس مصالح وتوافقات حقيقية بين القوى الفاعلة محلياً ودولياً سيظل محدود الأثر، ونجاح أي مسار تفاوضي مرهون بمدى استعداد هذه الأطراف للتوصل إلى حلول واقعية ومستدامة”.

واستطرد “واشنطن تسعى بجدية إلى فرض حل سياسي في ليبيا، معتمدة على دور متقدم تلعبه الحكومة الإيطالية برئاسة جورجيا ميلوني، التي تحظى بدعم واضح من الإدارة الأمريكية وعلاقتها القوية بالرئيس دونالد ترامب، فإيطاليا، عبر تفويض غير معلن لميلوني، باتت طرفاً محورياً في المساعي الدولية لتقريب وجهات النظر بين الفاعلين الأساسيين في ليبيا، وهناك تبايناً في المقاربة بين ميلوني ورئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوزيبي كونتي، حيث تستند ميلوني إلى موقع حكومي مستقر وقدرة داخلية أكبر على التأثير”.

واستكمل “الرؤية الأمريكية، سواء عبر مبعوث الخارجية أو عبر قنوات شخصية تابعة للرئيس، تهدف إلى تسريع إيجاد تسوية للأزمة الليبية، وذلك في إطار رغبة إدارة ترامب بالوصول إلى نتائج ملموسة يمكن توظيفها سياسياً ضمن حملته الانتخابية، عبر تقديم ليبيا كـ نموذج سلام جديد يضاف إلى ملفه الدولي. فالفاعلين الأساسيين في ليبيا ممثلين في القيادة العسكرية في الشرق بقيادة المشير خليفة حفتر، وحكومة الدبيبة غرباً، يظلان الأكثر قدرة على تنفيذ أي تسوية محتملة. ومع ذلك لا توجد مؤشرات واضحة على استعداد أي منهما لتقديم تنازلات جدية حتى الآن، رغم الضغوط الدولية المتزايدة”.

وحول جدوى البحث عن تسوية سياسية واقعية تتجاوز الأطر المؤسساتية الحالية، أشار الكحلاوي إلى أن “الواقعية السياسية” قد تفرض إعادة النظر في دور المجالس الليبية القائمة، لصالح مقاربات مباشرة بين الأطراف النافذة فعلياً على الأرض، رغم أن ذلك لا يعكس بالضرورة المسار الأفضل لحل مستدام، قائلا: “الرغبة الأمريكية، المدفوعة بالحسابات الانتخابية لترامب، تتقاطع مع الواقع الليبي المعقد، إلا أن الأطراف المحلية لا تزال غير مستعدة لتنازلات حقيقية، مما يُبقي فرص التوصل إلى تسوية نهائية مرهونة بتطورات داخلية ودولية قادمة، مؤكداً أن البعثة الأممية في ليبيا تواجه صعوبات حقيقية في صناعة القرار، نظرًا لاعتمادها الكبير على توازنات القوى القائمة، سواء داخل ليبيا أو على المستوى الدولي”.

وأشار إلى أن المرحلة الراهنة من العلاقات الدولية تتسم بتصاعد ما وصفه بـ “السياسة الواقعية القصوى”، وهي مرحلة يرى أنها غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة. وبيّن أن هذا التوجه بلغ ذروته مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أرست قواعد تعامل جديدة تقوم أساسًا على منطق القوة المجردة. موضحاً أن ما يعزز خطورة هذا المنهج هو أن خصوم ترامب أنفسهم تبنّوا هذا الأسلوب في التعامل، كما أن حلفاءه لم يجدوا بديلاً سوى مجاراته، ما ساهم في تعميم منطق القوة كمرجعية وحيدة في التفاعلات الدولية.

وشدد على أن القيم المؤسسية، والقانون الدولي، وحتى التفاهمات السابقة، فقدت الكثير من فعاليتها، حيث أصبحت جميعها، حسب رأيه، بلا جدوى ما لم تدعمها قوة فعلية. وأكد على أن “القوة هي المرجع المحدد”، وهو ما يعكس واقعًا دوليًا جديدًا يفرض نفسه على كل محاولات التسوية، سواء في ليبيا أو غيرها من مناطق النزاع.

وأكد أن تصريحات البعثة الأممية لن تكون مؤثرة إلا إذا كانت تعبّر عن مواقف الأطراف الدولية صاحبة القرار، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، معتبراً أن أي حديث عن توحيد الحكومة خلال شهرين، كما ورد في بيان البعثة، يبدو إنشائيًا وغير واقعي بالنظر إلى الأوضاع الحالية.

وحول تهديد البعثة الأممية بمحاسبة “المعرقلين” للعملية السياسية، تساءل الكحلاوي عن مدى جدية هذه التصريحات، خصوصًا في ظل غياب آليات تنفيذ حقيقية. مشككاً في قدرة البعثة على اتخاذ خطوات عملية، مثل إصدار عقوبات أممية، مؤكدًا أن أطراف الصراع الليبي يتمتعون بدعم من دول كبرى داخل مجلس الأمن وهي قادرة على استخدام حق الفيتو لتعطيل أي قرار ضد حلفائها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى