غنية: واشنطن غير جادة في حل الأزمة الليبية ولا تستخدم أدواتها الضاغطة
رأى الباحث السياسي عبد العزيز غنية، أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تُبدِ حتى الآن جدية كافية في اتخاذ قرار سياسي حاسم بشأن الأزمة الليبية، مشيرًا إلى أن واشنطن تتعامل مع الملف الليبي من منطلق الإدارة لا الحسم، وتفتقر إلى الإرادة الحقيقية لوضع حد للصراع المستمر في البلاد.
وقال غنية، في مداخلة على «قناة الوسط»، رصدتها «الساعة 24»: “الولايات المتحدة تمتلك أدوات عديدة يمكن أن تفرض من خلالها التزام الأطراف الليبية باتفاقاتها، من بينها الدبلوماسية، والضغوط المالية، والقدرات العسكرية، إلا أنها لا تستخدمها بشكل فعلي لإنهاء الانقسام، فواشنطن، ومعها القوى المتحكمة في مجلس الأمن، لا ترى في استقرار ليبيا مصلحة آنية، وهو ما يفسر استمرار حالة الجمود السياسي”.
وأضاف “اتفاق الصخيرات، الذي رعته الأمم المتحدة وأسفر عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني، فشل في تحقيق أهدافه، لا سيما في تهيئة البلاد للانتخابات، بل زاد من تعقيد المشهد، مما جعل تلك الحكومة جزءًا من الأزمة بدل أن تكون مدخلًا للحل، والتحركات الأمريكية تُدار في أغلبها عبر مكاتب علاقات عامة، أو من خلال وكلاء إقليميين مثل تركيا وإيطاليا، إلا أن هؤلاء – بحسب وصفه – “ليسوا سوى مقاولين محليين” لا يملكون القدرة على تجاوز الأهداف الأمريكية في المنطقة”.
وتابع “واشنطن لم تتخذ حتى الآن خطوات جادة على الأرض، حيث لم تلوّح بعقوبات فعلية تُجبر الأطراف المتصارعة على الالتزام، مضيفًا أن التصريحات المتكررة لا تكفي لإحداث تغيير ملموس والتدخل الأمريكي الوحيد الذي يُذكر في ليبيا تمثل في عمليات محدودة ضد تنظيم داعش في سرت، في حين تولّى الجيش الليبي وأهالي بنغازي مهمة مواجهة التنظيم الإرهابي في الشرق”.
واستطرد “واشنطن أرسلت قوات خاصة وطائرات مسيّرة في إطار تلك العمليات، لكنها انسحبت لاحقًا، وسحبت معها عناصرها الاستخباراتية، خصوصًا مع تصاعد العمليات العسكرية قرب طرابلس عامي 2019 و2020، وهو مؤشر على أن واشنطن لا تنظر إلى الحل السياسي في ليبيا كأولوية، فغياب الجدية يُطيل أمد الأزمة، وأن أي حل حقيقي يتطلب إرادة دولية حاسمة تبدأ بفرض العقوبات على المعرقلين وتنتهي بدعم مسار سياسي شامل يفضي إلى انتخابات حرة ونزيهة”.
وأشار إلى أن تدخل الولايات المتحدة في الشأن الليبي لا يمكن وصفه بالمساعد أو المحايد، بل اعتبره “تدخلًا مباشرًا”، خاصة بعد أن فرضت واشنطن رقابة على المصرف المركزي من خلال وزارة الخزانة الأمريكية، ما وصفه بـ”الاحتلال المباشر للبلد”، قائلا: “القوى الإقليمية والدولية، منذ اندلاع الأزمة الليبية قبل أكثر من 15 عامًا، لم تتحرك بدافع دعم الديمقراطية أو مصلحة الشعب الليبي، بل بدوافع استراتيجية ومصلحية بحتة، معتبرًا أن هذا التدخل كان ولا يزال سافرًا، وأدى إلى تعقيد المشهد السياسي بدلًا من حله”.
وكشف أن الولايات المتحدة قامت في أكثر من مناسبة باختطاف مواطنين ليبيين من داخل الأراضي الليبية بتهم تتعلق بالإرهاب، دون إجراءات قانونية واضحة، ما يثير تساؤلات حول شرعية هذه الممارسات. كما بيّن أن بعض هؤلاء المعتقلين متهمون في قضية الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي، في وقت كانت فيه المدينة تحت سيطرة جماعات متطرفة.
وأكد أن واشنطن، رغم قوتها ونفوذها، لم تقدّم حتى اليوم رؤية واضحة أو آلية فاعلة لحل الأزمة الليبية، مشيرًا إلى أن لقاءاتها المتكررة مع الأطراف الليبية لا تتجاوز الطابع البروتوكولي، دون أن تُفضي إلى نتائج ملموسة على الأرض، منتقدا بشدة ما وصفه بـ “غياب الجدية” لدى المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة، في معاقبة معرقلي الحل السياسي، قائلاً: “لم نشهد فرض أي عقوبات حقيقية على من يعرقل جهود المصالحة أو من ارتكب انتهاكات جسيمة في حق الليبيين”.
وواصل “حالة اللا وفاق القائمة في ليبيا انعكست سلبًا على حياة المواطنين، بما في ذلك تدهور قيمة الدينار الليبي وتردي الأوضاع المعيشية، مشددًا على ضرورة تنازل الأطراف الليبية الفاعلة عن مصالحها الضيقة، والانخراط في مسار حقيقي نحو التوافق الوطني”، متسائلا عن جدوى استمرار الاجتماعات والمبادرات الدولية في ظل غياب نية حقيقية لدى الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، في الدفع نحو حل شامل، معتبرًا أن ما يجري لا يعدو كونه “إدارة للأزمة” وليس “حلاً لها”.









