الرملي: الهدوء الأمني بطرابلس أقرب إلى “تضميد جراح” لا يعالج أصل الداء

أكد الدكتور محمود الرملي، الأستاذ الجامعي والمتخصص في السياسات الاستراتيجية، أن التفاهمات التي جرت بين الأطراف في طرابلس لا ترقى إلى مستوى اتفاق قانوني، مشيرًا إلى أنه “مشروع اتفاق” أو “تفاهمات مبدئية” لم تدخل حيز التنفيذ الرسمي.
وأوضح الرملي في مداخلة على قناة “الوسط”، أن “الاتفاق الحقيقي يتطلب التقاء الأطراف على إحداث أثر قانوني، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة”.
ولفت إلى أن غياب الثقة المتبادلة بين الجانبين يمثل العقبة الأكبر أمام إتمام الاتفاق، حيث لا يزال كل طرف يتحفظ على التوقيع أو الإفصاح الكامل عن مواقفه، في ظل مطالب مستمرة بتوفير ضمانات.
وأشار الرملي إلى أن هوية الأطراف المشاركة في هذه التفاهمات غير واضحة بشكل كافٍ، متسائلًا إن كانت الأطراف المقصودة هي المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة، خاصة في ظل الحديث عن وجود “خصومة ضمنية” بينهما، إلى جانب قوى أخرى مثل جهاز الردع، وغيرها من التشكيلات المسلحة.
واعتبر الأستاذ الجامعي، أن حضور الأطراف الإقليمية والدولية في هذا الملف يحمل بُعدين؛ أحدهما إيجابي يتمثل في محاولة الدفع نحو التهدئة، وآخر سلبي يكشف عن عجز الداخل الليبي عن حل مشكلاته دون وساطات خارجية، ما يعكس استمرار الضعف المؤسساتي، ويكرس الاعتماد على التدخلات الأجنبية.
وفي سياق متصل، نوّه الرملي إلى أن الوصول إلى تفاهم، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة حل كل الإشكاليات، خصوصًا في ظل غياب التوقيع الرسمي والضبابية التي تحيط بمضمون الاتفاق. معرباً عن خشيته من أن تكون بعض الأطراف تحاول الانسحاب بهدوء من المواجهة دون تحمل مسؤوليات واضحة، أو الالتزام بحلول شاملة.
وتابع: الأزمة الليبية تجاوزت الأبعاد السياسية والأمنية لتطال الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يستدعي معالجة حقيقية تتجاوز التفاهمات الشكلية، داعيًا إلى إنهاء حالة الغموض، لاسيما في ظل غياب أي توضيحات رسمية من قبل الحكومة أو الرئاسي، رغم وجود ناطقين رسميين لكل طرف.
مشددا على أهمية تجنب الصدام، والابتعاد عن لغة السلاح، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة أن تتسم المرحلة القادمة بالوضوح، والمصارحة مع الرأي العام الليبي، بما يضمن تجاوز المرحلة الراهنة بشكل فعّال لا يكرّس الأزمة، بل يفتح الباب أمام حل دائم وشامل.
وأردف الرملي: الاتفاق الأخير بشأن الترتيبات الأمنية في العاصمة طرابلس لا يبدو كفيلاً بتغيير جذري في خارطة النفوذ الأمني والسياسي، معبراً عن قلقه من أن يؤدي إلى ولادة مربع أمني جديد تتحرك فيه قوة “الردع”، دون وجود ضمانات كافية لعدم الاحتكاك مع القوات الموالية لحكومة الوحدة الوطنية.
وأكد أن ما يثير الاستغراب هو غياب الشفافية بشأن هذا الاتفاق، مشيراً إلى أن الليبيين، رغم أنهم المعنيون الأساسيون به، لم يُطلعوا حتى الآن على مضمونه أو بنوده أو آليات تنفيذه، وهو ما يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات. وأضاف: “الغموض الإيجابي لا يُفسر في صالح القضية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمن العاصمة ومصير الدولة.”
وانتقد الرملي غياب الإعلان الرسمي عن تفاصيل الاتفاق، قائلاً إن الاعتماد على التصريحات الشفوية من بعض الأطراف يقوّض مصداقية العملية برمتها، ويعكس حالة من التخبط السياسي والمؤسسي.
وشدد على ضرورة إصدار بيان مكتوب يحدد النقاط المتفق عليها، الجهات الضامنة، والمسؤوليات المترتبة على كل طرف، بالإضافة إلى التزامات زمنية ومكانية واضحة.
وبينّ الرملي أن المجلس الرئاسي لا يمتلك الأدوات الكافية لفرض تنفيذ الاتفاق، مشيراً إلى أن البلاد تعيش إشكالية واضحة بين “الشرعية والفاعلية”، حيث إن من يملك القرار لا يملك النفوذ على الأرض، والعكس صحيح. واعتبر أن تجاوز هذه الفجوة يتطلب حلولاً سياسية شجاعة وإجراءات جريئة.
كما حذّر من أن الأزمة لم تنتهِ، بل تم ترحيلها مؤقتاً دون معالجتها من الجذور، مبيناً أن إعلان تسليم المنشآت والمقار الأمنية، دون آلية تنفيذ حقيقية، لا يرقى إلى مستوى الطمأنينة المطلوبة محلياً ودولياً، خصوصاً في ظل تكرار سيناريوهات التسليم منذ عام 2011 دون نتائج ملموسة.. مبيناً أن التعامل مع أمن مطار معيتيقة في طرابلس، مثلاً، يتطلب إجراءات أكثر صرامة، باعتباره مرفقاً سيادياً يتعامل مع جهات دولية، وليس مجرد موقع يخضع لتغييرات شكلية في السيطرة.
ودعا الأستاذ الجامعي، إلى إنهاء سياسة الترضيات، التي وصفها بأنها لا تُنتج دولة، بل تعزز من نفوذ الأفراد والجهات المسلحة. وقال إن الحل يكمن في تشكيل مؤسسات قوية تخضع للقانون وتستند إلى الشرعية، مع ضرورة نشر محاضر الاتفاقات والمناقشات المرتبطة بها، وتمكين الإعلام من الاطلاع على كافة التفاصيل، باعتباره سلطة رقابية يجب احترام دورها.
وشدد على أن ليبيا “أمانة في عنق الجميع”، وأن الطريق إلى الاستقرار يبدأ من اتفاقات مكتوبة، واضحة، قابلة للتنفيذ، ومدعومة بضمانات محلية حقيقية – وليس مجرد إعلانات أو تفاهمات غامضة تفتقر إلى القوة القانونية والعملية، معتبرا إن خفض التوتر العسكري في العاصمة طرابلس يُعد خطوة جزئية ومحدودة التأثير، مؤكدًا أن الحل الحقيقي يكمن في معالجة الأزمة السياسية الليبية بشكل شامل وجذري.
وأضاف أن الانقسام السياسي والعسكري في ليبيا بلغ مستويات خطيرة، حيث أصبحت البلاد مهددة بانشطار فعلي قد يتجاوز الانقسام الجغرافي إلى ما هو أخطر، في ظل غياب رؤية موحدة وغياب مؤسسات قادرة على احتواء الأزمة.
لافتاً إلى أن الهدوء الأمني الذي تشهده العاصمة لا يعكس بالضرورة حالة استقرار حقيقية، بل هو أقرب إلى “تضميد جراح” لا يعالج أصل الداء، مؤكدًا أن الأزمة الليبية تتطلب تشخيصًا دقيقًا وعلاجًا فعالًا، حتى وإن كان هذا العلاج “علقمًا مرًا”.
وشدد على أن استمرار نفس الأدوات والشخصيات في المشهد السياسي لن يؤدي إلى نتائج مختلفة، مهما تغيرت التحالفات أو تبدلت المسميات، مضيفًا أن السياسيين الليبيين خيبوا آمال الشارع، وفشلوا في أداء التزاماتهم الأدبية والقانونية تجاه الشعب، وخاصة فيما يتعلق بإنجاز الدستور وتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة.
وانتقد الرملي تدخل بعض الأطراف الدولية، مشيرًا إلى أن كثيرًا منها لا يرغب في إنهاء الأزمة الليبية، لأن استمرارها يُبقي لهم موطئ قدم في المشهد الليبي، ويتيح لهم التدخل تحت غطاء الوساطة أو الدعم.
وختم بالقول إن ما تحتاجه ليبيا ليس حلولًا “ترقيعية” ، أو مسكنات وقتية، بل رؤية وطنية جادة تُبنى على أساس الإرادة الليبية الخالصة.









