العربي الورفلي: اتفاق طرابلس مجرد هدنة مؤقتة

حذر المحلل السياسي، العربي الورفلي من أن العاصمة طرابلس باتت أقرب إلى “شبه دولة” تُدار من قبل ميليشيات مسلحة، وليس مؤسسات رسمية، مؤكدًا أن استمرار الانفلات الأمني والتدخلات الأجنبية قد يؤدي إلى اندلاع حروب جديدة، ما لم يتم تفكيك هذه الجماعات ونزع سلاحها بالكامل.
وقال الورفلي، في مداخلة له على قناة “ليبيا الحدث”، إن الوضع الأمني في طرابلس يشهد توترات متصاعدة رغم محاولات التهدئة، موضحًا أن العاصمة تعاني من تحشيدات عسكرية مكثفة خلال الشهرين الماضيين، خاصة من ميليشيات قادمة من مصراتة، مزوّدة بأحدث الأسلحة، تنتشر تحت مسمى “قوات الردع” دون أي رادع فعلي من الدولة.
واعتبر الورفلي، أن هذه القوات تسيطر على واقع المدينة وتخوض صراعات عنيفة على النفوذ ومصادر المال.
وأشار الورفلي، إلى أن الاتفاق الأخير الذي تم توقيعه برعاية تركية هو اتفاق مؤقت لا يُتوقع أن يصمد طويلًا في ظل التوترات المستمرة، مبينًا أن القوات التركية تُعد الضامن الرئيسي لهذا الاتفاق نظرًا لتواجدها العسكري في طرابلس وسعيها لحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية، خصوصًا المتعلقة بالنفط والغاز.
كما كشف الورفلي أن الاتفاق نصّ على انسحاب قوات الردع من مطار معيتيقة، إلى جانب انسحاب الميليشيات من مطارات أخرى مثل مطاري مصراتة وزوارة، إلا أن تنفيذ هذا البند يواجه تحديات كبيرة، نظرًا لأن تلك المطارات تمثل منافذ استراتيجية للنفوذ والتهريب.
ورأى الورفلي، أن أسباب اندلاع الأزمة، هو التحريض المستمر من المفتي المعزول بشأن إطلاق سراح متطرفين من سجن الردع وهو أحد الأسباب الجوهرية لاندلاع الأحداث الأخيرة.
وبيّن أن هؤلاء السجناء شارك بعضهم سابقًا في معارك بمدينة بنغازي، وتم الدفع باتجاه إطلاقهم بغية إعادة تشكيل ميليشيات جديدة تهدد استقرار العاصمة.
وربط الورفلي بين هذه التحركات وبين محاولة رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لتعزيز سيطرته على العاصمة بعد إقصاء جهاز الاستقرار التابع لغنيوة الككلي، مشيرًا إلى أن الدبيبة لم يتبق له سوى الاعتماد على جهاز الردع، وهو ما ساهم في تعقيد الأزمة.
وبينّ الورفلي، أن ميليشيات مصراتة المسلّحة قامت بتحشيدات كبيرة داخل طرابلس بهدف إشعال صراع جهوي قد يمتد إلى مدن الزاوية والغرب، خاصةً بعد حديث المبعوث الأممي عن تشكيل حكومة جديدة، ما دفع بعض القوى إلى محاولة خلط الأوراق وتأجيج الصراع مجددًا.
وبخصوص التواجد الأجنبي، جدد الورفلي رفضه القاطع لأي وجود عسكري أجنبي على الأراضي الليبية، واصفًا ذلك باختراق واضح للسيادة الوطنية، مؤكدًا أن تركيا تلعب دورًا معقدًا في دعم ميليشيات متغيرة بحسب مصالحها الأمنية والاقتصادية.
ولفت إلى أن حل الأزمة لا يكمن في الاتفاقات المؤقتة، بل في نزع سلاح الميليشيات واستعادة الدولة لسيطرتها على مؤسساتها، فضلًا عن ضرورة تشكيل حكومة جديدة تمهّد لانتخابات برلمانية وتشريعية تُعيد الاستقرار السياسي والأمني.
كما شدد الورفلي على ضرورة التعامل مع ملف الميليشيات بشكل علمي، داعيًا إلى إجراء بحوث علمية دقيقة لفهم طبيعة هذه المجموعات، وتمييز ما وصفها بـ “الميليشيات الحميدة” عن تلك المؤدلجة.
وأشار إلى أن بعض الميليشيات التي ظهرت في بدايات الثورة كانت تهدف إلى المال والنفوذ، في حين برزت لاحقًا ميليشيات ذات أجندات سياسية ودينية، مثل أذرع جماعة الإخوان المسلمين وحزب العدالة والبناء، ومن بينها “درع بنغازي”، التي استخدمت في قمع المواطنين، ولا تزال نشطة ضمن خلايا سرية في العاصمة.
وأكد أن هذه الأذرع تعمل بشكل خفي في بعض المناطق، ما يتطلب فهمًا علميًا شاملًا لمعالجة آثارها الخطيرة على الأمن القومي.
في السياق ذاته، أوضح الورفلي أن الميليشيات التي كانت تدعمها حكومة الدبيبة تحولت إلى قوى خارجة عن القانون، تسببت في معاناة الشعب وعطّلت مسيرة التنمية، مشيرًا إلى أن المواطن الليبي لم يعد يتحمل المزيد من الفوضى والعبث المسلح.
وأوضح أن المدن في مثل بنغازي ودرنة التي تخلى عنها الجميع، بما فيهم حكومة الدبيبة، تشهد اليوم تنمية حقيقية وأمنًا مستتبًا بفضل جهود المؤسسة العسكرية، في حين لا يزال الغرب يعاني من وجود ميليشيات نائمة، وخلايا إرهابية تحاول تعطيل الاستقرار.
وحذر الورفلي من التحريض المستمر ضد المؤسسة العسكرية، مؤكدًا ضرورة دعمها باعتبارها الضامن الحقيقي لحماية الدولة وتحقيق حل سياسي – عسكري متكامل، يعيد العدالة والمساواة ويضمن بناء دولة القانون، خاصة بعد أن أثبتت التجربة أن الحلول الأخرى لم تحقق نتائج في ظل استمرار الإرهاب.
وأكد أن الدولة الليبية لا تزال في مرحلة التأسيس، وتعتمد على ركائز أمنية وعسكرية قبل الانطلاق في البناء السياسي الحقيقي، داعيًا إلى التلاحم الوطني ونزع سلاح الميليشيات.
كما أشار إلى أن الاتفاقات الحالية مع هذه الجماعات مجرد حلول “ترقيعية” لا ترتقي إلى المعالجة الجذرية للأزمة، مطالبًا كافة الليبيين بدعم جهود إعادة الأمن للعاصمة وإنهاء تعدد مراكز القوة.
وثمن الورفلي في ختام حديثه الحراك المدني للشباب في مناطق سوق الجمعة وتاجوراء والمناطق المجاورة، الذين كان لهم دور محوري في مقاومة تغوّل الميليشيات، داعيًا جميع الأطراف إلى احترام طرابلس وأهلها الذين يستحقون الأمن والاستقرار، مؤكدًا أن الحل يبدأ من الداخل، لا من الخارج، وأن بناء الدولة لا يتحقق إلا بتفكيك الميليشيات وعودة سيادة المؤسسات.









