الهنشير: على المصرف المركزي تسهيل صرف الأموال المخصصة لإعمار درنة

أكد الناشط المدني طلال الهنشير، أن مدينة درنة بدأت تتعافى بشكل ملموس من آثار كارثة إعصار “دانيال”، مشددًا على أن الذكرى الثانية للفاجعة تحضر هذا العام بين ألم الفقد وتجدد الأمل في النهوض من جديد.
وأوضح الهنشير، في مداخلة عبر قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24” أن أهالي المدينة، رغم الحزن العميق الذي لا يزال يسكن قلوبهم، أثبتوا صمودًا وتكاتفًا استثنائيًا، لافتًا إلى أن درنة اليوم تسير بخطى ثابتة نحو إعادة الإعمار، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل في بناء حياة تليق بأهلها وتعيد لها مكانتها وجمالها.
وأشار إلى أن المدينة بدأت فعليًا في تجاوز آثار الكارثة، إذ تقلّص عدد النازحين بشكل كبير. ورغم وجود بعض العائلات التي لا تزال دون مساكن، إلا أن الأزمة في طريقها إلى الحل، مع قرب افتتاح مشروع إسكان يضم 2001 وحدة سكنية، إضافة إلى مشاريع سكنية أخرى تتجاوز 500 وحدة، مؤكدًا أن هذه المبادرات من شأنها أن تُحدث فرقًا ملموسًا في أوضاع النازحين.
وفي سياق حديثه عن الجانب الإنساني، قال الهنشير إن مرارة الفقد لا تزال حاضرة في كل بيت داخل درنة، مضيفًا: “لا توجد أسرة في المدينة إلا وفقدت عزيزًا”، مشيرًا إلى أن الذكرى الثانية للكارثة أعادت فتح الجراح، لكنها في الوقت ذاته أعادت إشعال شعلة الأمل بفضل وعي وثقافة المواطنين، لا سيما الدينية منها، التي ساعدتهم على الصبر وتقبل قضاء الله.
وعلى صعيد توثيق الضحايا، أشار إلى تقارب ملحوظ بدأ يظهر بين أرقام الحكومة وأرقام منظمات المجتمع المدني، حيث تراجعت الفجوة الكبيرة التي كانت موجودة سابقًا، حين تحدثت بعض الجهات عن سقوط ما يقارب 15,000 إلى 20,000 ضحية، مقابل 3,000 إلى 4,000 وفق البيانات الرسمية.
واعتبر الهنشير هذا التقارب مؤشرًا إيجابيًا، مرجّحًا أن التعاون بين الجهات الرسمية والمنظمات المدنية ساهم في تحسين دقة البيانات، خصوصًا بعد إجراء دراسات ميدانية بإشراف ناشطين على رأسهم محمد عبد العاطي، لتوثيق المفقودين والضحايا بشكل علمي وموثوق.
وأفاد بأن المدينة، ورغم المآسي، تمضي نحو مستقبل أكثر إشراقًا، داعيًا إلى مواصلة الدعم الرسمي والمجتمعي لضمان تجاوز المدينة هذه المرحلة الصعبة بالكامل.
وأضاف الهنشير أن عدد الوحدات السكنية المنجزة في المنطقة تجاوز عتبة 4000 وحدة، ضمن مشاريع متعددة تستهدف تغطية احتياجات السكن للنازحين والمواطنين الحاصلين على تخصيصات سابقة.
وأشار إلى مشروع الألف وحدة سكنية إلى جانب مشروع شركة الجبل الذي يتضمن نحو 1150 وحدة سكنية، بالإضافة إلى حوالي 280 وحدة أخرى في المنطقة المعروفة سابقًا بـ “معسكر عزوز”، تمثل أبرز مكونات هذه الخطة السكنية.
وفي سياق متصل، أوضح الهنشير أن نسبة الإنجاز في بعض المشاريع بلغت مراحل متقدمة، حيث اكتملت أعمال معسكر عزوز ومشروع الألف ومئة وحدة بنسبة تتراوح بين 98% و100%، في حين تتفاوت نسب الإنجاز في بقية المشاريع، إذ تصل إلى 30% أو 40% في بعض المباني الأخرى، بينما تقدّمت عمارات الصداقة وعمارات شعبية غازي إلى قرابة 70% من الإنجاز.
وعن المساكن التي تعرف بـ”سيد الهنشير”، والتي تعود ملكيتها لأشخاص منذ عام 2011 أو ما قبله، أوضح المتحدث أن هذه الوحدات لم تستكمل إجراءات التخصيص، رغم مضي أكثر من 15 إلى 16 سنة على بعض الملفات، مشيرًا إلى أن لجنة تم تشكيلها مؤخراً لإعادة دراسة وفرز هذه الحالات.
وبيّن الهنشير أن اللجنة قامت بتصنيف الملفات وفق معايير واضحة، وسيتم توزيع الشقق السكنية بحسب الأولوية، مشددًا على أن المعلومات المتوفرة تؤكد كفاية عدد المباني المنجزة لتغطية حاجيات كل من النازحين وأصحاب إجراءات التخصيص السابقة.
من جهة ثانية طالب الهنشير، الجهات المعنية بالإسراع في صرف التعويضات للمتضررين من كارثة إعصار دانيال، مشدداً على أن المدينة لا تزال في أمسّ الحاجة للدعم الفعلي وليس الشعارات، في ظل ما وصفه بـ “الكارثة الطبيعية الأكبر التي مرت بها ليبيا منذ مئات السنين”.
واعتبر أن احتياجات المدينة تبدأ من تعويض المواطنين الذين فقدوا منازلهم أو تضررت مساكنهم بشكل كلي أو جزئي، مؤكداً أن الشقق المؤقتة الممنوحة لبعض المتضررين لا تكفي، إذ إن العديد منهم يرغبون في العودة لبناء منازلهم على أراضيهم، التي دخلت في نطاق مشاريع التوسعة أو تم الاستيلاء عليها لصالح التخطيط الجديد للمدينة دون تعويض حتى الآن، سواء لأسباب مالية أو تنظيمية.
لفت إلى أن بعض أصحاب الأراضي فقدوا ممتلكاتهم نتيجة توسعة مجرى الوادي، أو تنفيذ مشاريع بنية تحتية، ومع ذلك لم تُصرف لهم أي تعويضات حتى اللحظة، ما يشكّل ظلماً واضحاً في ظل الحاجة الماسة لإعادة الإعمار.
وأضاف أن القطاع التجاري في درنة تعرّض لضربة قاصمة، بعد أن طال الإعصار قلب المدينة التجاري، متسبباً في خسائر فادحة للتجار الذين يعانون أساساً من ظروف اقتصادية صعبة منذ سنوات سبقت الإعصار. واعتبر أن ما حدث أشبه “بإنهاء للتجارة” داخل المدينة.
وفي السياق ذاته، أشار الهنشير إلى أن الإعصار لم يدمّر المباني فقط، بل شرد العائلات، وقضى على حياة آلاف المواطنين، فيما خسر آخرون أموالهم وأرزاقهم بالكامل. وأكد أن قيمة التعويضات يجب أن تكون كافية لتمكين المتضررين من إعادة بناء حياتهم وممتلكاتهم، لا أن تكون مجرد حلول مؤقتة.
ووجّه الهنشير نداءً إلى المجتمع الدولي، والجهات الحكومية الليبية، بما في ذلك مصرف ليبيا المركزي، بضرورة تسهيل صرف الأموال المخصصة لإعمار المدينة، دون وضع العراقيل السياسية، مشدداً على أن درنة تستحق معاملة استثنائية لما مرت به من فاجعة إنسانية غير مسبوقة.
وأضاف: “لا يجب أن تُربط درنة بالخلافات السياسية، فهي مدينة منكوبة، فقدت ثلثها تقريباً، وآلاف العائلات باتت بلا مأوى. المطلوب الآن هو الوفاء لهذه المدينة عبر دعم حقيقي وفعّال”.
وأكد الهنشير أن المواطنين في درنة لم يتوقعوا الوصول إلى هذه المرحلة من إعادة البناء، لكن جهود الإعمار الجارية حالياً تُعد كبيرة ومشجعة، رغم استمرار الحاجة إلى مزيد من الدعم. ودعا كل الجهات، سواء كانت محلية أو دولية، إلى المساهمة في استكمال ما تم إنجازه، وعدم الوقوف حجر عثرة أمام صرف الأموال أو تنفيذ المشاريع.
شدد حديثه بالقول: “إذا لم تستطع الجهات المختلفة الوصول إلى درنة والمساهمة في إعمارها، فعلى الأقل لا تكونوا سبباً في تأخير أو تعطيل المشاريع التي تُعيد الحياة لهذه المدينة التي دفعت ثمناً باهظاً نتيجة هذه الكارثة الطبيعية”.
ولفت أن أهالي مدينة درنة ما زالوا يتابعون مسار العدالة في قضية فاجعة المدينة بثقة ووعي، رغم ما يحيط بالملف من تعقيدات قانونية وإجراءات قضائية متواصلة.
وفي حديثه حول قرار المحكمة العليا بنقض الحكم الصادر عن محكمة استئناف درنة، أوضح الهنشير أن هذا التطور أثار تساؤلات عديدة لدى المواطنين، خاصة فيما يتعلق بإعادة المحاكمة وما قد تسفر عنه من أحكام جديدة.
كما أشار إلى أن الغموض يحيط بمصير بعض الشخصيات المرتبطة بالقضية، سواء من حيث إدانتها أو تبرئتها، مما يترك الباب مفتوحاً لتأويلات متعددة في الشارع الدرناوي.
وبينما لا يعوّل الأهالي على أحكام الأرض وحدها، يظل الأمل معقوداً على تحقيق العدالة، باعتبارها السبيل الوحيد لـ “شفاء الغليل”، على حد تعبيره.
وأعرب الهنشير عن استياء واسع بين السكان بسبب استمرار حرية بعض الأشخاص المتهمين أو المشتبه بتورطهم في الفاجعة، والذين لا يزالون يظهرون في الحياة العامة أو عبر وسائل الإعلام دون مساءلة واضحة.
في المقابل، دعا الهنشير إلى فهم أعمق للإجراءات القضائية، موضحاً أن بعض الأحكام قد تكون غيابية أو قابلة للاستئناف، ما يعني بقاء المتهمين خارج السجن حتى صدور أحكام نهائية.
وفي ختام تصريحه، جدد طلال الهنشير ثقته في المؤسسة القضائية الليبية، مشدداً على أن الشعب الدرناوي، رغم ألمه، ما زال مؤمناً بأن العدالة ستأخذ مجراها في نهاية المطاف، وأن القضاء لن يخيّب آمال من فقدوا أحبّاءهم في واحدة من أسوأ الكوارث التي شهدتها المدينة.









